يحتفل العالم اليوم، الـ3 من مارس، باليوم العالمي للأحياء البرية وفقًا للقرار المعتمد في الاجتماع السادس عشر لمؤتمر الأطراف في اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض، المعقود في بانكوك في الفترة من 3 إلى 14 من مارس/آذار 2013، كذلك وفق ما أقرته الدورة الـ68 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك لإذكاء الوعي بأهمية الحيوانات والنباتات البرية بموجب قرارها رقم A/RES/68/205.

وفي محاولة لتيسير الاحتفال بهذا اليوم تتعاون العديد من الجهات مع منظمات الأمم المتحدة ذات الصلة على رأسها أمانة اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض، تلك الاتفاقية - التي تدخل فيها 183 دولة عضو - تعد واحدة من أقوى الأدوات العالمية المتاحة لحفظ التنوع البيولوجي في العالم وتنظيم التجارة في الحيوانات والنباتات البرية.

ويعد هذا اليوم فرصة للاحتفاء بغنى التنوع والجمال في الحيوانات والنباتات وزيادة الوعي بالمزايا التي تعود على الناس من الحفاظ على ذلك الغنى والتنوع، وهو في ذات الوقت فرصة تذكرة بالحاجة الماسة لمكافحة الجريمة ضد الأحياء البرية، والحد من تسبب الإنسان في تقليل أعداد الأنواع.

عربيًا.. يتميز الوطن العربي مقارنة بالعديد من مناطق العالم بالتنوع البيولوجي، الأمر الذي يجعل من الحفاظ على هذا التميز الفريد هدفًا وقيمة كبيرة ومسؤولية عظيمة تقع على عاتق الجميع، حكومات وشعوب، ورغم ما أنجز بشأن الدراسات الخاصة بالتنوع فإنها تفتقد في كثير منها للدقة العلمية المطلوبة، ما يستدعي ضرورة توحيد الجهود كافة لأجل حماية هذه الثروة الغنية التي تحفظ الجنس العربي وأجياله المستقبلية.

الحياة تحت الماء.. للناس وللكوكب

تحت عنوان "لنحمي الكائنات البحرية في الأعمال: من أجل البشرية وكوكب الأرض" أعلنت الأمم المتحدة موضوع الاحتفال هذا العام، وهو العنوان الذي يتسق مع الهدف الـ14 من أهداف التنمية المستدامة والمراد به حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة.

رغم عدم وجود إحصاءات رسمية عن عدد الأحياء المائية في العالم، فإن المؤشرات تذهب إلى أن أكثر من 200 ألف نوع موجود في مختلف المحيطات، فيما أشارت دراسات أخرى إلى أن العدد يتجاوز الملايين، ويعتمد أكثر من 3 مليارات إنسان في معايشهم على هذا التنوع البيولوجي البحري والساحلي.

يوجد في السودان نحو 224 نوعًا من الثدييات بخلاف الوطاويط تنتمي إلى 91 جنسًا، ومن جملة 13 رتبة موجودة في إفريقيا يوجد تمثيل لعدد 12 رتبة، كما يوجد به 83 نوعًا من أنواع الثدييات في المناطق المحمية

ومع التطورات التكنولوجية الأخيرة تراجعت قدرة الحياة البحرية على توفير الخدمات المعتادة للجنس البشري، ما جعلها عرضة للعديد من التهديدت والمخاطر التي تضع مستقبلها على المحك، على رأسها الصيد المفرط ومخاطر تغير المناخ والتلوث البحري، ما يجعل البيئة البحرية غير آمنة على الملايين من الأحياء الموجودة بها.

المنظمات الأممية دعت الجميع على هامش الاحتفال هذا العام إلى نشر التوعية بأهمية الحياة البرية والبحرية على حد سواء، خاصة بين الأطفال والشباب، فهم قادة المستقبل في الحفاظ على تلك الحياة، كما أنهم يستحقون أن يكون لهم مستقبلًا يعيش فيه البشر في وئام مع الحيوانات البرية والبحرية التي تشاركهم هذه البسيطة.

وفي هذا الإطار تعاونت أمانة اتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات البرية ومهرجان (جاكسون هول وايلد لايف) لتنظيم مهرجان سينمائي دولي، مع التركيز على الأنواع البحرية، وينتظر من الأفلام الفائزة إذكاء الوعي العالمي بأهمية الحياة تحت الماء.

حماية الكائنات البحرية عنوان الاحتفال باليوم العالمي هذا العام

التنوع البيولوجي عربيًا

تفتقر السياسة العربية لحماية الحياة البرية والبحرية إلى وجود دراسات فنية وإحصاءات موثقة بشأن خريطة الأحياء في تلك المناطق التي على إثرها يتم وضع خريطة شاملة وإستراتيجية محددة لحماية التنوع الفريد في تلك البيئات التي تعد واحدة من أخصب البيئات على مستوى العالم.

