في خطوة عاقلة نحو التهدئة، سلمت باكستان الطيار الهندي أبهيناندان فارتهامان الذي أسره الجيش الباكستاني بعد تحليقه في سماء كشمير، وكان واضحًا مدلولات الحفاوة التي صاحبت الطيار خلال رحلته للعودة وتسليمه مساء أمس في منطقة حدودية بكشمير، مما طرح تساؤلات عدة عن العودة بهذه السرعة عن التصعيد من كلا الطرفين، وما الذي خاف منه البلدين، حتى قبل أن توجه لهما النداءات من دول العالم أجمع بالعودة إلى التهدئة والحوار، خوفًا على المنطقة من حرب لا تبقي ولا تذر.

ترحيب المسافرين على متن طائرة متجهة إلى نيودلهي، بالطيار الهندي المحتجز

يمكن القول إن الخوف من اندلاع حرب نووية يعد سببًا منطقيًا لمنع الحرب بين الجارتين النوويتين، ولكن في الواقع يلعب الاقتصاد العلامة الكاملة في إيقاف هستيريا التصعيد بين الهند وباكستان، ويجعل كل منهما يتبع منهجًا عقلانيًا في جمع حساباته، وما سيعود عليهما من خوض معركة ستعيد بلا شك كل منهما عشرات السنوات للخلف.

تمر باكستان بأزمة اقتصادية كبيرة، بسبب زيادة ديونها والاستنزاف المستمر لاحتياطات نقدها الأجنبي بشكل ينذر بخطر متواصل قد يخفض من قيمة الروبية مقابل الدولار

إقليميًا، تتشابك المصالح الاقصادية بين باكستان والهند، لا سيما أنهما ينتميان لمنطقة ما زالت نامية رغم معدلات النمو المتسارعة فيها، مما يعني أن أي توتر سيؤثر بالسلب على المنطقة بأكملها، في ظل مشاركة الطرفين المتنازعين باتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي "SAARC" وهي منظمة إقليمية تم تأسيسها عام 1985، وتضم بنجلاديش وسريلانكا ونيبال وجزر المالديف وبوتان وأفغانستان مؤخرًا.

هذه الدول وقعت عام 2004 اتفاقية تهدف إلى إنشاء منظمة جنوب آسيا للتجارة الحرة "SAFTA"، ونجحت في تدشينها، وجرى تفعيلها عام 2006، ورغم الصعوبات الكبيرة التي تواجهها، تبذل جهودًا كبيرة في العمل على تعزيز التكامل الاقتصادي لأقصى درجة، وتضع اشتراطات عدة للتفوق، لنقل المنطقة إلى مكانة تليق بها، لا سيما ان إجمالي حجم التجارة الإقليمية لا يتجاوز حتى الآن 5% من إجمالي تجارة المنطقة، مما يعني أن أي أزمة عابرة، ستنهي على المنظمة تمامًا. 

على مستوى ظروف كل بلد، تمر باكستان بأزمة اقتصادية كبيرة، بسبب زيادة ديونها والاستنزاف المستمر لاحتياطات نقدها الأجنبي بشكل ينذر بخطر متواصل قد يخفض من قيمة الروبية مقابل الدولار، فضلاً عن التضخم المرتفع وزيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي والعجز في الحساب الجاري، الأمر الذي ينعكس على التحديث المستمر للجيش وقوته الضاربة مقارنة بالجيش الهندي، إذا ما تعرضت لأي حرب تستنزف مواردها وتنهي على اقتصادها المأزوم.   

على مستوى الناتج المحلي الإجمالي، تضخ باكستان 273 مليار دولار "0.44% فقط من الاقتصاد العالمي"، مقابل 2088 مليار دولار للهند

في المقابل، تسارع الهند الخطى لكي تظل في طريقها كأحد الاقتصادات القوية سريعة النمو، بعد تحقيقها معجزة كبرى وتخطيها الصين منذ الربع الأخير للسنة المالية 2017، مما يعني أن أي ضربة عسكرية قد تتطور بين الطرفين، ستنهي الصحوة الهندية، وتعيدها عشرات السنوات للخلف، وحتى ندرك كيف تفكر كل بلد، يجب وضع الملامح الرئيسية لاقتصاد الهند في مقارنة بباكستان، لنعي الموقف الصعب لمتخذ القرار في كلا البلدين.

