في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات أصدر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، قرارًا بتعيين الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، سفيرة للسعودية في واشنطن، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المملكة، بدلاً من شقيقه الأمير خالد بن سلمان الذي عُيّن نائبًا لوزير الدفاع برتبة وزير.

القرار الذي أصدره ولي العهد بالتزامن مع حضور والده القمة العربية الأوروبية المنعقدة في شرم الشيخ جاء في وقت يتصاعد فيه الغصب الغربي بسبب الاتهامات الموجهة له بالتورط في قتل الصحفي جمال خاشقحي، إضافة إلى الاحتجاجات ضد المملكة جراء سياساتها الخارجية في اليمن التي خلفت مئات القتلى وعشرات آلاف المشردين.

تعيين امرأة كسفيرة للمملكة في أمريكا بدلاً من نجل العاهل السعودي - الذي كان يعد لمنصب وزير الخارجية مستقبلاً في ظل ما كان يتمتع به من شبكة علاقات قوية مع الأمريكان -، في هذا التوقيت على وجه الخصوص، والأهداف التي دفعت إلى اتخاذ هذا القرار، علامات استفهام أربعة أطلت برأسها في محاولة للبحث عن إجابة تفسيرًا لتلك الخطوة.

لماذا ريما بنت بندر؟

بالطبع لم يكن اختيار ريما بنت بندر بن سلطان لهذا المنصب اختيارًا عشوائيًا، وإلا فهناك العشرات من النساء السعوديات المؤهلات لهذه المهمة لم يتم الاختيار من بينهن، ورغم أنها لا تملك أي خبرة سياسية، داخلية كانت أو خارجية، فإن وقوع الاختيار عليها جاء وفق معايير أخرى، تلك المعايير التي ستحقق الأهداف التي من أجلها أصدر ولي العهد هذا القرار.

ريما المولودة عام 1975، الحاصلة على البكالوريوس في الآداب من كلية ماونت فيرون في جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة عام 1999 لم تتقلد أي منصب سياسي في تاريخها سوى تعيينها مستشارة في مكتب ولي العهد، هذا المنصب الذي يُمنح كتشريف لأبناء الأسرة الحاكمة، وليس له أي صلاحيات سياسية مطلقًا.

إلا أنها خرجت للعمل العام بعد ذلك بعد توليها منصب وكيلة التخطيط والتطوير في الهيئة العامة للرياضة، وترؤسها اتحاد الرياضة المجتمعية، ومساهمتها في تأسيس التعليم الرياضي للفتيات في وزارة التعليم، إذ كان يحظر على النساء السعوديات لفترة طويلة ممارسة الرياضة داخل المدارس.

في ظل السيرة الذاتية الفقيرة للسفيرة السعودية الجديدة في واشنطن لا يزال السؤال قائمًا: لماذا هي بالذات؟ وهنا تتمحور الإجابة حول كلمة السر المتمثلة في والدها بندر بن سلطان السفير السعودي في أمريكا بين أعوام 1983 و2005، الذي يعد أطول سفراء المملكة في الولايات المتحدة والمقرب بشدة من الطبقات السياسية الأمريكية العليا خاصة عائلة بوش، إلى درجة أنه كان يطلق عليه لقب "بندر بوش".

هناك من يرى أن  قرار تعيين خالد نائبًا لأخيه وزير الدفاع يترك له مساحة أكبر ودورًا مهمًا في منظومة الحكم السعودي

كان والدها منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان مشهورًا في واشنطن بسيجاره وحفلاته وتأثيره، وعلى مدار أكثر من عقدين لعب السفير السعودي دور الأديب والروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي لكن من وجهة نظر سياسية، حيث تدور حوله أنخاب السياسيين والصحفيين في العاصمة لسماع حكايات الساسة والملوك، حكايات يصاحبها بالطبع تلقي بعض الهدايا الباذخة والأموال التي يوزعها الرجل بلا حساب.

طيلة ما يقرب من 22 عامًا قضاها بندر متربعًا على عرش الدبلوماسية السعودية في أمريكا، كان على قائمة الشخوص التي نجحت في كسب ود الجميع وفي مقدمتهم الرؤساء الأمريكيين من رونالد ريغان حتى بوش الابن، الأمر الذي دفع البعض إلى الرهان على الأميرة في الاستفادة من العلاقات الكبيرة والقبول الواسع الذي يتمتع به والدها أمريكيًا في محاولة للخروج من ورطة أزمة خاشقجي خاصة أن صحة الوالد لم تعد تسعفه للعودة للعمل مرة أخرى، فكانت ابنته هي البديل.

عُرف عن الأمير بندر بن سلطان قربه الشديد من الرؤساء الأمريكان

ماذا عن خالد بن سلمان؟

كان ينظر للأمير خالد على أنه وزير الخارجية القادم في ضوء ما يتمتع به من نفوذ داخل الأوساط الأمريكية، لكن الأيام الأخيرة أثبتت فشله في التعامل مع عدد من الملفات الدبلوماسية على رأسها واقعة مقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول أكتوبر الماضي.

