لطالما أثبتت الدراسات العلاقة الوثيقة بين كلٍ من التطوّر البشري وعلاقة الإنسان بالطعام، لا سيّما قدرته على طبخ وطهي الطعام، السلوك الذي يعتبره الكثيرون من علماء التاريخ والأنثروبيولوجيا بأنّه كان علامةً فارقة في تطوّر المهارات العقلية والمعرفية التي امتلكها الإنسان الأول، فهو من أوائل الأفعال التي استطاع ذلك الإنسان القيام بها بعد تعلّمه لاستخدام الأدوات البدائية وإشعال النار، أي قبل 500 ألف عامٍ تقريبًا.

ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب، هي الفرضية التي يفترضها عددٌ من أولئك الباحثين والعلماء والقائلة بأنّ الإنسان صار إنسانًا يمشي على قدمين، منتصب القامة، مكتمل الهيئة البشرية من رأس وعقل ومعدة وأمعاء، بفضل اختراع الطهي، وهي ما يُعرف بنظرية الطهي، والتي أشار إليها عالم الأنثروبولوجيا البريطاني ريتشارد رانغهام والعديد من الدراسات الحديثة. 

فعلى سبيل المثال، يقول رانغهام في كتابه "قدحة النار: دور الطهو في تطور الإنسان" أنّ الطبخ عمل بشكلٍ أساسيّ على تحسين قيمة طعامنا وتغيير أجسامنا وأدمغتنا وحياتنا الاجتماعية، وحوّلنا إلى مستهلكين للطاقة الخارجية، الأمر الذي ساهم في خلق كائنات حية لها علاقة جديدة مع الطبيعة.

كيف طوّر الطبخ الحياة الاجتماعية؟

تتوسّع بعض الدراسات بفرضيّاتها ونظريّاتها حتى أنّ بعضها يرى أنّ الطهي كان الفعل الأساسي الذي تبعته جميع التطوّرات الحاصلة في شبكة الأفكار الإنسانية الأساسية من علاقات اجتماعية وزواج وروابط سياسية واقتصادية، حيث ساهم في التطور الكامل لمفهوم العائلة والدولة وغيرها الكثير من المفاهيم.

تؤسس فرضية رانغهام التي ذكرناها سابقًا لفكرتين أساسيّتين: أولهما أنّ الطبخ هو السلوك أو الفعل الذي نقل الإنسان من حالة الرئيسات من غير البشر ليصل به إلى مرحلة الإنسان العاقل، وثانيهما هي أنّ الطهي أطلق في الطعام طاقة إضافية ساعدت على نمو دماغ الإنسان، ووفرت له وقتًا يكرسه للصيد وبناء المجتمع الإنساني المعروف.

كان الطهي الفعل الأساسي الذي تبعته جميع التطوّرات الحاصلة في شبكة الأفكار الإنسانية الأساسية من علاقات اجتماعية وزواج وروابط سياسية واقتصادية

كما يُشير علماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس التطوّري منذ فترة طويلة إلى أهمية تقاسم الطعام كإيماءة رمزية من أجل تعزيز التضامن بين أفراد الأسرة، إذ تعدّ مشاركة الطعام عنصرًا حيويًا مهمًّا في بناء شبكات القرابة والعائلة؛ عوضًا عن أنّ الطعام العائلي يشكّل أهمية عاطفية عميقة في إرساء التماسك والتضامن وتقوية الروابط والوحدة الاجتماعية بين الأفراد.

الحداثة والفردانية تُبعدان الوجبة العائلية المطبوخة عن الصورة

مع تعاقب الأزمنة وتطوّر التاريخ، أخذ الطبخ بالتغيّر شيئًا فشيئًا بما يلائم الحقبة الزمنية وإنسانها. وممّا لا شكّ فيه أنّ الحداثة، بكلّ جوانبها، قد أثّرت على الطريقة التي يأكل بها الناس ويطهون بها طعامهم، تمامًا كما أثّرت على الكثير من جوان حياته الفردية والاجتماعية. 

ولطالما كانت عملية الطهي تتمّ في المنزل، وغالبًَا كانت النساء هنّ من يتحملن مسؤولية هذه المهمّة في العديد من الثقافات والمجتمعات. وبشكلٍ عام، هدف الطبخ بشكلٍ أساسيّ للاستفادة من الموارد المتاحة في المنزل ولجمع العائلة على مائدة الطعام لتشاركه والتأكيد على كونه فعل جماعيّ يحتاج للمشاركة.

التراجع في مكانة الوجبة المنزلية المطبوخة هو نتيجة لانحطاطٍ في مركزية الأسرة في المجتمعات الحديثة

وبشكلٍ مختصر، يمكننا القول بأنّ جميع التحوّلات الحديثة، بما فيها نموّ المجتمعات الفردانية، قد أثّر على موقع الطعام ومكانته عند الأفراد، لا سيّما وأنّ معظم المجتمعات كانت تنظر إلى وقت تناول الطعام على أنه مقدّس، وذلك لقدرته على جمع العائلة كلّها حول سفرةٍ واحدة في نفس الوقت بعد قضاء عدة ساعاتٍ في تحضير تلك الوجبة التي يحبّها الجميع ويحتفون بها معًا.