على مستوى الناتج المحلي الإجمالي، تضخ باكستان 273 مليار دولار "0.44% فقط من الاقتصاد العالمي"، مقابل 2088 مليار دولار للهند، "سابع أكبر اقتصاد في العالم وتمثل 2.7% من الاقتصاد العالمي"، ويبلغ دخل الفرد حسب إحصاءات العام الماضي لباكستان 180.204 روبية في العام، بينما يبلغ 1.12.835 روبية بالهند.

على مستوى الديون الخارجية، تبلغ ديون باكستان 29.681 تريليون روبية، ما يعني 86.8% من الناتج المحلي الإجمالي، أما الهند، فعليها ديون تبلغ 529.7 مليار دولار، وفي احتياطي الذهب تمتلك باكستان، 64.50 طن، مقابل 557.77 طن للهند، وهي بذلك أكبر مستهلك للذهب في العالم، فيما تبلغ احتياطات النقد الأجنبي بباكستان 6.9 مليار دولار، مقابل 400 مليار دولار للهند.

بجانب العمل الإقليمي المشترك، هناك عوامل خارجية عدة تتحكم أيضًا في قرار الحرب بين البلدين وديناميكية اتخاذ القرار بشأنها، في كل من الهند وباكستان، وأبرزها الأسواق الناشئة في البلدان المجاورة

وتبلغ إجمالي الاستقطاعات المخصصة للقوات العسكرية نحو 1.1 تريليون روبية في ميزانية 2018 لباكستان، مقابل 3.18 مليون روبية وفق ميزانية 2019 للهند، وعلى مستوى تناظري آخر، تعجز باكستان على مواجهة الفساد، وهي مصنفة عالميًا رقم 117 مقابل مرتبة أبعد كثيرًا للهند، وهي الـ78 على العالم، وجميعها أرقام تعكس في النهاية معدلات النمو في البلدين، 5.7% لباكستان، مقابل 7.4% للهند، وهي أعلى مستوى للنمو في العالم حاليًّا، ويظهر هذا الفارق في معدل التضخم 4.78% في باكستان و2.49% للهند.

فزاعة الأسواق الناشئة

بجانب العمل الإقليمي المشترك، هناك عوامل خارجية عدة تتحكم أيضًا في قرار الحرب بين البلدين وديناميكية اتخاذ القرار بشأنها، في كل من الهند وباكستان، وأبرزها الأسواق الناشئة في البلدان المجاورة لهما التي تضم روسيا والبرازيل وتركيا وجنوب إفريقيا ونيجريا والأرجنتين، وجميع هذه البلدان من المتوقع أن تشهد اضطرابات فى عملاتها من دواعي الحرب، حتى لو كانت حربًا محدودة، فصداها أيضًا لن يزول بسرعة، وسينعكس على مستوى تعاون هذه البلدان مع الجارتين المتنازعتين طوال فترة الحرب، التي سيحتاج كل طرف إلى حشد دولي وإقليمي لترجيح كفته.

رغم التهدئة ومحاولات إعادة الأمور إلى طبيعتها، فإن باكستان والهند يمارسان صراعات مستمرة، يطلق عليها "حرب استنزاف"

كما تقف حركة التجارة الدولية أيضًا، لا سيما الاقتصادات الكبرى، عقبة أمام اتخاذ قرار بالحرب، فكلا البلدين لن يغامر بخسارة الدول التي تستثمر فيهما، وتعريض شبكة دولية من المصالح للخطر، وهو ما يفسر لماذا يبذل العالم بأكمله جهودًا جبارة للدفع في سبيل التهدئة، ولا يسمح بتطور الموقف بين الهند وباكستان للانزلاق إلى حرب شرسة قد تتطور إلى صراع نووي، خوفًا على استثماراتها وتجارتها، فاشتعال القارة الآسيوية، سينتقل تأثيره إلى أوروبا وأمريكا والصين والخليج.

