تدخل الاحتجاجات الشعبية في الأردن التي اندلعت منذ عشرة أشهر في محيط الدوار الرابع في العاصمة عمّان مرحلة جديدة من التصعيد وذلك على إثر البيانات الصادرة عن عدد من القبائل والعشائر تدعو لحراك وطني يمهل القصر الملكي لإصلاح المنظومة برمتها.

دخول القبلية على خط مسار الحراك الشعبي في سابقة هي الأولى من نوعها ربما يغير ملامح المشهد السياسي بأكمله، خاصة أن البيانات الصادرة هذه المرة من داخل قبائل تعتبر من أعمدة النظام الأردني، الأمر الذي صعد من بورصة التكهنات والسيناريوهات حيال ما يمكن أن تسفر عنه المرحلة المقبلة.

ورغم الإطاحة بحكومة هاني الملقي في يونيو/حزيران الماضي في محاولة لتهدئة الشارع الثائر بعد إقرار بعض التعديلات الضريبية، فإن الحراك استمر في منحناه التصاعدي وسط اتساع رقعته الأفقية تزامنًا مع تصاعد سقف المطالب المرفوعة، فالأمر تجاوز بعده الاقتصادي بمراحل بعيدة... فإلى أين تسير الأمور في الأردن؟

القبائل تدخل المشهد

انتشرت مؤخرًا بعض البيانات النادرة باسم قبائل كبيرة في المملكة بعد  مؤتمر لندن لدعم الاقتصاد الأردني وفي ظل الأنباء عن قرب إعلان ما يسمى بصفقة القرن، ورغم عدم معرفة هوية أصحاب تلك البيانات، فإنها خارجة من قبائل قوية ولها شعبية وجماهيرية كبيرة وتعد عصب المجتمع الأردني.

البداية كانت مع قبيلة بني حسين التي تعتبر أضخم القبائل الأردنية وتسمى بقبيلة المليون، حيث سجل البيان الأول دعوة الشعب الأردني مجددًا للالتفاف حول التيار الوطني وإسقاط النهج السائد، البيان وصف الوضع العام بأنه ينطوي على "أزمة حكم وليس أزمة حكومات" وهي صيغة تستخدم للمرة الأولى في البيانات الحراكية.

البيان الصادر باسم حراك أحرار قبيلة بني حسن تحدث عن مهلة أخيرة لكي يستعيد الشعب الأردني كرامته وحقه في حماية نفسه وأرضه، مطالبًا بتشكيل حكومة إنقاذ وطني من 31 شخصية يتم اختيارها بدقة متناهية وتعمل على إلغاء التعديلات الدستورية التي تعزز من صلاحيات القصر وتؤدي لحكومة ولاية عامة.

هذا الاتساع يرجع إلى استمرار أسباب التذمر الشعبي، التي تتعمق يومًا بعد الآخر، ففي الأيام الماضية وبينما يواجه السواد الأعظم من الأردنيين أزمات اقتصادية طاحنة، كثر الحديث عن الفساد المحمي بالقانون

كما تضمن دعوة واضحة لملايين الشعب الأردني للزحف على العاصمة عمان لاستعادة الدولة ومواجهة الفاسدين، كما تضمن لأول مرة العمل على إلغاء العقد الاجتماعي الأول في بدايات القرن وتشكيل عقد اجتماعي جديد بين الأردنيين والحكم، معتبرًا أن الأزمة في إدارة الحكم وليس إدارة  الحكومة.

أحرار القبيلة قالوا في بيانهم إنهم سينظمون مسيرة مليونية زاحفة في العاصمة عمان لاستعادة كرامة المواطنين الأردنيين وأنهم مشاريع شهداء دفاعًا عن ثرى فلسطين وتراب الأردن، محذرين من الصفقات المشبوهة التي تدار ضد الشعبين الأردني والفلسطيني.

وفي السياق ذاته، أصدرت قبيلة بني عباد، ثاني أكبر القبائل الأردنية عددًا، بيانًا أعلنوا فيه دعمهم الكامل مع كل ما ورد حرفيًا في بيان قبيلة بني حسن، داعيًا جميع الأردنيين وفي كل العشائر والقبائل للانضمام إلى زحف مليوني على العاصمة عمان في الـ2 من مايو/آيار المقبل داعيًا للتصدي للفاسدين ولعصابة المجنسين والمدنسيين التي تدير الأمور واختطفت الدولة.

الملفت للنظر في تلك البيانات أنها ولأول مرة تصدر عن عشائر أردنية كبيرة تعلن التمرد على الوضع الحاليّ، هذا بخلاف ما تحمله صياغتها من نبرة ثورية تشبه تلك التي صاغتها لجنة التيار الوطني التي تضم متقاعدين عسكريين ووزراء سابقين قبل عدة أشهر.

النقطة الجدلية الأخرى التي أثارت قلق البعض أن البيانات طالبت أبناء القبيلتين في الأجهزة الأمنية بالانضمام إلى شعبهم والتوقف عن خدمة الطغمة وحماية التقصير الشديد في رعاية مصالح الأردنيين ومراقبتهم، وهو الأمر الذي ربما يدفع الحراك إلى أخذ منحى مختلف تمامًا عن المعتاد عليه منذ انطلاقه.

