لطالما حملت كشمير لقب "الفردوس على الأرض"، ليس فقط بسبب مناظرها الطبيعية الخلّابة حيث قمم جبال الهملايا المغطّاة بالثلوج والوديان الضبابية والسهول الخضراء ومصادر المياه المتنوعة وحسب، ولكن أيضًا بسبب تاريخها العريق الذي، وعلى الرغم من كلّ ما شهده من صراعات وفترات، فقد خلّف ثقافةً تمتاز بالتنوّع والاختلاف الجميلين.

وبعيدًا عن الصراع السياسي الذي يسيطر على المنطقة منذ عقود طويلة، تحتوي المنطقة على الكثير من الجوانب والزوايا الثقافية والشعبية التي شكّلت هويّتها ونحتت وجودها على مدى قرونٍ طويلة تعاقبت عليها الكثير من الأديان والأعراق والثقافات التي تركت أثرها البارز على الرغم من التباين والاختلاف الشاسع بينها.

كشمير.. لمحة تاريخية

بشكلٍ عام، لا يمكن حصر التراث والتاريخ الثقافيّ لكشمير في جانبٍ واحد. إذ ساعد موقع المنطقة الجغرافي بين وسط وجنوب آسيا، واشتراكها بالحدود مع أربع دول مختلفة هي الهند وباكستان وأفغانستان والصين، في تشكيل تاريخها وثقافتها المميّزة التي استمدّت هويّاتها المتنوعة من الفلسفات والأديان المختلفة التي نشأت ونمت في وسط آسيا؛  المسلمة والهندوسية والسيخية والبوذية.

ولا يعدّ الصراع السياسيّ الحالي الذي يخيّم على المنطقة هو الأول من نوعه. فتبعًا لموقعها ذاك، شهدت كشمير على مدار التاريخ فتراتٍ مختلفة من الصراعات السياسيّة والفتن الطائفية، والتي غالبًا ما كانت تشتعل بسبب الخلافات السياسية أو الدينية، لا سيّما بين كلٍّ من البوذيّين والبراهمة.  

عمل دخول الإسلام إلى كشمير على انتشار ثقافة التسامح والمساواة بين الأفراد، وهو ما أدّى إلى خلق مجتمع قادر على التعايش فيما بينه على الرغم من الاختلافات الكثيرة

دينيًّا، ازدهر الدين الهندوسيّ في كشمير لغاية القرن الرابع عشر، وذلك قبل أنْ يدخلها المسلمون حاكمين في عام 1320 لغاية عام 1819، حيث ينقسم حكمهم إلى ثلاث فترات مختلفة تُعرّف كالآتي: فترة حكم السلاطين المستقلين (1320 - 1586)، وفترة حكم المغول (1586 - 1753)، وأخيرًا فترة حكم الأفغان (1753 - 1819). وما يميّز القرن الرابع عشر أيضًا هو إسلام حاكم كشمير البوذي رينشان الذي أسلم معه أيضًا عددٌ كبير من سكّان المنطقة. وبذلك أصبح الإسلام الدين الرئيسيّ للكشميريين على مدى 5 قرون متتابعة.

وقد عمل دخول الإسلام إلى المنطقة على انتشار ثقافة التسامح والمساواة بين الأفراد، وهو ما أدّى إلى خلق مجتمع قادر على التعايش فيما بينه على الرغم من اختلاف الدين الذي يؤمن به أفراده، أو العِرق الذي ينتمون إليه، أو الثقافة التي يحملونها ويعيشون في دائرة عاداتها وتقاليدها وأعرافها المختلفة والمتنوّعة جدًا.

ثلاث مناطق وثلاث ثقافات مختلفة 

اليوم، تنقسم ولاية كشمير أساسًا إلى ثلاث مناطق رئيسية هي كشمير وجامو ولاداخ، لكلٍ منها ثقافتها وتقاليدها وعاداتها الخاصة، إذ يسكن المسلمون بشكلٍ رئيسيّ في منطقة كشمير، فيما يقيم الهندوس في جامو، والبوذيّون في لاداخ. ومع ذلك، تعكس المنطقة صورةً مميّزة للوحدة في التنوّع والاختلاف.

