استخدام الأطفال جنسيًا، وباء ينتشر في أوروبا، فتقول آخر إحصاءات إن بريطانيا على سبيل المثال، تلقي القبض شهريًا على 400 شخص، في جرائم تتعلق بنشر صور للأطفال على موقع التواصل الاجتماعي، فيما تحمي الأجهزة المعنية نحو 500 طفل شهريًا من الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، ومع توحش الظاهرة، أعلنت الداخلية البريطانية أنها بصدد وضع آليات لاستخدام تطبيقات الرسائل الإلكترونية، وكذلك مواقع وتطبيقات الصور والفيديوهات، لحماية الأطفال من العبث بهم في هذه المرحلة العمرية الخطرة.

لماذا الخوف من إنستغرام؟ 

يجذب موقع تطبيقات الصور والفيديو إنستغرام الأطفال، فيلبي حاجتهم إلى لفت الأنظار والانتباه إليهم عبر عرض صورهم عليه، إلا أن خطورته تكون كبيرة وجدية على الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 عامًا، ويدمنون الوجود عليه كثيرًا، ما يجعلهم فريسة سهلة للتعرض للصور الإباحية والمشاهد التي لا تناسب خصوصية أعمارهم واستقلالية تفكيرهم، وقدرتهم على الفرز واتخاذ القرار، واستغلالهم جنسيًا من البعض عن طريق الابتزاز الإلكتروني بعد استدراجهم بطرق شيطانية.

يقلق السلطات الإنجليزية إتاحة إنستغرام الوصول لجميع المعلومات الخاصة بالمستخدم، ما قد يعرّض الصغار إلى احتمال الوصول لمحتويات غير لائقة أو التواصل مع أشخاص يشكلون خطرًا على حياتهم

وتخاف المؤسسات المعنية بالطفل في بريطانيا، من وجود إنستغرام في حياة الطفل بهذه الطريقة المرضية، بعدما أصبح رفيقه في تفاصيل يومه الدقيقة التي يوثقها بالصور ويعرضها على العام، بما يهدد خصوصيته ويعرضه لخطر استخدامه من البعض لأغراض شخصية غير لائقة، وقد تزداد المشكلة وتكبر، عندما يكون الحساب مفتوحًا وليس خاصًا ومعنيًا بالأقارب والأصحاب فقط.

يقلق السلطات الإنجليزية إتاحة إنستغرام الوصول لجميع المعلومات الخاصة بالمستخدم، ما قد يعرّض الصغار إلى احتمال الوصول لمحتويات غير لائقة أو التواصل مع أشخاص يشكلون خطرًا على حياتهم، لذا تجتهد في سن آليات تمنع الأطفال الذين لم يتجاوزوا الـ13 عامًا من الوجود عليه، أو عدم إتاحة معلوماتهم، بجانب التحكم خارجيًا فيما يشاهده الأطفال من خلال هذه التطبيقات، وتغطية الصور التي لا تنسابهم، حفاظًا عليهم من آثار هذه التكنولوجيا الخطرة، المحمية بموجب اتفاقية حماية خصوصية المستخدمين، وهو سلاح ذو حدين، بدأت الجهات المعنية تنتبه جيدًا لوجهه القبيح مؤخرًا، بعد تعسف الشركات مع الملاحظات الأمنية والاجتماعية عليها، واعتباره مثل حق الـ"فيتو" الذي يمنع الوصاية على مستخدميه بأي شكل.   

وتضع الحكومة البريطانية عدة تضييقات على الأطفال والمراهقين، لذا تكون دائمًا أولى الحكومات التي تتنبه لمشاكل النشء، لا سيما أنها تضع حدًا أدنى للأعمار التي يمكنها شرب الخمور وقيادة السيارات، وتراقب ذلك بشدة، ويسبب لها حاليًّا الكثير من القلق، عدم وجود حد أدنى للعمر في التمتع بالتكنولوجيا، في ظل الإحصاءات المخيفة التي تؤكد أن مستخدمي مواقع التواصل من الأطفال يبلغون نحو 67% من الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 7 سنوات، و91% من 8 إلى 11 عامًا، و98% من عمر 12 إلى 15.

المشكلة فرضت نفسها على بلدان الاتحاد الأوروبي، وحاول الاتحاد بدوره زيادة حماية خصوصية الطفل، ورفع شرط العمر في مستخدمي وسائل التواصل إلى 16 عامًا

تتعامل الحكومة بجدية شديدة، مع نصائح تانيا بايرون أهم المتخصصين بالعالم في علم النفس السلوكي، وصاحبة أشهر برنامج في التليفزيون البريطاني عن التعامل مع الأطفال، لجعلهم أكثر أمانًا في العالم الرقمي، ولكن ما يجعلها غير قادرة على تنفيذ كل النصائح المفيدة للطفل حتى الآن، ملكية معظم الشبكات الاجتماعية وخدمات البريد الإلكتروني لشركات ومؤسسات أمريكية، وهو ما يخضع هذه الشبكات للقانون الأمريكي فقط، المعروف باسم قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت (Coppa)، الذي يتطلب موافقة الوالدين للأطفال دون سن 13 عامًا على استخدام وسائل التواصل، دون تعقيدات إضافية تراها بريطانيا ضرورة لحماية الأطفال، ومن إنستغرام على وجه التحديد الذي يعقد آليات إزالة الصور من أي طرف كان، قبل الحصول على هذه الموافقة من خلال نموذج إزالة يفحصه وهو وحده من يقرر ما يجب إزالته دون غيره.

