تتحمل الحكومات التي توالت على حكم العراق الجزء الأكبر من أسباب فشل التظاهرات في الوصول لأهدافها

تمر علينا اليوم، ذكرى التظاهرات الكبيرة التي اندلعت يوم 25 من فبراير/ شباط 2011 في بغداد وباقي المحافظات العراقية، التي لم تكن الأولى بعد احتلال البلاد عام 2003، لكنها الأولى بنوعيتها، فهي لم تكن مناطقية وتجاوزت الانقسام الطائفي الذي حاولت الحكومات المتعاقبة منذ 2003 ترسيخه في المجتمع العراقي، فخرجت التظاهرات في أكثر من 52 مدينة وقضاء وناحية بمختلف المحافظات العراقية، ضد ‏الحكومة الفاسدة المبنية على نظام محاصصي وطائفي،‏ فكان فيها السنَّي والشيعي، العربي والكردي والتركماني، ‏العاطلين عن العمل والمسحوقين والعامل والفلاح والمثقفين وخريجي الجامعات، وفي مدن الجنوب والوسط والشمال، رفعوا شعارات وطنية بعيدة عن أي دعوات طائفية أو أثنية أو قومية، ورُفع العلم العراقي دون غيره، ولم يُسمح برفع صورٍ ل‏رموز دينية أو حزبية، وهذا كان السر الحقيقي الذي جعلها تشكل خطرًا جديًا على النظام السياسي الحاكم في البلد الذي كان يعتمد في طريقة حكمه على تلك الدعوات الطائفية والقومية العفنة.

لم تكن تظاهرات 25 من فبراير/شباط الوحيدة التي خرج بها العراقيون، ولم تكن الأخيرة، فقد سبقتها تظاهرات وتلتها تظاهرات، مما ينفي تمامًا الشبهة التي يروج لها المرجفون والمثبطون، بأن الشعب العراقي صامت عن الفساد الذي يحدث بالعراق وراضٍ به، بل هو واعٍ لما يحدث ورافض له، والدليل هو سلسلة التظاهرات التي خرجت على مدار الـ16 سنة الماضية، التي لم تتوقف لحد الآن، وحينما تخبو جذوتها في مكان ما، لا تلبث أن تندلع بمكان آخر، رغم التعامل معها بالحديد والنار واتهامها بشتى التهم، تارة بالإرهاب وتارة بالانتساب إلى البعث.

استطاعت أحزاب السلطة وئد كثير من تلك التظاهرات والاحتجاجات بالقوة، من خلال اتهام منظميها بالانتماء للجماعات المتطرفة أو أحزاب محظورة

وبكل أسفٍ، لم تسفر تلك التظاهرات عن تحقيق الحد الأدنى من مطالبها، بل إن نوري المالكي الذي كان رئيس الوزراء حينها، لم يستح حينما وعد المتظاهرين بأن الحكومة سوف تعطي مبلغ 15000 دينار (نحو 12 دولارًا) شهريًا لكل مواطن تعويضًا عن انخفاض الحصة التموينية التي كانت تعطيها الحكومة منذ أيام الحكم العراقي السابق، وتعهّد بأن تحل مشكلة نقص الكهرباء بحلول فصل الشتاء القادم، وهذا ما لم يتم عمله لحد الآن، بعد مرور 8 سنوات على تلك التعهدات.

وتأتي حكومة عادل عبد المهدي اليوم، لتعد المتظاهرين والشعب العراقي بأنها ستوزع عليهم "نصف كيلو" من مادة العدس والطحين في شهر رمضان القادم فقط، في حركة تعكس مدى السخرية التي يقابلها النظام العراقي لمطالب الشعب العراقي.

وتتحمل الحكومات التي توالت على حكم العراق، الجزء الأكبر من أسباب فشل التظاهرات في الوصول لأهدافها، وتتحمل الجماهير المتظاهرة الجزء الآخر، لقد استطاعت أحزاب السلطة وئد كثير من تلك التظاهرات والاحتجاجات بالقوة، من خلال اتهام منظميها بالانتماء للجماعات المتطرفة أو أحزاب محظورة، وسفكوا دماء المتظاهرين، لكن ما بذلته أحزاب السلطة من جهود في إفشال التظاهرات هو أمر مفهوم، كون تلك المطالب الشعبية، تتصادم بشدة مع امتيازاتها، وتتصادم مع أجندة الدول التي تتبعها تلك الأحزاب.