تعدّ كشمير الولاية الأساسية في المنطقة. وتُعرف أساسًا بأنها أرض المعلّمين الروحيّين، حيث شهدت ولادة وحياة العديد من الشعراء العظماء والصوفيين على مرّ العصور، الأمر الذي يجعلها تختلف قليلًا عن الإقليمين الأخريين. والغالبية العظمى من الكشميريين هم مسلمون، فيما تلعب الهوية الإسلامية دورًّا هامًّافي الحياة اليومية للناس. 

وقد عُرف عن كشمير فنونها الجميلة على مدى قرونٍ عديدة، بما في ذلك الأدب والشعر والحرف اليدوية، فهي مشهورة بصناعة القوارب الخشبية، ونسيج السجاد والشالات وتطريزها باستخدام تقنية النسيج الطويل المعروف باسم "كاني kani" والتي تشتهر بها كشمير على مستوى العالم، ويُستخدم فيها عدد كبير من البكرات، كل منها محملة بخيط مختلف اللون.

تشتهر كشمير بنسيج الشالات والسجاد بتقنية تُعرف باسم "كاني"

فيما تعدّ جامو العاصمة الشتوية لكشمير، وهي ذات أغلبية سكّانية من المسلمين يليهم الهندوس. يُخبرنا التراث المعماري للمنطقة عن جزءٍ من تاريخها وثقافتها. فالقلاع والحصون المتنوّعة والتي تحتلّ نقاطٍ عالية من تلال وجبال المنطقة، تشهد على التاريخ الحربيّ للسكّان، وانشغالهم بالمعارك والغزوات التي استمرّت طويلًا.

وعلى الرغم من كثرة المعارك التي شهدتها، إلّا أنّها استطاعت إنتاج تراثٍ فنّي وثقافيّ غزير، رعته واهتمّت به العائلة المالكة ونبلاء المجتمع. فيما يشكّل الرقص والموسيقى جزءًا أساسيًّا لا يتجزأ من التراث الثقافي للمنطقة. أمّا عن أشهر الرقصات والفنون فهناك "الروف،" وهو أحد أشكال الرقص الشعبي تمارسه النساء بشكلٍ أساسيّ، حيث يقمن بالاصطفاف في صفّين مواجهين لبعضهما البعض، ويقمن بهذه الرقصة الجميلة احتفاءً ببداية فصل الربيع بينما يرتدين أزياءهنّ الشعبية الجميلة والزاهية.

مجموعة من النساء يؤدّين رقصة الروف الشعبية المعروفة في كشمير

كما تعدّ رقصة "باشا ناغما" واحدة من أقدم الرقصات الشعبية والفلكلورية التي عرفتها منطقتي كشمير وجامو،  وتعني لغويًا "صوت المراهق الشجي". تاريخيًّا، كان الفتيان هم من يقومون بأداء هذه الرقصة فقط، ولكن مرّ بكثيرٍ من التغيّرات مع الوقت، منها اشتراك النساء بملابسهنّ الزاهية والوردية في أدائها. وبشكلٍ أساسيّ، فهذه رقصة موسم الحصاد احتفاءً به، كما أنّها تكون حاضرةً في المناسبات الاجتماعية الأخرى مثل الزواج والختان وغيرها.

مجموعة من الفتيات والشبّان الكشميريّين يؤدّون رقصة "باشا ناغما" على المسرح

على صعيدٍ آخر، تشتهر منطقة لاداخ بثقافتها الهندية-البوذيّة الفريدة، ويتكلّم سكّانها باللغتين السنسكريتية والتبتية القديمة. أمّا غالبية سكان المنطقة فهم من البوذيين، يليهم عددٌ من المسلمون الشيعة ثمّ المسلمون السنة. كما يتواجد فيها إضافةً إلى ذلك عددٌ قليل من الهندوس والسيخ الذين هاجروا حديثًا من مناطق أخرى في الهند.

