عاش المصريون بالأمس يومًا من أسوأ أيامهم خلال السنوات الأخيرة، مشاهد تخلع القلب وتهز الكيان وتدمي العين، جثث تحترق، وأشلاء تتناثر، وشخوص يهرولون بحثًا عن الحياة وسط نيران لم تتوان عن أكل الأخضر واليابس، صور تعيد للأذهان حادث قطار العياط في الـ20 من فبراير 2002 الذي أودى بحياة 350 مصريًا في أقل من ساعة.

داخل محطة مصر بوسط العاصمة القاهرة، المحطة الرئيسية لمنظومة القطارات المصرية، اصطدام "جرار" أحد القطارات بالمصدات الخرسانية في نهاية الرصيف رقم (6) في المحطة، ما أسفر عن انفجار خزان الوقود الذي يحمله، وفي لحظات تحولت المحطة إلى كرات نار متناثرة، تأكل كل من يعترضها، لتودي بحياة ما يقرب من 22 مواطنًا "حرقًا" وإصابة نحو 60 آخرين، بعضهم في حالة خطرة بحسب وزارة الصحة المصرية.

ورغم أن الحادث ليس الأول من نوعه، فمصر تتصدر قائمة دول العالم الأكثر تعرضًا لحوادث القطارات والطرق بصفة عامة، فإن المشاهد التي تناقلتها هواتف شهود العيان أمس من محطة مصر كانت كفيلة بأن تحول شوارع مصر وميادينها إلى سرادقات عزاء وعويل.

بعض وسائل الإعلام المصرية حمّلت سائق القطار المسؤولية الكاملة عن الحادث، إثر تركه للعربة وذهابه للتشاجر مع زميل له، حسبما أفاد في لقاء متلفز له مساء أمس، الأمر الذي دفع بالعربة في طريقها بصورة سريعة دون سائق، وهو ما جاء بنتائج كارثية، هذا في الوقت الذي تقدم فيه وزير النقل باستقالته التي قبلها رئيس مجلس الوزراء على الفور.

حزمة من التساؤلات تطل برأسها مع كل حادثة من هذا النوع، لعلها تجد إجابة شافية تحل هذا اللغز الذي بات كابوسًا يؤرق مضاجع المسافرين المصريين في حلهم وترحالهم، فمن المسؤول الحقيقي عن تكرار تلك الكوارث؟ وهل تتم محاسبته بصورة تردع غيره أم تعطي الضوء الأخضر للأجيال القادمة من المسؤولين بالسير على نفس الدرب من التقصير واللامبالاة ليدفع الفقراء وحدهم فاتورة هذا الفساد؟

بعض الجثث لم يتمكن من التعرف على هوية أصحابها نظرًا لما تعرضت له من تشويه بسبب الحريق، الأمر الذي يتطلب التدخل عبر تقنية الـDNA وهو ما طالبت به النيابة العامة

22 قتيلاً و43 إصابة

وفق ما ذكرته وزيرة الصحة هالة زايد فإن الحادث أسفر حتى الآن عن وفاة 22 شخصًا وإصابة 43 آخرين، لافتة إلى أن بعض المصابين إصاباتهم خفيفة، وآخرين إصاباتهم دقيقة ما بين حروق أو حروق وكسور، لافتة إلى أن بعض المصابين لم يجر التعرف على هويتهم حتى الآن.

ولفتت الوزيرة إلى أن مستشفى دار الشفاء نقل إليه 8 مصابين، ومعهد ناصر نقل إليه 11 مصابًا، ومستشفى الحلمية العسكري نقل إليه 3 حالات، وهناك أربعة حالات في طريقها لمستشفى الجلاء العسكري، فيما نقل حالتين فقط لمستشفى الدمرداش، وواحدة للمستشفى القبطي.

فيما أشار خالد مجاهد، المتحدث باسم وزارة الصحة، إلى أن 5 حالات من بين مصابي الحادث، في حالة حرجة حتى الآن، كاشفًا أن بعض الجثث لم يتمكن من التعرف على هوية أصحابها نظرًا لما تعرضت له من تشويه بسبب الحريق، الأمر الذي يتطلب التدخل عبر تقنية الـDNA وهو ما طالبت به النيابة العامة.