المشكلة فرضت نفسها على بلدان الاتحاد الأوروبي، وحاول الاتحاد بدوره زيادة حماية خصوصية الطفل، ورفع شرط العمر في مستخدمي وسائل التواصل إلى 16 عامًا، لكنه وجد اعتراضات كبيرة من بعض الدول التي تريد خلق شخصية مستقلة لأبنائها، ومع تزايد الخلافات، قرر الاتحاد بعد الضغط عليه من دول عدة، السماح لكل بلد بتحديد سن الرضا الخاص به، بالتنسيق مع مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي رفضته المملكة المتحدة، وتعارض كليًا أن يحكمها القانون الأمريكي في تطبيقات وسائل التواصل وخاصة إنستغرام.

صراع على الهوية والمال

يرفض إنستغرام الملاحظات البريطانية مدفوعًا إما بهوية بلاده الثقافية أو بالضغوط الاقتصادية والرغبة في المكسب، فحال انصياعه للطلبات الإنجليزية، سيكون عليه توظيف عدد كاف من الموظفين للتحكم في خدمة مجانية بالأساس، وهو ما يرفضه الموقع، ويرى أن مسؤولية المراقبة، يجب أن تلقى على الأسرة نفسها، لا عليه، ويدفع بريطانيا إلى اتجاه آخر، لدفع اشتراك شهري أو سنوي للحصول على عناصر التحكم التي تريدها دون تحمل الشركة نفسها مزيد من الأعباء.

يرفض الموقع ضغوط إنجلترا لجعل الاشتراك على تطبيق الصور الشهير ببطاقة الائتمان أو الهوية، وهو حل عملي تراه لمنع الأطفال من الاشتراك

يعتبر إنستغرام أن ما تسعى إليه الحكومة الإنجليزية نوعًا من الهوس في مجتمع محافظ، فأي طفل لو لم يجد العناية الكافية في هذه السن ووثق في والديه وأطلعهم على ما يدور في عقله ومارست عليه العائلة مزيدًا من الأبوية، بمنتهى البساطة يمكنه إعداد حسابات جديدة باسم مزيف ومستعار، يدون فيه تاريخ ميلاد مختلف ومزيف أيضًا.

ويرفض الموقع ضغوط إنجلترا لجعل الاشتراك على تطبيق الصور الشهير ببطاقة الائتمان أو الهوية، وهو حل عملي تراه لمنع الأطفال من الاشتراك أو وضع عقوبة بديلة بحجب الوصول إلى المواقع الجنسية التي لا تريد أن يستخدمها أبناؤها، وعمل تصفية في آليات البحث على الموقع ذات صلة بالعمر، وتمنع من هم دون الـ18 عامًا من رؤية المحتوى الضار، وهي توصيات ترفضها الشركة الأمريكية، مما يجبر المملكة المتحدة على تطبيقها بالقوة وبشكل ذاتي وخاصة على الهواتف الجديدة.

مخاوف بريطانيا من موقع إنستغرام، مشفوعة ببحوث ميدانية كشفت عما يفكر فيه أولياء الأمور، وهل يشاطرونهم الخوف أم لا من موقع إنستغرام تحديدًا، كما شاركت الأطفال والشباب في الشرائح البحثية المحددة لمعرفة ما يفكرون فيه، فكانت الردود في أغلبها ترى في إنستغرام وسيلة غير آمنة، خاصة أنه يمكن الأشخاص الذين لا يعرفونهم من التعليق على صورهم وإرسال رسالة لهم، وفي معظم الأحيان، يجعلهم يرون مشاركات مزعجة أو غير لائقة لأعمارهم.

ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تطبيق إنستغرام، يكشف عن ضرورة قصوى لإجراء حوار مع الأبناء دائمًا، بشأن السلوكيات المقبولة عبر الإنترنت

الخوف من تطبيق إنستغرام من بين جميع شبكات التواصل الاجتماعي الرئيسية، دفع ليوني سميث خبيرة السلامة على الإنترنت في سيدني بأستراليا، لاختباره، ووصلت إلى نتيجة مفادها أنه يزيد من العنف والسلوك المرضي لمستخدميه أكثر من أي تطبيق آخر، خاصة أن مخالفاته الكثيرة ورطت كل من فيسبوك وسكايب وسناب شات، في مخالفات كبيرة على علاقة بالاستغلال الجنسي، بسبب دخولهم معه في منافسة على مزيد من الحرية والخدمات.  

ما يحدث على مواقع التواصل وخاصة تطبيق إنستغرام، يكشف عن ضرورة قصوى لإجراء حوار مع الأبناء دائمًا، بشأن السلوكيات المقبولة عبر الإنترنت، دون توقف، لا سيما العائلات الذين يفضلون أن يكونوا أفضل أصدقاء لأطفالهم، بإطلاق أيديهم في كل شيء دون محاسبة أو مراقبة، فتزايد الربط بين وسائل الإعلام الاجتماعية وعمليات التشهير وابتزاز النساء، قد تكون مداخل مقبولة لفتح حوارات مع الأطفال بطريقة تناسب أعمارهم، عن أخطار هذه المواقع والحاجة لتطبيقات مراقبة أبوية، تتوافر الآن على المتاجر لمشاركة الأبناء في اتخاذ القرار في هذه المرحلة العمرية الصعبة.

وتكمن المشكلة حتى الآن، أن الخبراء العاملين بمواقع التواصل الاجتماعي الأمريكية، من مجتمع شديد المادية والصراحة، ويرفضون أي كاتلوجات أخلاقية تريد بعض المجتمعات الأوروبية فرضها عليهم، ويعتبرونها غير مناسبة أصلاً لكبار السن الذين يغرقون في الوجود لساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعانون من نفس المشاكل التي يريدون فرضها على أطفالهم، مع أنها أصبحت في العالم كله حاليًّا وظيفة بدوام كامل دون أجر!