لقاء عباس والأسد سيكون الأول منذ اندلاع الأزمة السورية (الصورة أرشيفية)

خطوة بعد خطوة تقترب قدما الرئيس الفلسطيني محمود عباس من دخول العاصمة السورية دمشق، وعقد لقاء قمة مع الرئيس السوري بشار الأسد، بعد قطيعة دامت سنوات بسبب اشتعال الحرب والأزمة الطاحنة داخل الأراضي السورية.

الخطوة الأولى التي تقدم بها الرئيس الفلسطيني نحو دمشق كانت بتاريخ 14 من يناير الماضي، حين أعلن موفد السلطة في دمشق رسميًا افتتاح مقر الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون الفلسطينية، وسط العاصمة السورية لتبدأ بالبث الرسمي والعمل من هناك، لتفتح معها صفحة جديدة من العلاقات لن تكتب تفاصيلها المهمة إلا بخطوة أخرى أكثر حساسية وتأثيرًا.

والخطوة المقبلة المنتظرة يتم التجهيز لها على قدم وساق بين الجانبين الفلسطيني والسوري، وستكون بزيارة الرئيس عباس لدمشق وعقد لقاء قمة بين الرئيسين عباس والأسد، التي ستسطر عناوين صفحة العلاقات الجديدة والمتطورة بين البلدين، وسيكون الرئيس عباس هو ثاني الأسماء التي سيسجل فيها بعد أن سبقه في القائمة الرئيس السوداني عمر البشير.

خلال سنوات الثورة السورية، اعتبرت غالبية الدول العربية الأسد "مُجرمًا"، لكن الوضع اختلف مؤخرًا؛ حيث أعادت بعض الدول علاقاتها الدبلوماسية مع نظامه، كان آخرها الإمارات والبحرين

ورغم التهم التي توجه لنظام الأسد في المجازر والمذابح التي ارتكبها طوال سنوات الحرب بحق شعبه، فإن السلطة الفلسطينية لا تزال تفتح ذراعيها لاحتضانه، وتم الكشف عن توجه رسمي من الرئيس عباس لزيارة دمشق خلال الفترة المقبلة، وهو ما نُقل حرفيًا على لسان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد.

لقاء القمة.. لماذا الآن؟

في تصريحات مفاجئة لصحيفة "الوطن" السورية، قال الأحمد: "زيارة عباس إلى دمشق واردة في أي وقت، وستكون قريبة"، مضيفًا: "أنا اليوم في دمشق بزيارة معلنة، وليس سرًا، هناك من سبقني قبل أيام في زيارات غير معلنة".

وتابع في تصريحاته التي جاءت على هامش افتتاح هيئة الإذاعة والتليفزيون الفلسطينية بدمشق: "سوريا تتعافى وخياراتها لا تزال واضحة وبوصلتها لا تزال تتجه صوب فلسطين، وهذا سيكون له انعكاس ليس فقط على القضية الفلسطينية، وإنما أيضًا على عموم المنطقة"، على حد تعبيره.

وخلال سنوات الثورة السورية، اعتبرت غالبية الدول العربية الأسد "مُجرمًا"، لكن الوضع اختلف مؤخرًا؛ حيث أعادت بعض الدول علاقاتها الدبلوماسية مع نظامه، كان آخرها الإمارات والبحرين، من خلال فتح سفارتيهما في دمشق.

تشير المصادر في تصريحات خاصة لـ"نون بوست"، إلى أن منتصف شهر مارس الحاليّ سيكون موعد لقاء القمة بين عباس والأسد

وتقول مصادر سياسية فلسطينية، إن الرئيس عباس قد وضع رسميًا على أجندته خلال جولته الخارجية التي يقوم بها زيارة دمشق ولقاء الأسد، ليكون الرئيس العربي الثاني الذي يصافحه، رغم القرار العربي بالمقاطعة بسبب ما "ارتكبه من جرائم بحق شعبه".

وتشير المصادر في تصريحات خاصة لـ" نون بوست"، إلى أن منتصف شهر مارس الحاليّ سيكون موعد لقاء القمة بين عباس والأسد، وهناك تجهيزات تجري على قدم وساق بين الجانبين من أجل إتمام الزيارة وكسر الجمود الذي أصاب العلاقات طوال السنوات الماضية.

وكشفت أن قبل قرار عباس بالتوجه لدمشق ولقاء الأسد، أجرى الرئيس الفلسطيني العديد من الاتصالات مع الدول العربية ومن بينهم مصر والسعودية والبحرين، بشأن خطوته الجديدة ومدى قبولهم بها، إلا أنه لم يجد أي معارضة.

بدوره أكد عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، في تصريحات خاصة لـ"نون بوست"، أن زيارة عباس لدمشق ستكون مهمة وتخدم القضية والمشروع الوطني، على حد زعمه.

