في 25 من أكتوبر/تشرين الأول 2017، أبصر الحزب الجيد بزعامة ميرال أكشينار نور الحياة، وفي ميثاقه التأسيسي حاول الحزب التأكيد على أنه حزب مركزي يحتضن جميع التوجهات والاعتبارات الفكرية.

اليوم وبعد مرور أقل من 3 أعوام على تأسيس الحزب، تشهد قيادته خلافات داخلية عميقة لا تغيب عن وسائل الإعلام، وفيما يرفع الحزب شعار "تركيا ستكون جيدة"، يتساءل متابعون ما عوامل الخلاف الأساسية التي تجعل الحزب الجيد عاجزًا على أن يجعل ذاته جيدًا قبل تركيا؟

الانشقاق عن حزب الحركة القومية وتأسيس الحزب الجيد

بداية تجدر الإشارة إلى أن بوادر تأسيس الحزب الجيد الأولى ظهرت بعد حصول حزب الحركة القومية، في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في 1 من نوفمبر/تشرين الثاني 2015، على نسبة 11% فقط، بعد هذه النسبة الزهيدة، بدأت تخرج أصوات تنادي زعيم الحزب دولت باهجلي بالتخلي عن زعامة الحزب، وقد تشجعت ميرال أكشينار لتزعم هذه الأصوات، بعد استبعاد الحزب لها من قوائم الترشيح.

نتيجة لمحاولتها إزاحة لباهجلي عن الزعامة، اتخذ باهجلي، في 8 من سبتمبر/أيلول 2016، قرار فصلها عن الحزب

اتجهت أكشينار إلى المحكمة العليا، وطالبت بإجراء انتخابات لاختيار زعيم جديد لحزب الحركة القومية، ووافقت المحكمة على طلب أكشينار، لكن بتدخل الحزب الحاكم ـ حزب العدالة والتنمية ـ ومنعه عبر قوات الشرطة، أكشينار ومؤيديه من الوصول إلى مقر إجراء الانتخابات، فاز باهجلي بالزعامة من جديد، وبعد فترة قصيرة ألغت المحكمة عقد مؤتمر لانتخاب زعيم جديد للحزب.

ونتيجة لمحاولتها إزاحة لباهجلي عن الزعامة، اتخذ باهجلي، في 8 من سبتمبر/أيلول 2016، قرار فصلها عن الحزب، وفي أبريل/نيسان 2017، حيث الاستفتاء على التعديلات الدستورية، نددت أكشينار التي تولت منصب وزارة الداخلية عام 1996، بدعم الحركة القومية لهذه التعديلات، وتحالفت مع عدد من قادة الحزب الرافضين لمسار باهجلي في التحالف مع حزب العدالة والتنمية وهم: كوراي أيدين وأوميت أوزداغ، لبدء حملة رافضة لهذه التعديلات، وأعلنت حينها نيتها لتأسيس حزب جديد.

وقد احتضن هذا الحزب تحت مظلته منشقين عن حزب الحركة القومية، وممتعضين من سياسات حزب الشعب الجمهوري والأحزاب اليسارية الأخرى، وآخرين ناقمين على سياسات حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان.

خوض الانتخابات الأولى

تحت هدف شق صفوف حزب الحركة القومية وإضعاف تحالفه مع حزب العدالة والتنمية، خاض الحزب الجيد الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في 24 من يونيو/حزيران 2018، تحت مظلة "تحالف الأمة" الذي ضم حزب الشعب الجمهوري وحزب السعادة والحزب الديمقراطي.

لم تلبث الانتخابات تضع أوزارها، حتى بدأت قلاقل الأزمات تُسيطر على مقاليد وأروقة الحزب الجيد، نتيجة خفوت نسبة الأصوات التي حصل عليها خلال الانتخابات

وحصل الحزب الجيد، في الانتخابات، بالكاد على نسبة 10% التي تُعدّ العتبة الانتخابية لدخول البرلمان، وكان من اللافت عدم تأثير الحزب على أصوات الحركة القومية التي حصل على 11%، أي ذات النسبة التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، كما دخلت أكشينار الانتخابات الرئاسية، وحصلت على نسبة 7.3%.

من أزمة إلى أزمة

ولم تلبث الانتخابات تضع أوزارها، حتى بدأت قلاقل الأزمات تُسيطر على مقاليد وأروقة الحزب الجيد، نتيجة خفوت نسبة الأصوات التي حصل عليها خلال الانتخابات، وظهر المؤشر الأول الملموس لاحتدام الأزمة داخل أروقة الحزب في 22 من يوليو/تموز 2018، حينما أعلنت أكشينار تقديم استقالتها عن زعامة الحزب، والذهاب نحو إجراء انتخابات لاختيار زعيم جديد، لكن الأعضاء المؤسسين للحزب حاولوا استيعاب الأزمة، وحادت أكشينار عن الاستقالة، متعهدةً ببذل أقصى جهد من أجل ظفر الحزب بأعلى الأصوات.