كانت لاداخ تحتلّ في الماضي أهمّيةً كبيرة تبعًا لموقعها الاستراتيجي عند مفترق الطرق التجارية الهامّة، لكن منذ إغلاق السلطات الصينية لحدودها مع التبت وآسيا الصغرى في ستينات القرن الماضي، بدأت التجارة الدولية تتضاءل وتتراجع في المنطقة. ونتيجةً لذلك، شهد قطاع السياحة نموًّا ملحوظًا لتعويض التراجع الحاصل في قطاع التجارة، يمثّل الآن 50٪ من إجمالي الناتج القومي للمنطقة. ويرجع الأمر لسببين اثنين؛ أولًا لطبيعتها المميّزة والفريدة وثانيًا بسبب بُعدها عن مناطق الصراع السياسيّ الذي تشهده مناطق كشمير المضطربة. 

دير بوذي في منطقة لاداخ- واحدة من مناطق الجذب السياحي في كشمير

جانب من الطبيعة المميزة لجبال الهملايا في منطقة لاداخ الكشميرية

مطبخ عريق يتوّجه زعفران المنطقة النادر

يمتدّ أثر التنوّع الثقافي إلى المطبخ الكشميري أيضًا. فمثله مثل الكثير من جوانب كشمير وتقاليدها وعاداتها، فإنّ المطبخ الكشميري أيضًا هو نتاج لمزيجٍ من التأثيرات القادمة من آسيا الوسطى وبلاد فارس والصين وشبه القارة الهندية. ويمكننا القول أنّ أساليب الطبخ والطهي قدمت إلى المنطقة مع قدوم المسلمين في القرن الرابع عشر.

يعتمد المطبخ الكشميري على الأرز ولحم الضأن والبهارات الحارّة، إضافةً للزعفران المحلّي الذي ينتجه سكان المنطقة

وعلى اختلاف أشكاله وأنواعه، إلّا أنّ الأرز لا يزال منذ قرون يحتلّ الطعام الأساسيّ لسكّان كشمير، جنبًا إلى جنب مع اللحوم، وبشكلٍ خاص لحم الضأن التي يوجد منه أكثر من 30 نوعًا. وبشكلٍ عام، يمتاز المطبخ الكشميري، مثله مثل مطابخ آسيا الوسطى، باعتماده الكبير على البهارات والتوابل المتنوّعة مثل القرنفل والقرفة والهيل والزنجبيل، وغيرها من التوابل الحارّة الأخرى. فيما يقلّ اعتماد السكان على الثوم والبصل أو نكهاتهما في الطعام.

كما يعدّ الزعفران جزءًا لا يتجزّأ من المائدة الكشميرية، سواء في الطعام كالأرز أو في إعداد الخبز والمعجّنات والحلويات. فكشمير تعدّ  واحدة من أربع مناطق رئيسية منتجة للزعفران في العالم كلّه، وقد بدأت بزراعته وإنتاجه في القرن السادس عشر، ومنذ ذلك الوقت احتلّت مكانةً عليا في هذا المجال بين مناطق العالم الأخرى، حتّى أنّ زعفرانها بات يُطلق عليه لقب "الذهب الأحمر" لجودته وندرته الخالصة، فيما يُطلق عليه في النصوص الأدبية القديمة "بهار العشّاق".

عائلة كشميرية تحصد الزعفران في موسم حصاده

فيما تُعتبر منطقة بامبور شمال كشمير واحدة من أشهر بقاع العالم التي تشتهر بإنتاجها الغزير للزعفران، وهي تنتج سنويًا أكثر من 80% من إجماليّ حجم إنتاجه في الهند. وعلى الرغم من غزارة الإنتاج الحالية، إلّا أنّ إنتاج الزعفران في المنطقة قد تراجع في السنوات الأخيرة بسبب درجات الحرارة المتفاوتة وهطول الأمطار بصفة غير منتظمة وتطوّر النشاط العقاري في المنطقة. وإلى جانب تواجده في المطبخ، تعتمد العديد من الأدوية والعطور ومستحضرات التجميل والتبغ على الزعفران أيضًا.