وتتفاوت حالة الحياة البرية في الوطن العربي بين دولة وأخرى تبعًا لتفاوت الظروف والإمكانات، إلا أنها في الغالب الأعم ليست مرضية ودون مستوي الطموح ولا بد من التنسيق والتكامل بين المؤسسات ذات الصلة في دول الوطن العربي للوصول إلى أعلى درجات الحماية للحياة البرية والطبيعية التي شكلت عبر التاريخ مصدر عيش الإنسان الذي سكن هذه البلاد وأبدع الحضارات التي ما زالت شواهد تطورها وازدهارها تؤكد غناها بالمصادر الطبيعية، وإلا لما كانت مهد الحضارات ومهبط الرسالات السماوية ومبعث الأنبياء ومنبع الديانات.

تمثل أنواع برية وبحرية بعينها قيمة مادية كبيرة، يدفع محبيها إلى تقديم مبالغ طائلة من أجل اقتنائها في بيوتهم ومكاتبهم، والكثير من الدول تحصل على إيرادات نقدية كبيرة من عوائد الضرائب والرسوم

الموقع الجغرافي للوطن العربي وتداعياته المناخية والبنيوية ساهم بشكل كبير في إثراء هذا التباين، فهناك تباين في البيئات والموائل بسبب وجود مساحات هائلة من الأراضي العربية تطل على سواحل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب والمحيط الهادي والمحيط الأطلسي، هذا بخلاف ما تتمتع به بعض الدول في آسيا وإفريقيا من تضاريس ساهمت في احتضان أنواع معينة من الأحياء كالطيور مثلًا.

وتمتاز البلدان العربية بوفرة البيئات البرية والبحرية التي تضمن بين جنباتها كوكبة هائلة من الأحياء، ففي الأردن هناك ثلاثة أجزاء طبيعية هي: غور الأردن ومناطق مرتفعة (الجبال) والهضبة الشرقية أو ما يعرف باسم البادية الأردنية، وعليه يمكن تحديد أربعة نظم بيئية في الأردن هي منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الصحراء الشرقية والمنطقة الاستوائية (الأغوار).

كما تذخر دولة تونس بموارد إحيائية مهمة من نباتات وحيوانات برية وتنحدر أصول هذه الأنواع من الأصل الإفريقي الآسيوي والأوروبي، ويوجد في السودان نحو 224 نوعًا من الثدييات بخلاف الوطاويط تنتمي إلى 91 جنسًا، ومن جملة 13 رتبة موجودة في إفريقيا يوجد تمثيل لعدد 12 رتبة، كما يوجد به 83 نوعًا من أنواع الثدييات في المناطق المحمية، ويوجد 931 نوعًا من الطيور المستوطنة والمهاجرة، ويوجد نحو 5000 نوع من الحشرات و80 نوعًا من الزواحف و115 نوعًا من أسماك المناطق العذبة إضافة إلى الشعب المرجانية على البحر الأحمر.

وفي سلطنة عمان تم تحديد أكثر من 461 نوعًا من أنواع الطيور بعضها مقيم والآخر يتوقف فى أراضي السلطنة في أثناء هجرته من آسيا وإفريقيا والبحر المتوسط، كما يوجد تنوع في الحياة البحرية حيث يوجد 20 نوعًا فرعيًا من الحيتان والدلافين وأكثر من 75 نوعًا من المرجان، بالإضافة إلى خمسة أنواع من السلاحف البحرية من أهمها السلحفاة الخضراء ويوجد ما لا يقل عن 13 ألف سلحفاة في السواحل العُمانية، كما توجد خمسة أنواع من الثدييات مستوطنة إقليميًا ونوع واحد لا يوجد إلا في السلطنة و26 نوعًا أساسيًا وفرعيًا من العقارب ونوعان على الأرجح من العناكب التي ليس لها ذيل.

ويوجد في فلسطين نحو 2700 نوع نباتي ومائي طبيعي ونحو 90 نوعًا من الثدييات و40 نوعًا من الزواحف والبرمائيات و100 نوع من الطيور المتوطنة وموطن لما يقارب 400 فرع من الطيور المهاجرة، أما في اليمن فلا توجد إحصائية دقيقة عن موقف الحيوانات البرية، فقد أصبحت الحيوانات مزدوجة الأصابع كالمها والغزلان والوعل وظبي الكود في عداد المنقرضة، كما انقرض النمر العربي والغزال الجبلي ويوجد باليمن حالًًّا: 3000 نوع نبات و350 من الطيور و55 من الثدييات و65 من الزواحف و8 من البرمائيات و43 من الأسماك، ويضم اليمن خمس مناطق طبيعية هي المنطقة الجبلية والمنطقة الهضبية والمنطقة الساحلية ومنطقة الربع الخالي.

فلسطينيًا يعتبر إزالة الغطاء النباتي بمعرفة قوات الاحتلال، بهدف إنشاء مستوطنات ومعسكرات جديدة وإنشاء طرق جديدة من أهم مهددات الحياة البرية

أهمية اقتصادية كبيرة

التنوع والتباين الأحيائي يعد دعامة لحياة الإنسان ورفاهيته منذ القدم، فهو المصدر الرئيسي لطعام الإنسان والأكسجين اللازم لكل المخلوقات على سطح الأرض، فإذا أدرك الإنسان مصلحته في الحفاظ على الحياة البرية فسيتبنى كل السبل التي يحافظ من خلالها على مصالحه.

