كل شيء قديم جديد مرة أخرى، هكذا يبدو أن أشرطة الكاسيت الشهيرة التي اختفت من العالم قبل نحو عقد ونصف، تزحف بخطى حنين للعودة إلى الحياة بروح عصرية، مؤيدة بسحر النوستاليجا، وتقول أرقام المبيعات إن الظاهرة قد تفترس سوق الأسطوانات، ويعود الكاسيت لمجده القديم، بعدما ارتفعت مبيعاته، العام الماضي بنسبة 125% مقارنة بعام 2017.

كيف بدأ ولماذا عاد؟

عام 1962، قدمت شركة فيليبس للإلكترونيات الهولندية شريط الكاسيت لأول مرة، وكان فتح مبين، حيث يحول جهاز التسجيل، الموجات الصوتية بواسطة الميكروفون إلى موجات كهربائية وتسجيلها بعد تضخيمها على الشريط المغناطيسي، وبعد ذلك يمكن سماع التسجيلات الصوتية من الجهاز حيث يعيد الجهاز الإشارات الكهربائية المسجلة على شريط الكاسيت إلى موجات صوتية في مكبر الصوت.

وسرعان ما أصبح من أكثر الوسائط انتشارًا في سوق الموسيقى العالمية والعربية، ومع حركة تطور الزمن، استحوذ الـ"CD" أو القرص المدمج، على السلطة في السوق، وخاصة العقدين الماضيين، حتى تفاجأ العالم من جديد ببيع نحو 50 ألف شريط كاسيت، وزعت العام الماضي فقط ليعيد سحر الماضي كل شيء إلى ما كان عليه والبقاء بكل تأكيد لمن سيكون لديه القدرة على الاستمرار وفق معدلات الزمن.

تقف بريطانيا على رأس المؤيدين لعودة الكاسيت، والأرقام الواردة من هناك، تؤكد ارتفاع المبيعات بنحو 18500 شريط كاسيت مقابل 8747  شريطًا عن الفترة نفسها من عام 2017

ورغم تواضع هذا الرقم في مبيعات الكاسيت، مقابل ما كان يحققه في أواخر الثمانينيات من مبيعات بلغت 83 مليون شريط، فإن الرقم الحاليّ ظاهرة بكل المقاييس، وينمو بسرعة شديدة، في ظل تحمس الشركات والنجوم لاستخدامه في الدعايا والمبيعات، وتحقيق ميزة تنافسية وقيمة مضافة للمنتج الفني، بسبب هوس شرائح عدة من الأجيال الجديدة بماضٍ سمعت عنه وشاهدته في السينما والدراما ولكنها لم تحياه.

حتى الآن، لا يزال الوطن العربي بعيدًا عن اللعب في هذه المنطقة، رغم ظلال الأخبار التي تنعكس بدورها على العالم أجمع، ومن الملاحظ أن دول الخليج، وهي أولى البقع الجغرافية العربية التي تهتم بما هو جديد في سوق الاستهلاك بجميع ألوانه، تحمل معالجاتها تجاه الكاسيت الكثير من التباين، ما بين الانتصار لـ"السوشيال ميديا" والإصدارات الحديثة للوسائط التكنولوجية، والترقب وعدم التعجل، والشغف أحيانًا لمعرفة ما يحدث، حسب مرجعية كل بلد وأذواق جماهيره وموقفهم من التطور. 

عالميًا، تقف بريطانيا على رأس المؤيدين لعودة الكاسيت، والأرقام الواردة من هناك، تؤكد ارتفاع المبيعات بنحو 18500 شريط كاسيت مقابل 8747  شريطًا عن الفترة نفسها من عام 2017، وعلى الرغم من أن حصتها في سوق الموسيقى لا تزال صغيرة جدًا "أقل من 1%"، لا يزال هناك نحو 22000 شريط جديد تحت مظلة البيع، كما تكشف بحوث التسويق أن المبيعات في النصف الأول من عام 2018 ارتفعت بنسبة 90% عن نفس الوقت من العام الماضي.

وفي الولايات المتحدة، سجلت المبيعات أيضًا زيادة كبيرة، رغم أسبقيتها في إعادة الكاسيت للحياة منذ نحو 4 سنوات، سواء بسبب التكلفة المنخفضة للأشرطة، التي يتكلف الواحد منها ما لا يزيد على 1.50 دولار، مقابل 5.80 دولار لكل أسطوانة فينيل، أو لسعي بعض النجوم خلف هوس التجديد، وعلى رأسهم المغنية الأمريكية الشهيرة أريانا غراندي، وكذلك فرقة Realador التي أصدرت ألبومها الأول بنظام الأشرطة، وكذلك بعض الفرق الفلبينية.

يبدو أن إحياء الكاسيت أصبح جزءًا أساسيًا ومثيرًا من المشهد الموسيقي، لا سيما أن شركات إنتاج الكاسيت في أوروبا تلعب حاليًّا على صورته الذهنية لمن هم دون منتصف الثلاثينيات أو أكبر بقليل، نهاية بأجيال المراهقين، التي تظهر في منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، عند الحديث عن نوستاليجا الثمانينيات والتسعينيات، والطرائف التي صاحبتها، من إجبار المستمع على التفرغ لشريط كاسيت به ألبوم كامل لأحد المطربين، وكان أسمى علامات التطور آنذاك، ظهور أشرطة بها أغانٍ منفصلة تجمع العديد من الفنانين في شريط واحدة.