كان الرئيس عباس قد عبّر أكثر من مرة عن أمله بحل الصراع في سوريا بعيدًا عن استخدام السلاح، كما أرسل خلال السنوات الماضية موفدين للنظام السوري لبحث أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا

وذكر زكي أن السلطة تمتع بعلاقات قوية مع الدول العربية كافة بما فيهم سوريا، وهي حريصة تمامًا على إقامة علاقات متميزة وقوية مع كل الدول، وهذا ما دفعنا لتجديد العلاقات مع دمشق، والحديث عن زيارة الرئيس عباس القريبة هناك.

ويشير لـ"نون بوست"، إلى أن السلطة والموقف الفلسطيني الرسمي "كان واقفًا بموقف إيجابي ومحايد تجاه التغيرات التي حصلت في الدول العربية، وعلى وجه الخصوص سوريا، وحبل العلاقات بين الطرفين لم ينقطع وسنحاول خلال الفترة المقبلة  تقويته".

وكان الرئيس عباس، قد عبّر أكثر من مرة عن أمله بحل الصراع في سوريا بعيدًا عن استخدام السلاح، كما أرسل خلال السنوات الماضية موفدين للنظام السوري لبحث أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.

وجاء افتتاح السلطة لمكتب التليفزيون بدمشق، بعد أيام من نفي الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي، وجود أي خطط لدعوة سوريا لحضور القمة العربية المقرر عقدها في تونس مارس الحاليّ.

وفي 16 من ديسمبر 2018 وصل الرئيس السوداني عمر البشير إلى العاصمة السورية دمشق للقاء بشار، بشكل مفاجئ ضمن زيارة سرية لم يعلَن عنها مسبقًا، وتعتبر هذه أول زيارة لرئيس عربي إلى سوريا منذ اندلاع الثورة ضد نظام الأسد في مارس 2011.

البحث عن الشرعية

خطوة عباس القادمة نحو دمشق وإعادة العلاقات الرسمية، أثارت حالة من الغضب في الشارع الفلسطيني، واعتبر الخبير في الشؤون العربية والمحلل السياسي البروفيسور عبد الستار قاسم خطوة عباس في التوجه إلى دمشق مجرد "بحث عن مكانة له" في الوطن العربي، بعد أن كان مهشمًا وضائعًا طوال الفترات الماضية بسبب سياساته الداخلية والخارجية السلبية والعزلة التي يعيشها.

يحاول النظام السوري، مؤخرًا، كسب مشروعيّة لدبلوماسيته المبتورة في المنطقة من خلال سعيه لعودة العلاقات مع عدد من الدول العربية التي أغلقت سفاراتها في وجهه منذ 8 سنوات

ويؤكد أن "هذه الزيارة متوقعة وسيكون عباس مُجبرًا عليها بسبب الوضع المتردي الذي يعيشه، وهو يعتقد أن مثل هذه الزيارة وعناق الأسد وتبادل القبلات معه سيُعيد له بعض البريق واللمعان في المنطقة، حتى إن كانت الخطوة مرفوضة فلسطينيًا".

وعلى الجانب المقابل، يرى قاسم أن نظام الأسد هو الآخر يبحث عن أي طرف يمثل الفلسطينيين ويستند عليه، خاصة بعد أن تركته حركة حماس، ووجد في عباس ضالته وهو مضطر للتعامل معه خلال الفترة الحاليّة والمقبلة "لكسب بعض من مكانته".

ولفت الخبير في الشؤون العربية إلى أن العلاقة بين عباس والأسد مبنية على المصالح للخروج من الأزمات والعزلة والظهور مجددًا عبر الساحة العربية، متوقعًا أن يكون عباس الرئيس العربي الثاني الذي سيزور سوريا بعد زيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير.

ويحاول النظام السوري، مؤخرًا، كسب مشروعيّة لدبلوماسيته المبتورة في المنطقة؛ من خلال سعيه لعودة العلاقات مع عدد من الدول العربية التي أغلقت سفاراتها في وجهه منذ 8 سنوات، عندما انطلقت الثورة السورية التي قُمعت بالنار والرصاص.

لعل الساعات أو الأيام القادمة كفيلة بتوضيح أكثر في ظل دعم سياسي روسي غير منتهٍ للأسد ليخوض انتخابات جديدة يواصل فيها حكم بلد ممزق بقبول عربي وإقليمي ودولي

وجمدت الجامعة العربية عضوية سوريا نوفمبر 2011، على خلفية الحرب الدائرة هناك، في حين أغلقت دول عربية عدة سفاراتها في دمشق، وأخرى خفضت علاقاتها مع سلطات النظام.

ويعيش النظام السوري عزلة دولية؛ إذ تقاطعه غالبية دول العالم، وتفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات عليه بسبب الجرائم التي ارتكبها على مدار سبع سنوات.

ولعل الساعات أو الأيام القادمة كفيلة بتوضيح أكثر في ظل دعم سياسي روسي غير منتهٍ للأسد ليخوض انتخابات جديدة يواصل فيها حكم بلد ممزق بقبول عربي وإقليمي ودولي، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير  بقوله: "على المعارضة السورية القبول بالأمر الواقع".

فهل سيعود بشار الأسد إلى جامعة الدول العربية قريبًا في ترتيب جديد لخرائط المنطقة وأنظمتها؟