وبالتزامن مع الوقوف على عتبة إجراء انتخابات البلديات المُزمع إجراؤها في 31 من مارس/آذار 2019، عادت أصوات دقات الأزمة تُسمع من جديد داخل أروقة الحزب الجيد، واليوم الأزمة تكمّن في وجود توتر شديد بين زعيمة الحزب ميرال أكشينار، وأحد الأعضاء المؤسسين كوراي أيدين، ويُساند أيدين العضو المؤسس أوميت أوزداغ، أيضًا، حيث يرى الطرفان أن الحزب الجيد "يخضع لقيادة ضعيفة مُشبعة بالبيروقراطية القاتلة"، ويتساءلان: "كيف لحزب له نوابه في البرلمان، وقواعده الانتخابية في كل مكان في تركيا، أن يتأخر على تسليم أوراق مُرشحه عن مدينة مرسين للجنة العليا للانتخابات؟

يمر الحزب بأزمة حقيقية جراء تقديم 874 عضوًا، من بينهم رئيس فرع الحزب في مدينة شيرناق، حسن تاتار، و7 رؤساء محليين، استقالتهم، وانتقالهم لحزب العدالة والتنمية، بذريعة اتفاق الحزب ضمنيًا مع حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي"

ويُشبه أيدين وأوزداغ الحزب "بالشركة التي تُدار لحساب مالكها، أي لحساب أكشينار"، أما أكشينار فتحمل أيدين الذي يشغل منصب نائب زعيم الحزب ورئيسه التنظيمي مسؤولية الأمر وتطالبه بالاستقالة، الأمر الذي يرفضه أيدين ويُخلي مسؤوليته منه.

وإلى جانب هذه الأزمة، يمر الحزب بأزمة حقيقية جراء تقديم 874 عضوًا، من بينهم رئيس فرع الحزب في مدينة شيرناق، حسن تاتار، و7 رؤساء محليين، استقالتهم، وانتقالهم لحزب العدالة والتنمية، بذريعة اتفاق الحزب ضمنيًا مع حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي" الذي يُنعت باسم "الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني".

حظوظ الحزب الجيد في الفوز

أمام وقع الأزمات التي يمر بها الحزب الجيد، تستعد تركيا لخوض انتخابات البلديات في 31 من مارس/آذار 2019، وفيما يتحضر الحزب الجيد لخوض الانتخابات في بعض المدن بأعضاء مُستقلين، يخوضها في بعض المدن بالتحالف مع حزب الشعب الجمهوري، وبحسب الاتفاق المُبرم بين الطرفين، سيدعم الحزب الجيد مُرشحي الحزب الجمهوري في 16 مدينة، بينما سيدعم الحزب الجمهوري مُرشحي الحزب الجيد في 7 مدن.

انعدام تجربة الحزب في الخدمات البلدية، فالحزب جديد ويكاد يكون غير مُقنع للمواطن التركي الذي يولي أهمية كبيرة لخبرات الأحزاب السابقة في مسألة الإدارات المحلية

وعلى الرغم من اتفاق الطرفين، فإن استطلاعات الرأي وتوقعات مُتابعين، تُشير إلى ضعف احتمال تحقيق الحزب الجيد فوز كاسح في الانتخابات، إذ يمكن أن يحصل على مقاعد قليلة في الانتخابات، ويُساق في ذلك العوامل التالية:

ـ الخلافات الداخلية للحزب التي تُخيف الناخب وتجعله فاقدًا للثقة في حزب غير قادر على إدارة نفسه، فكيف يمكن له إدارة البلديات التي تعني تقديم الخدمات بحيوية وانتظام.

ـ عدم تقديم الحزب، إلى الآن، برامج انتخابية عقلانية تُبيّن أهدافه بشأن المشاريع الخدمية التي يمكن أن ترفع مستوى منفعة المواطن في مكان إقامته.

ـ ضعف شخصية أكشينار في اللاوعي الجمعي السيكولوجي للمجتمع التركي، حيث يُنظر إليها على أنها امتداد لجماعة غولن، وخارجة عن عادات الشعب التركي، لا سيما عندما هاجمت زوجها أمام وسائل الإعلام في إحدى التجمعات، ما خلق آثارًا سلبية لدى عدد من المواطنين الأتراك ضدها.

منذ تأسيسه لا يخرج الحزب الجيد من أزمة حتى يدخل في غيرها، وأمام وقع الأزمة الأخيرة، يُتوقع حدوث انشقاقات حادة داخل الحزب بعد انتخابات البلديات

ـ انعدام تجربة الحزب في الخدمات البلدية، فالحزب جديد ويكاد يكون غير مُقنع للمواطن التركي الذي يولي أهمية كبيرة لخبرات الأحزاب السابقة في مسألة الإدارات المحلية.

ـ حالة الاستقطاب الهوياتي الفاعلة في المجتمع التركي، التي توفر دعمًا أوفر لحزبي الحركة القومية والعدالة والتنمية على حساب الأحزاب الأخرى التي تُتهم بخروجها عن الإطار الوطني.

ـ انعدام النافذة الإعلامية التي يُدير حزب العدالة والتنمية نسبة 95% منها، التي اتهمت الحزب الجيد "بسليل جماعة غولن السياسي"، وعجز عن تقديم دعاية سياسية مضادة للدعاية السياسية التي تصفه على أنه حزب يتحالف ضمنيًا مع حزب الشعوب الديمقراطي، وأنه سليل جماعة غولن.

ـ انعدام الأسماء الواهجة ذات السيّر الذاتية القوية داخل الحزب، لا سيما في ظل إيلاء المواطن في هذا الاستحقاق أهمية كبيرة لخبرة المُرشح.

في الختام، منذ تأسيسه لا يخرج الحزب الجيد من أزمة حتى يدخل في غيرها، وأمام وقع الأزمة الأخيرة، يُتوقع حدوث انشقاقات حادة داخل الحزب بعد انتخابات البلديات.