أزمة خاشقجي ربما تكون القشة التي أطاحت بشقيق ولي العهد، بفعل الهجوم الحاد الذي تلقاه بسبب دوره في "تضليل الرأي العام" بشأن تلك الجريمة كما يتم اتهامه، الأمر الذي صعّب مهمته كثيرًا وبات من غير المجدي بقاءه في هذا المنصب الذي ربما يتحول إلى نقمة عليه فيما بعد حال استمر فيه.

بعض المراقبين أشاروا إلى أنه لا يمكن فصل الإطاحة بخالد من منصبه وقضية خاشقجي، كونه تورط في محاولات التستر على الجريمة، مما أغضب الكثير من أعضاء الكونغرس ووسائل الإعلام الأمريكية، هذا في الوقت الذي تذهب فيه بعض التوقعات بوجود رغبة لدى إدارة ترامب في عدم بقاء نجل العاهل السعودي سفيرًا للرياض في واشنطن، وضرورة تسمية شخص جديد بعيد عن أي شبهات.

وفي المقابل هناك من يرى أن قرار تعيين خالد نائبًا لأخيه وزير الدفاع يترك له مساحة أكبر ودورًا مهما في منظومة الحكم السعودي، وهو ما أشارت إليه خبيرة الشؤون العسكرية بمؤسسة "راند" بيكا واسر، بقولها "قضايا الدفاع هي الأكثر أهمية لولي العهد محمد بن سلمان، لذا فهو يحتاج الكثير من العون من أشخاص يثق فيهم لاتخاذ القرارات المهمة، ولن يجد أحدًا يثق فيه أكثر من أخيه خالد"، مضيفة "استمرار مستنقع الحرب في اليمن، ومعضلة بطء الإصلاح العسكري في المملكة السعودية، يعنيان أن الأمير خالد سيدير ملفات شديدة الصعوبة".

الأمير خالد بن سلمان

ما الدوافع؟

حزمة من الدوافع قادت ابن سلمان لاتخاذ هذا القرار، غير أن جميعها يعزف على وتر "غسيل السمعة" و"تجميل الصورة" التي شوهت الأشهر الماضية في أعقاب جريمة خاشقجي، فتعيين الأميرة ريما وهي وجه نسائي معروف بدفاعه عن حقوق النساء السعوديات، هدف في المقام الأول إلى  ترميم صورة السعودية لدى دوائر صناعة القرار الغربية فيما يتعلق بحقوق المرأة، بعد أن قام ابن سلمان باعتقال العشرات من الناشطات النسويات.

هذا الدافع تعزز وبصورة كبيرة في أعقاب التقارير التي نشرت مؤخرًا  وأفادت بتعذيب مستشار ولي العهد سعود القحطاني للمعتقلة لجين الهذلول في سجن ذهبان في مدينة جدة وضربها والتحرش بها والتهديد بقتلها وفق ما أفادت عائلتها التي اختارت تصعيد الخطاب ضد ابن سلمان في الصحف الغربية، وعليه يود الأمير الطامع في الحصول على الدعم الغربي في كسب ود المنظمات الحقوقية هناك.

"هل يعتقد محمد بن سلمان أن كل الأمريكيين أغبياء، وأنهم سيتجاهلون وسيسامحون بسبب تعيين امرأة سفيرة للرياض في واشنطن؟ يبدو كذلك، لذا وجب تذكيره" البروفيسور نادر هاشمي بجامعة دنفر بولاية كلورادو

البعض يرى أن تعيين سفيرة جديدة للرياض يهدف إلى طي صفحة العلاقات المتوترة مع واشنطن، وبدء صفحة جديدة على خلفية مقتل خاشقجي، بينما يقلل آخرون من تأثير هذه الخطوة، ففي تغريدة على تويتر، كتبت الخبيرة بمعهد بروكينغز بواشنطن تامارا ويتس "غير مجد للملكة السعودية أن ترسل امرأة للعمل سفيرة بواشنطن، فهذا لا ينفي حقيقة أن السعودية ما زالت تعتقل الكثير من النساء بسبب دعوتهن السلمية لتغيير أوضاعهن، افرجوا عنهن أولاً".

البروفيسور نادر هاشمي بجامعة دنفر بولاية كلورادو، ذهب إلى نفس ما ذهبت إليه ويتس معلقًا على هذه الخطوة بقوله: "هل يعتقد محمد بن سلمان أن كل الأمريكيين أغبياء، وأنهم سيتجاهلون وسيسامحون بسبب تعيين امرأة سفيرة للرياض في واشنطن؟ يبدو كذلك، لذا وجب تذكيره".

وبينما يأمل ولي العهد في قدرة هذه الخطوة على تخفيف حدة الضغط والهجوم عليه خارجيًا إلا أن تزامنها مع وجود عشرات النساء المعتقلات داخل السجون السعودية وتهيئة الأمير خالد غير المرغوب فيه أمريكيًا لخلافة شقيقه في ولاية العهد ربما يضع هذا التحرك داخل ثلاجة التأثير لفترة طويلة.