بقايا أحد الضحايا

ما الأسباب؟

بحسب ما أعلنته النيابة العامة المصرية (جهة التحقيق الرسمية) في بيان لها عن أسباب وقوع الحادث كشفت أن الجرار رقم 2310 مرتكب الحادث وفي أثناء سيره متجهًا إلى مكان التخزين تقابل مع الجرار رقم 2305 في أثناء دورانه على خط مجاور عكس الاتجاه، مما أدى إلى تشابكهما وحال ذلك دون استمرار سير الجرار مرتكب الحادث فترك قائد الجرار الأخير كابينة القيادة دون أن يتخذ إجراءات إيقاف محرك الجرار وتوجه لمعاتبة قائد الجرار الآخر رقم 2305 الذي قام بالرجوع للخلف لفك هذا التشابك، مما أدى إلى تحرك الجرار مرتكب الحادث دون فائدة وانطلاقه بسرعة عالية.

وأردف البيان: "الجرار اصطدم بالمصد الخرساني بنهاية خط السير بداخل المحطة فوقع الحادث الذي نتج عنه اندلاع النيران ووفاة 20 شخصًا ممن تصادف وجودهم بمنطقة الحادث متأثرين بالنيران التي أدت إلى احتراق أجسادهم وتفحمها من شدتها، كما نتج عن الحادث إصابة 28 شخصًا، وتم نقلهم لتلقي العلاج بالمستشفيات".

وذكر البيان "انتقلت إلى موقع الحادث اللجنة المنتدبة من النيابة العامة والمشكلة من المهندسين المختصين بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة والمكتب الاستشاري بالكلية الفنية العسكرية لإجراء المعاينة والفحص اللازم وإعداد تقرير عن أسباب وقوع الحادث والمتسبب وما نتج عن الحادث من تلفيات، كما تحفظت النيابة على كاميرات المراقبة بموقع الحادث".

كما قررت جهة التحقيق ندب لجنة من خبراء الطب الشرعي لمناظرة الجثامين وأخذ عينات البصمة الوراثية، نظرًا لتفحم الجثامين وعدم التوصل لتحديد هوية كل منهم، كما تم ضبط المتهم قائد الجرار مرتكب الحادث، تنفيذًا لقرار النيابة بضبطه وإحضاره، ويخضع الآن للاستجواب.

آثار تدمير الجرار للمحطة

تناقض يثير الغضب

لم تكن حادث محطة مصر هي الوحيدة التي آلمت المصريين بالأمس، حيث شهد اليوم موجة من الحوادث التي أثارت الكثير من التساؤلات، منها نشوب حريق في كنيسة القديسة دميانة بالهرم، وآخر في محطة مياه المنصورة (شرق القاهرة) هذا بالإضافة إلى حادث قطار بمرسى مطروح (شمال غرب).

المثير للجدل والغرابة في آن واحد أنه قبل يوم واحد فقط من حادثة الأمس، أكد هشام عرفات وزير النقل المستقيل، في فعاليات المؤتمر الأول لرقمنة السكك الحديدية بمدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا، الذي شهد حضور عدد كبير من وزراء النقل الأفارقة وعدد كبير من الخبراء الدوليين المتخصصين في مجال السكك الحديدية، أن مصر تضع خريطة طريق لإصلاح منظومة السكك الحديدية في دول إفريقيا.

تصدر عام 2015 قائمة السنوات الأكثر تعرضًا لحوادث قطارات حيث بلغت حينها 2011 حادثة، بينما وصلت إلى 489 في 2011، و447 في 2012، و781 في 2013، و1044 في 2014

لم يكن هذا التصريح وحده الكفيل باستفزاز قطاع كبير من المصريين، فقبله بعدة أيام تم توقيع الاتفاقية التنفيذية مع بنك "إكزيم" الصينى، لتوفير تمويل ميسر قيمته 1.2 مليار دولار لتنفيذ مشروع القطار الكهربائي السلام/ العاصمة الإدارية/ العاشر من رمضان.