لكن ما كنَّا نعوّل عليه في إنجاح التظاهرات الشعبية والوصول لنيل مطالبها، هو الجماهير العراقية المنتفضة نفسها، من خلال معرفة أخطائها، وتغير أساليبها الاحتجاجية، للوصول إلى مستوى ضغط كافٍ يمكنها فرض تحقيقها.

غياب التنسيق بين مجاميع المتظاهرين، كان أحد أهم الأسباب التي جعلت التظاهرات لا تصل لمرحلة جني الثمار

فالذي ينبغي على الجماهير العراقية فعله، أن توحد بوصلتها تجاه التغير، وأن يكون التغير واضح المعالم، فهي لم تخرج للتخريب إنما خرجت من أجل إعادة بناء الوطن وتغيير الأوضاع المزرية القائمة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي، وأن يتم تأسيس نظامٍ سياسيٍ يلبي حاجات الشعب الأساسية والضرورية، ومثل هكذا تغيير لا يمكن تحقيقه إلا ‏بتغيير النظام السياسي الحاليّ القائم على المحاصصة الطائفية والقومية والغارق بالفساد، ومن أجل هذا الهدف الكبير، تبرز أهمية مواصلة التظاهرات والاحتجاجات والمطاولة فيها، ونشرها على طول البلاد وعرضها.‏

إن غياب التنسيق بين مجاميع المتظاهرين، كان أحد أهم الأسباب التي جعلت التظاهرات لا تصل لمرحلة جني الثمار، وكان الأولى بالمتظاهرين ومنذ البدء، الاتفاق على قيادات تقود الحراك على الأرض، وتتعاون مع قيادات على مستوى البلد، لتنسيق العمل الاحتجاجي، لقد أثَّر غياب تلك التنسيقيات على قوة تلك الاحتجاجات، فجعلها مناطقية، كما في احتجاجات البصرة وبعض محافظات الجنوب، وبعضها كانت لديها مطالب تخص فئة معينة أو مظالم محددة في إحدى المحافظات، مما جعل التفاعل معها قليلًا على مستوى العراق، وسهَّل الأمر على أجهزة النظام، قمعها وتفريقها.

إن غياب التنسيق بين المتظاهرين يجعل الجهود الاحتجاجية، جهودًا مهدورةً ومبعثرةً، كما أن غياب الأهداف والتوجهات الواضحة، وغياب الخطط المدروسة لتلك التظاهرات، لا يمكّنها من تحقيق أهدافها المنشودة. ‏

الاعتصامات التي استمرت لأكثر من سنة في المحافظات السنيَّة، لم تستطع أن تفرض مطالبها على النظام الحاكم بسبب عدم مساندتها من باقي أفراد الشعب في الجنوب والشمال والتنسيق معها، ومظاهرات الجنوب التي هي مستمرة منذ عدة أشهر ولحد الآن، لم تستطع أن تحقق مطالبها بسبب عدم التفاعل معها في الوسط والجنوب، وكذلك الحال في المظاهرات التي اندلعت في كردستان العراق.

يتوجب على الجماهير العراقية المنتفضة أن تتسامى على كل أشكال التفرقة التي تفتَّ بعضُد الشعب العراقي

لقد نجح النظام الطائفي والمحاصصي الحاكم بالبلد، أن يجعل التظاهرات هي الأخرى منقسمة على ذاتها، فهي إما أن تكون مناطقية أو مقتصرة على مكون عراقي واحد، فكان من السهل على النظام وأدها وتفريق شملها.