جودة الأشرطة ورداءة الصوت ومشكلات قديمة معروفة عن الكاسيت، تعمل الشركات الأوروبية حاليًّا على حلها، من خلال تصنيع مجموعة جديدة من الأشرطة التناظرية الفارغة، التي ستكون متاحة للسوق تحت اسم العلامة التجارية "FOX C-60" تعمل وفق معادلة كيميائية، تنتج مستوى أفضل مما صنع في سوق الكاسيت على مدار الخمسين عامًا الماضية، لتحقيق جودة تقترب من الفينيل الذي ينتج صوتًا أكثر دفئًا، ودون مقارنات قد تكون محسومة حاليًّا لأسطوانات الفينيل ستضع الشركات بالسوق خيارات جديدة للعملاء والمستهلكين يسعون إليها ويزداد طلبهم عليها، فدائمًا وأبدًا الدوافع البشرية غريبة، وتتمسك بما تعرفه، حتى لو لم يكن أفضل شيء في العالم.

يتوقع أن تسمح عودة الكاسيت، بعودة ظاهرة الإنتاج الشخصي للفنانين الأقل شهرة والأكثر حداثة بالوجود في السوق الفني، للحصول على فرصة جيدة للتعبير عن الذات

ويبدو من سخرية الواقع، أن يعود "السميعة" إلى مشكلات لف البكر والتحميل والتقليب في أشرطة الكاسيت، لكن كل شيء يهون في سبيل إحساس البشر بالرضا وتذكيرهم بسنواتهم الأصغر والأسعد عندما كانوا يفعلون ذلك، وقد يكون الأقرب في الغرب إلى إعادة نشر الكاسيت، محبو موسيقى الجاز، فهم دائمًا في المجتمعات الغربية أداة كل متغير ثقافي بسبب دوافعهم المبهمة وذوقهم الغامض غالبًا، تمامًا مثل مطربي المهرجانات في القاهرة الذي يفرضون نمطهم على سوق الأغنية وأصبحوا أسرع الظواهر الموسيقية نموًا في العالم العربي بالوقت الحاليّ وليس بمصر وحدها، ووجود وسيلة منخفضة التكلفة من جديد، يعني أنهم سيتحملون مسؤولية نشرها وفرضها على سوق الوسائط التكنولوجية.

كما يتوقع أن تسمح عودة الكاسيت بعودة ظاهرة الإنتاج الشخصي للفنانين الأقل شهرة والأكثر حداثة بالوجود في السوق الفني، للحصول على فرصة جيدة للتعبير عن الذات، كما كان يحدث في الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات.

السوشيال ميديا والتمهيد لـ"النوستاليجا"

منذ سنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، تمهد للنوستاليجا أو للحنين إلى الماضي، وتحظى بشعبية كبيرة بين جميع أنحاء العالم، وفي العالم العربي أيضًا توجد العديد من الصفحات التي تعيد تدوير وإنتاج الذكريات القديمة، وكيف كانت الحياة خلال العقود الماضي وخاصة الثلاثة عقود الأخيرة.

الحب في الثمانينيات

تلعب النوستالجيا بخيال الأجيال الجديدة، تطرح عليهم تساؤلات لا تنتهي، ماذا لو كنت أعيش في هذا الوقت، وتزايدت شعبيتها بعد تفجر ثورات الربيع العربي، ومع مرور الوقت، نشطت الحسابات المؤيدة لهذه الثقافة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح الحنين للماضي، وكأنه عارض مرضي، يأخذه كل متابع حسب تطور حلقة الزمن به، كيف انتهى وأين كان.

ومع شيوع الظاهرة، طورت بعض الجهات الإنتاجية الحكومية العربية نفسها، لتسير مع ما يطلبه الجماهير، فأطلق التليفزيون المصري على سبيل المثال، قناة ماسبيرو زمان، مرفقة بحساب على "اليوتيوب"، يعرض تراث التليفزيون المصري الذي يحظى بشعبية كبرى في المنطقة العربية، وتكشف عنها مشاهدتها التي وصلت إلى نحو 66 مليون مشاهدة منذ إطلاق القناة عام 2015.

نجمك المفضل: شمس المعرفة طه حسين وسط نجوم الفكر والأدب

كشفت إنتاجات هذه الحقبة الزمنية من خلال الحسابات على جميع مواقع التواصل الاجتماعي، ما السبب في تردي الأخلاق والثقافة، مقارنة بما كنا عليه، وبمجرد استعادة الذاكرة الفنية، تجري مقارنات عن برامج الأطفال التوعوية لأطفال السبعينيات والثمانينيات، لكبار ومشاهير الفنانين وأكثرهم قربًا للقلوب، وباستخدام قوالب فنية تناسب المرحلة العمرية لجذب الأطفال، بداية من العرائس مرورًا بالاستعراضات الغنائية، وتجاوز الاهتمام بهم إلى مراحل مقدمة، لدرجة تخصيص برامج كاملة تجيب عما يطلبه الأطفال، بطرق متحضرة لا تعتمد على الإسفاف أو "الترافك" في المقام الأول، بل كانت تعتمد الأساليب الحديثة للتربية والمزج بينها وبين القيم الأخلاقية للمجتمعات العربية، وجميعها فضائل غابت ولا يعلم أحد متى ستعود مرة أخرى!

جدو عبده زارع أرضه - عبدالمنعم مدبولي