رواد السوشيال ميديا ربطوا بين هذه الأخبار وتصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل فترة التي أشار فيها إلى عدم قدرة بلاده على الوفاء بمتطلبات تطوير قطاع السكك الحديدة قائلاً: "إحنا مش قادرين"، مضيفًا "بدل ما أصرف عشرة مليار جنيه على السكك الحديدية الأفضل وضعهم في البنك وناخد فوائدهم".

https://www.youtube.com/watch?v=A4EriK3CJjI

4777 حادثة في 5 سنوات

تعرضت مصر خلال السنوات الـ25 الأخيرة إلى العشرات من حوادث القطارات خلفت وراءها مئات القتلى وآلاف المصابين، جمعت بينها سمات مشتركة لعل أبرزها تكرار نفس الأخطاء وانتهاج ذات ردة الفعل مع كل حادثة وهو ما قلل من وقعها رغم ما تحمله من كوارث في الخسائر سواء كانت في الأرواح أو الممتلكات في كثير من الأحيان.

غير أنها في السنوات الخمسة أو الستة الأخيرة على وجه التحديد شهدت موجة من الحوادث لم تشهدها منذ تدشينها أول قطار بين القاهرة والإسكندرية عام 1856 في عهد عباس الأول، وذلك حسبما أشار التقرير الصادر عن هيئة سكك حديد مصر في سبتمبر 2016.

التقرير الصادر منذ عام ونصف تقريبًا ونشرته صحيفة "الأهرام" الرسمية،  كشف أن إجمالي حوادث القطارات في السنوات الخمسة من 2011 إلى 2015، بلغ 4777 حادثة، ما بين حوادث خفيفة وإصابات سطحية وصولاً إلى الحوادث الكارثية التي راح ضحيتها المئات من القتلى والمصابين، وتعد حادثة قطار الصعيد بالعياط فبراير 2002 التي راح ضحيتها 350 راكبًا على أقل تقدير هي الأسوأ في تاريخ مصر، وذلك حين قطع القطار مسافة 9 كيلومترات سيرًا بينما النار مشتعلة بداخله ما اضطر الركاب للقفز من النوافذ ومن لم يستطع مات محروقًا.

4 وزراء نقل و3 رؤساء لهيئة السكك الحديدية هم حصيلة كشف الحساب الذي قدمته الحكومة لإخماد النيران المشتعلة بصدور المصريين في آخر ثماني سنوات

تصدر عام 2015 قائمة السنوات الأكثر تعرضًا لحوادث قطارات حيث بلغت حينها 2011 حادثة، بينما وصلت إلى 489 في 2011، و447 في 2012، و781 في 2013، و1044 في 2014.

- نوفمبر 2012 .. اصطدم قطاران بالفيوم أسفر عن مقتل 4 مواطنين وجرح العشرات، وفي 17 من نفس الشهر اصطدم قطار بحافلة نقل مدرسة أودى بحياة 50 تلميذًا إضافة إلى سائق الحافلة ومُدرّسة كانت برفقة التلاميذ.

- يناير 2013.. اصطدم قطار تجنيد في البدرشين بآخر، مما أدى إلى مقتل 17 مجندًا وإصابة أكثر من 100.

- نوفمبر2013.. اصطدم قطار مع سيارتين في مدينة الفيوم أودى بحياة أكثر من 27 شخصًا وجرح أكثر من 30.

- مارس 2015.. اصطدام قطار بالسويس ووفاة 7 مواطنين بينهم 3 أطفال.

- يناير 2016.. اصطدام قطار العياط ووفاة 7 مواطنين.

- أبريل 2016.. انقلاب قطار في أسوان ووفاة 8 أشخاص.

- سبتمبر 2016.. انقلاب قطار في العياط ووفاة  5 مواطنين و31 مصابًا.

- مايو 2017.. انقلاب قطار بضائع في البدرشين وإصابة 27 شخصًا.