وكان لركوب موجة الاحتجاجات، من بعض التيارات السياسية، أثر سلبيًا عليها، ذلك ما حصل حينما اندلعت التظاهرات الشعبية في عام 2016، ووصلت لمرحلة تهديد النظام الحاكم، استطاع التيار الصدري ركوب موجتها وحرفِها عن مسارها، بعد أن خدع مقتدى الصدر المتظاهرين بكلامه عن محاربة الفساد والمفسدين، وجعل من نفسه المحارب الأول للفساد، واستطاع الصدر وتياره أن ينقذ النظام من السقوط في تلك الفترة، هذا ما تنبَّه له المتظاهرون في البصرة والمحافظات الجنوبية، فحينما أراد الصدر أن يلعب نفس اللعبة، تصدى له المتظاهرون ورفضوا مشاركته، هو أو أي تيار سياسي آخر في تظاهراتهم السلمية.

يتوجب على الجماهير العراقية المنتفضة أن تتسامى على كل أشكال التفرقة التي تفتَّ بعضُد الشعب العراقي، وأن تخرج للتظاهر بدوافع وطنية ومطالب محددة، ربما أهمها وأولها، المطالبة بتغير النظام الحاليّ إلى نظام مدني ديمقراطي، يتعامل مع الناس على أساس المواطنة وليس على أساس الانتماء الديني والطائفي أو القومي.

تلك هي مصدر قوة المتظاهرين الساعين لخير البلاد، ولتكن الحقيقة ماثلة أمام الجميع، أن رفع الظلم عن مكون عراقي واحد، لا يتحقق إلا برفع المظالم عن جميع المكونات دون استثناء، وأن التغيير من خلال الاحتجاجات والتظاهرات هي عملية تراكمية، فلا يصيب الناس اليأس من عدم تحقيق المطالب من أول مرة، إنما الاستمرار في تلك الاحتجاجات هو ما يحقق الأهداف.

على المتظاهرين ألا تنطلي عليهم أساليب النظام المخادعة، لأنه دائمًا ما يلجأ لوسائل الإعلام، لإيهام المتظاهرين بأن الحكومة ستحقق مطالبهم

في كردستان لم يكن وضع الجماهير المنتفضة مختلفًا عن مثيله الذي يحدث في وسط وجنوب العراق، لكن الفصل بين ما يحدث في كردستان ‏وبقية البلاد كان واسعًا مع الأسف، ولم تكن هناك روابط بينهم، لكن تظاهرات الأكراد أثرت بشكل كبير، للدرجة التي حلَّ السخط الشعبي عن مشاكل ‏الفساد، محل التنافس بين الأحزاب الكردية، لكن قيادة الأحزاب هناك، عملت على صرف الاحتجاج بعيدًا عنها ـ ولم يكن لدى تلك الأحزاب غير اللعب على الورقة القومية لحل ذلك الإشكال الذي وقعت فيه، فأثارت موضوع كركوك لمحاولة توحيد ‏الكرد حول مسألة يتفقون عليها، فأمر بارزاني بنشر البيشمركة حول كركوك، بدعوى حماية السكان من ‏الإرهابيين الذين تسللوا للمدينة لتنظيم الاحتجاجات، وأعلن الطالباني ‏أن كركوك هي "قدس كردستان"، داعيًا إلى إقامة تحالف ضد ‏‏الإرهابيين والمحتلين الجدد لكركوك.

على المتظاهرين ألا تنطلي عليهم أساليب النظام المخادعة، لأنه دائمًا يلجأ لوسائل الإعلام، لإيهام المتظاهرين بأن الحكومة ستحقق مطالبهم، لغرض المناورة وكسب الوقت ‏وإضعاف عزيمة المتظاهرين، لأنه بات من المؤكد أن النظام السياسي الحاليّ غير قادر على تلبية مطالب الشعب المشروعة، بسبب عقلياتهم المتخلفة سياسيًا وفكريًا وحتى إنسانيًا، وتعلقها بمشاكل التاريخ وعدم مواكبتها لتطورات العصر الحديث، فالحل الوحيد المتوفر للشعب العراقي بعد أن تخلى عنه الجميع وتلاشي فرصة التغير من الخارج، هو الاستمرار بتظاهراته واحتجاجاته حتى الوصول إلى أهدافه المنشودة، بالتحرر والعيش ضمن كنف ديمقراطي يضم الجميع.