عمر الرزاز رئيس الوزراء الأردني

اتساع رقعة الحراك

بعد نجاح الحراك في الإطاحة بحكومة الملقي والمجيء بعمر الرزاز، اعتقد المحتجون أن الأوضاع ربما تتغير، لكن سرعان ما جاءت الإجابة، إذ تغير الاسم ولم يتغير النهج، ليأتي رئيس الحكومة المعين ليسير على نفس توجيهات المقال، مع بعض التغييرات الطفيفة في الشكل لا الجوهر.

الأوضاع الراهنة سواء على المستوى السياسي أم الاقتصادي أم حتى المجتمعي تنبئ باحتمال اتساع رقعة الاحتجاجات، أفقيًا ورأسيًا على حد سواء، اتساع على مستوى قواعد الحراك وانتشاره في مختلف المدن والمحافظات، يقابله تصعيد في منسوب المطالب، وهو ما يتضح يومًا تلو الآخر في ظل رغبة النظام في إبقاء الوضع على ما هو عليه.

الحراك الذي تشهده شوارع عمان حاليًّا يمتد في حقيقته إلى تسع سنوات كاملة، فهو في مضمونه امتداد لاحتجاجات عام 2018، التي بدأت بدورها فعليًا عام 2010

هذا الاتساع يرجع إلى استمرار أسباب التذمر الشعبي، التي تتعمق يومًا بعد الآخر، ففي الأيام الماضية وبينما يواجه السواد الأعظم من الأردنيين أزمات اقتصادية طاحنة، كثر الحديث عن الفساد المحمي بالقانون، كالرواتب الفلكية التي يتقاضاها بعض المسؤولين السابقين، في الوقت التي باتت فيه الواسطة والمحسوبية في التعيينات سمة بارزة بينما تخطت البطالة حاجز الـ18.7%، الأجواء التي تعبد الطريق أمام المزيد من الاعتصامات والاحتجاجات.

حالة من الشيزوفرينيا تنتاب موقف الحكومة الأردنية، فبينما تقول وزيرة الدولة لشؤون الإعلام، الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء جمانة غنيمات: "حرية الرأي مكفولة بالدستور شرط أن تبقى ضمن القانون"، تضيف "هناك من يخرج على القانون خلال الاحتجاجات والبعض يحاول أن يسيء إليه عبر محاولة تقليد ما جرى في دول أخرى وهذا أمر غير مقبول في ظل مساحة الحرية الممنوحة للتعبير".

جدير بالذكر أن أسلوب تعامل الأمن مع المتظاهرين كان متزنًا إلى حد ما، فلم يستخدم القوة معهم إلا مرة واحدة فقط، وذلك حين أوقف 18 شخصًا بتهمة التجمهر غير المشروع، هذا بخلاف خلق طوق أمني بأعداد كبيرة من عناصر الشرطة في مواقع الاعتصامات، وهي إجراءات تخلق تخوفًا لدى بعض المواطنين يحول دون مشاركتهم في هذه الفعاليات الاحتجاجية.

تصعيد من المحتجين والمطالب تتجاوز الاقتصاد

من الاقتصاد إلى السياسة

مر الحراك الشعبي الأردني منذ بدايته بمسارين مختلفين، اجتمعا في النهاية في مسار واحد، الأول مسار اقتصادي بحت، ومطالب مناطقية وقطاعية، مثل توفير فرص عمل والارتقاء بالحياة المعيشية وما إلى غير ذلك من المطالب الاقتصادية، أما المسار الثاني فهو سياسي من الدرجة الأولى، كإعادة ترتيب إدارة الدولة السياسية، عبر تغيير قانون الانتخاب وسن قانون أحزاب جديد وجعل الحكومات منتخبة.

المتابع للانتفاضة الشعبية منذ بدايتها يلاحظ أن المحرك والدافع الرئيسي لها كان مطلبًا اقتصاديًا يتعلق بفرض قانون ضريبة الدخل الجديد وانعكاس ذلك على معيشة المواطن، لكن سرعان ما تحول إلى مطالب سياسية معنية بإصلاح النهج، وهذا موضوع توافق بين المشاركين في التظاهرات بمختلف انتماءاتهم السياسية.

البعض ذهب إلى أن الحراك الذي تشهده شوارع عمان حاليًّا يمتد في حقيقته إلى تسع سنوات كاملة، فهو في مضمونه امتداد لاحتجاجات عام 2018، التي بدأت بدورها فعليًا عام 2010، غير أنه توقف عبر فترات معينة خاصة بعد أحداث 2013 في مصر، وإن كانت جذوته لا تزال مشتعلة.

ومع دخول العشائر على مسار الحراك الذي يعتبر نقلة نوعية في الخط الكمي والكيفي للاحتجاجات فمن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة العديد من التطورات التي ربما تؤثر بشكل أو بآخر على قوة دفع الانتفاضة وحزمة التأثيرات المتوقع حدوثها ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، بل على المنظور السياسي في المقام الأول.