أغسطس 2017.. اصطدام قطارين بالإسكندرية ووفاة 44 شخصًا وإصابة 172.

- فبراير 2018.. اصطادم قطارين بالبحيرة ووفاة 19 شخصًا.

- فبراير 2019.. حادثة محطة ومصر ووفاة 20 مواطنا.

القطارات تطيح بـ 4 وزراء في 8 سنوات

"لا بد لي أن أقف، هذه جريمة كبرى لا بد أن يحاسب من تسبب فيها، وأنني لا أطلب سوى محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن قتل 20 تلميذًا لم يجنوا شيئًا سوى أنهم أبناؤنا" كانت هذه الصرخة الأولى التي دونها الكاتب بشير الديك على لسان الفنان أحمد زكي في فيلم "ضد الحكومة" عام 1992 ليدق ناقوس الخطر حيال حوادث القطارات وضرورة محاسبة المسؤولين عنها.

زكي في صرخته سعى إلى تكسير تابوهات تأليه الوزراء والمسؤولين، معلنًا: "ليست لي سابق معرفة بالأشخاص الذين أطلب مساءلتهم، لكن لدي علاقة ومصلحة في هذا البلد، لدي مستقبل هنا أريد أن أحميه، أنا لا أدين أحدًا بشكل مسبق، ولكنني أطالب المسؤولين عن هذه الكارثة بالمثول أمامكم فهل هذا كثير؟ أليسوا بشرًا خطائين مثلنا؟ أليسوا قابلين للحساب والعقاب مثل باقي البشر؟" وإن كان يتهم الجميع بالفساد حتى وإن كان بالصمت "كلنا فاسدون، لا أستثنى أحدًا، حتى الصمت العاجز الموافق قليل الحيلة".

القطارات الوسيلة الأكثر استخدامًا بين المصريين

4 وزراء نقل و3 رؤساء لهيئة السكك الحديدية هم حصيلة كشف الحساب الذي قدمته الحكومة لإخماد النيران المشتعلة بصدور المصريين في آخر ثماني سنوات وقعت خلالها عشرات الكوارث التي كانت تستوجب إقالة حكومات بأكملها إن لم يكن أنظمة تحترم حياة مواطنيها وتتحمل مسؤولية إزهاق أرواحهم بأرخص الأثمان.

لم يكن هشام عرفات كبش الفداء الوحيد لمثل هذه الحوادث، إذ سبقه قبل ذلك 3 وزراء، الأول  محمد رشاد المتيني، أول وزير للنقل يُقال بعد ثورة 25 يناير بسبب حوادث القطارات، وذلك في أعقاب تصادم قطار أسيوط بأتوبيس لقنل الأطفال أسفر عن وفاة 47 طفلاً، وذلك في نوفمبر 2012.

https://twitter.com/AHMEDElDERBY10/status/1100915679786684416

أما كبش الفداء الثاني فكان الدكتور حاتم عبد اللطيف الذي تولى الوزارة في 17 من نوفمبر 2012 حتى 8 من يوليو 2013، وأُقيل من الوزارة بسبب حادثة قطار البدرشين يوم 15 من يناير 2013، الذي أوقع 19 شخصًا صريعًا، وأصيب 117، فيما جاء إبراهيم الدميري الضحية الثالثة على إثر حادث قطار دهشور الذي أودى بحياة 27 مصريًا في سبتمبر 2013.

وبعد مرور ربع قرن تقريبًا ما زال قطاع السكك الحديدية في مصر يعاني من تدهور مكتمل المعالم يتجسد بين الحين والآخر في حادثة تثير حفيظة المسؤولين والمجتمع في آن واحد، ثم يهدأ الجميع قبل أن تجف الدماء فوق القضبان، ويظل الحديث عن مصير مليارات المنح والقروض المقدمة من الخارج والداخل لتحسين مستوى هذا المرفق، فضلاً عن محاسبة المتورطين الحقيقيين عن تلك الحوادث، تساؤلات تبحث عن إجابة.