أما العوائد الاقتصادية للحياة البرية فعديدة، بعضها عوائد مباشرة نقدية وأخرى غير نقدية، ويعتمد الكثيرون من أبناء المناطق الريفية خاصة على المصادر البرية في معيشتهم أو كسب رزقهم، فمنهم من يعمل في جمع وتسويق الأعشاب البرية ذات القيمة الطبية أو ثمار الأشجار البرية، وما زلنا حتى اليوم نشاهد في الأسواق معارض لبيع معروضات تمثل مشتقات من حيوانات برية كالجلود والفراء المستعمل في صناعات متعددة كالمعاطف والحقائب والملابس والتراث والقبعات والأحذية وغيرها.

كما تمثل أنواع برية وبحرية بعينها قيمة مادية كبيرة، يدفع محبيها إلى تقديم مبالغ طائلة من أجل اقتنائها في بيوتهم ومكاتبهم، والكثير من الدول تحصل على إيرادات نقدية كبيرة من عوائد الضرائب والرسوم وكذا مقابل إصدار رخص الصيد التجارية ومن عوائد رسوم إصدار تصاريح تربية الأنواع البرية في بيوت الأسر وفي الحدائق الحيوانية والنباتية والمتاحف ومن حصيلة تصدير الأنواع البرية الحية والميتة وأجزائها ومشتقاتها كالجلود والعاج الخام والمصنع والبذور والشتلات والفسائل.

أما في مجال السياحة، فتلعب تلك البيئات دورًا محوريًا في التنشيط السياحي الذي يعد العصب الأساسي لمعظم الاقتصادات العربية، فمثلًا في مصر هناك الآلاف من السياح يزورون محمية جبل سانت كاترين في سيناء ورأس محمد في شرم الشيخ، ومن خلال القيم الترفيهية تتعدد المنافع المعنوية وذلك من خلال الاستماع لتغريد الطيور ومشاهدة جمال البرية في الحصول على التسلية النفسية وتقويم الوجدان ورفع القوى والقدرة واستعادتها للإنتاج والإحساس بالشجاعة والرفق بالحيوان.

ثقافيًا.. للحياة البرية أهمية تراثية وثقافية تتمثل في الطقوس والتأثيرات الروحية والنفسية والمقدسات متصلة الأنواع البرية، فضلاً عن ارتباط الأنواع البرية بالشعر والموسيقي والفنون كالرسم والنحت، مما يثري الحياة الإنسانية، كما أن أسماء العديد من المواطنين في الوطن العربي مستمدة من الحياة البرية كالنمر والفهد والأسد.

علميًا.. يتم استغلال الحيوانات البرية في إجراء البحوث الطبية والعلمية المختلفة والتجارب المعملية وهذا ما يلاحظ حاليًّا في عدد من الدول المتقدمة علميًا، فهي تستورد السلاحف والسحالي للقيام بالأبحاث العلمية نظرًا لعدم ورودها على القائمة الأولى لاتفاقية التجارة الدولية.

مخاطر تهدد حياة الكثير من الحيوانات النادرة بالانقراض

تهديدات ومحاذير

العديد من التحديات تواجه الحياة البرية والبحرية على حد سواء في الدول العربية مما يتطلب تدخلاً سريعًا لوقف نزيف هذه الثروات، ففي الأردن يسود استخدام المبيدات الزراعية، الأمر الذي ينذر بانقراض الأنواع البرية، فيما يكثر إتلاف بيض الطيور البحرية في الإمارات بواسطة العاملين في صيد الأسماك وكثرة الشباك التي تصطاد الأحياء البحرية.

أما في البحرين فتهدد عمليات الهدم والحفر البحري للأغراض السكنية أو الترفيهية وإنشاء الموانئ والجسور البيئات الطبيعية، كذلك تصريف المياه في المناطق الساحلية وآثار الملوحة وآثار محطات التحلية، هذا في الوقت الذي تتعرض فيه الحياة البرية للخطر في الجزائر بسبب انعدام المراقبة الكافية لاستغلال الموارد الطبيعية.

وفي السودان تتزايد النزاعات بشأن استخدامات المراعي والغابات لتربية الحيوانات الأليفة، مما يؤدي لحدوث تنافس بين الأنواع الأليفة والأنواع البرية في بيئاتها الطبيعية، بينما يؤدي انحسار الغطاء النباتي في الأراضي البعلية إلى تهديد الحياة البرية في سوريا، فيما يعتبر التوسع العمراني والحضري ونقص الكوادر المدربة أهم مهددات الحياة البرية في عمان.

فلسطينيًا يعتبر إزالة الغطاء النباتي بمعرفة قوات الاحتلال، بهدف إنشاء مستوطنات ومعسكرات جديدة وإنشاء طرق جديدة من أهم مهددات الحياة البرية، الأمر ذاته في لبنان حيث أدت الصراعات والحروب والتوسع في النشاط العمراني إلى تدمير البيئات الطبيعية، بينما في مصر تؤثر السباقات الصحراوية الدولية وسياحة الغوص سلبيًا على الموائل الطبيعية.