 تراجعت ثقافة الطبخ في يومنا هذا. ويمكن إعازة الأمر إلى نظام الحياة والعمل التي تفرضه الحداثة على الفرد والأسرة. إذ باتت الكثير من العائلات والأفراد تفتقد للوقت اللازمة لإعداد وجبة منزلية تتشارك فيها العائلة جميعها، وذلك تبعًا للانشغالات من عمل وجامعة وغيرها من الأسباب التي تُجبر الفرد على المكوث خارج البيت لما يقارب التسع ساعات على أقلّ تقدير.

وبشكلٍ عام، يمكننا القول أنّ التراجع في مكانة الوجبة المنزلية المطبوخة هو نتيجة لانحطاطٍ في مركزية الأسرة في المجتمعات الحديثة. بالإضافة إلى العديد من الأسباب الأخرى المرتبطة، مثل اضطرار الأمهات والإناث للعمل خارج المنزل لساعاتٍ طويلة، وهيمنة المطاعم والوجبات السريعة، والتقدّم التكنولوجي المتسارع.

كيف أثّرت التكنولوجيا على الطبخ المنزلي؟

في حين أنّ سلوكيات الطهي والطبخ المنزليّ قد أصبحت أقلّ مقارنةً بالعقود السابقة، إلا أنّ بعض الأرقام تشير إلى أنّ الناس يتناولون الطعام في المنزل أكثر من أي وقت مضى، لكن الفارق هنا هو أنّ إمكانية طلب الوجبات الجاهزة من خلال مواقع الإنترنت وتطبيقات الطعام المختلفة أصبحت في تقدّم مستمر.

يرى البعض أن الوصفات المنتشرة لا تعدّ وسيلةً لطهيٍ أفضل ولكن طريقةً لملء رؤوسنا وعقولنا بالطعام الخيالي

ومن جهةٍ ثانية، يرى البعض أنّ التطور التكنولوجي ساعد الناس على اختصار  الوقت الذي يستغرقه العثور على وصفة جديدة، تمامًا كما ساعد في تبسيط عملية الطهي، بحيث أنك تجد الكثير من حسابات الطبخ السريع والسهل على منصات التواصل الاجتماعيّ والمواقع المتخصّصة. ولم يعد تقييم الطهاة يتمّ من خلال وصفاتهم السرية والخاصة بهم، ولكن من خلال عدد المرات التي يتمّ فيها مشاركة وصفاتهم وصور أطباقهم وتداولها.

ومع ذلك، بالنسبة للعديد فلم تصبح الوصفات المنتشرة وسيلةً لطهيٍ أفضل ولكن طريقةً لملء رؤوسنا وعقولنا بالطعام الخيالي، لا سيّما مع كثرة الخيارات المتاحة وتنوّعها الذي أدّى إلى خلق عبءْ في اختيار الوصفة التي يمكن للشخص طهيها في منزله. ففي كتابه "مفارقة الاختيار"، يعتقد عالم النفس الأمريكي "باري شوارتز" بأنّ الناس يجدون صعوبةً في اختيار أيّ شيءٍ في ظلّ العالم الذي نعيش فيه والمليء بالخيارات الكثيرة والمتعدّدة، في جميع المجالات تقريبًا.

لم تعد وجبة العائلة كما عرفها الإنسان الأول ومن تبعه بأنها الفرصة المثالية للترابط الاجتماعيّ وإرساء قيم التماسك و بناء شبكات القرابة الصحّية.

فأنتَ تجد 5 وصفات أو أكثر في موقعٍ واحد لكيفية عمل أجنحة الدجاج على سبيل المثال. وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، تعمل هذه الخيارات جميعها على تعزيز شعور العجز عند المستهلِك بدلًا من شعوره بحريّة الاختيار. وفي النهاية، قد تجد نفسك متكاسلًا عن تطبيق أيٍّ من تلك الوصفات وطلب الطعام الجاهز بدلًا منها.

وبالمحصلة، فإنّ عدم توفّر الوقت، ومتطلبات العمل الحديثة، والحياة الاجتماعية المزدحمة والنشاطات خارج المنزل جنبًا إلى جنب مع انتشار ثقافة الطعام السريع والوجبات الجاهزة والتقدّم التكنولوجي قد ساهمت جميعها في اختفاء نشاط الطهي وإعداد وجبة الطعام المنزلية من حياة العديد من العائلات والأشخاص. إلّا أنّ هذا لا يمنع من وعي الناس بفوائدها وأهمّيتها على مستوى الصحة النفسية والجسدية للفرد نفسه وأهمّيتها التي تعود على المجتمع ككلّ. 

من جانبٍ آخر، قد تكون العناصر الأساسية للطعام العائلي لا تزال موجودة، إذ قد تطهو الأم وجبةً في المنزل أو قد تخرج العائلة لتناول الطعام المشترك خارجًا، إلّا أنّه مما لا شكّ فيه أنّ الأبعاد الرمزية والثقافية والاجتماعية للوجبة العائلية المنزلية قد تغيّرت مع الوقت بفعل جميع التغيرات الحاصلة. أي أنّ وجبة العائلة لم تعدّ كما عرفها الإنسان الأول ومن تبعه بأنها الفرصة المثالية للترابط الاجتماعيّ وإرساء قيم التماسك و بناء شبكات القرابة الصحّية.