حرب الاستنزاف بين البلدين

رغم التهدئة ومحاولات إعادة الأمور إلى طبيعتها، فإن باكستان والهند يمارسان صراعات مستمرة، يطلق عليها "حرب استنزاف" والهدف منها إنهاك كل طرف للآخر، وتغذية عدم استقراره، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وتبدو هذه الآلية سلاح مقنع لباكستان في عرقلة جارتها، التي تسعى إلى تحديث نفسها كقوة عالمية كبرى بسرعة الصاروخ، بما يؤثر على اختلال القوى بينهما، لذا في الوقت الذي تبني فيه الهند موانئ لإيران وسلطنة عمان، تدعو باكستان الصين لكبح النفوذ الهندي.

وتتسبب هذه الحرب الخفية في تباطؤ الاندماج الإقليمي للمنطقة بأكملها، وتعرقل تنشيط التعاون بين البلدين تحديدًا وإذابة الجليد بينهما، بما يفتح الطريق لتجويد العلاقات السياسية، ويبرر كل بلد عدم تعاونه مع الآخر بمزاعم مختلفة، منها حالة البنية التحتية وممرات النقل، وعدم مواءمة شبكات السكك الحديدية، مما يؤثر سلبًا على الاتصال بموانئ، تفتقر إلى الاتفاقات والبروتوكولات الموائمة لنقل السلع، فيؤدي ذلك بالتبعية إلى إبطاء التجارة وعرقلة الانفتاح على التبادلات التجارية، ورفع حواجز الرسوم الجمركية، وحظر استيراد سلع مهمة بسبب بطء الجمارك وعدم موضوعية المعايير المتبعة.

وبحسب دراسة أجريت عام 2016، يبلغ الحجم الكلي للاقتصاد غير الرسمي بين البلدين إلى 4.71 مليار دولار، أي ما يفوق الاقتصاد الرسمي، المقدر بـ3.99 مليار دولار للصادرات الهندية لباكستان و720  مليون دولار حجم الصادرات الباكستانية للهند

ما يحدث بين الدول الآسيوية، وخاصة الهند وباكستان، ومحاولات الاستنزاف الدائرة، رصدها البنك الدولي وأعد دراسة شاملة عن كيفية السيطرة على جميع العقبات المعلنة، ونشرها عام 2016، وطالب بخفض الحواجز التجارية وحذر من استمرارها على إعاقة معدلات التبادلات الاقتصادية بين الهند وباكستان التي سترتفع مخاطرها إلى 300%.

كما كشفت الدراسة عن آليات التحايل التي يستخدمها التجار ورجال الأعمال بين البلدين، بمعرفة الحكومات ومباركتها، للتعامل وفق آليات الاقتصاد غير الرسمي، غير الخاضع للضرائب والالتزامات الدولية، حتى تكون المصالح الاقتصادية والتجارية بينهما دائمًا رهينة المصالح السياسية، وموقف كل بلد من الآخر وأدوات الضغط التي يمتلكلها، فتُعرقل أي خطوة جادة تجاه الانفتاح الشعبي في كلا البلدين والانخراط في علاقات طبيعية، تضع الإرث القديم في مخلفات التاريخ، بمجرد أن تصبح التبادلات رسمية بقوانين ومصالح توفرها المؤسسات الحاكمة، وتقلل من قبضتهما على العلاقات الاقتصادية.  

وبحسب دراسة أجريت عام 2016، يبلغ الحجم الكلي للاقتصاد غير الرسمي بين البلدين إلى 4.71 مليار دولار، أي ما يفوق الاقتصاد الرسمي، المقدر بـ3.99 مليار دولار للصادرات الهندية لباكستان، و720 مليون دولار حجم الصادرات الباكستانية للهند.

المثير في حرب الاستنزاف بين البلدين واعتمادهما على الاقتصاد غير الرسمي في التعاملات بينهما، أنهما يخدمان دولة ثالثة، وهي الإمارات العربية المتحدة التي تستفيد من هذا الصراع، بتحويل دبي إلى "ترانزيت" تأتي السلع والبضائع من الهند إليها، وتتجه صوب باكستان، وفي الاتجاه المعاكس تكون هي أيضًا بوابع السلع الباكستانية إلى الهند، وبالتأكيد النقل عبر ترانزيت مثل دبي، سيكون أكثر تكلفة، مقارنة بالنقل المباشر، ولكن متى حل الصراع الوجودي، بات كل لا معقول جائزًا ومشرعنًا!