على الرغم من تطلّع العالم إلى العمارة العثمانية لعقود أو ربّما قرون عديدة بوصفه واحدًا من أكثر أشكال العمارة فخامةً وقوّة، حيث تركت آثارها في بقاعٍ كثيرة لتبقى شاهدةً على عظمة تلك الفترة سواء في تركيّا أو في الدول التي خضعت لحكم الدولة العثمانية مثل بلاد الشام ومصر والعراق والحجاز، أو غيرها من الدول العربية كالبلقان وغيرها، إلّا أنّ هذا لم يمنع أنّ العمارة العثمانية في الوقت نفسه قد تأثّرت بأساليب معمارية غربية وحاولت تقليدها ومجاراتها.

ولعلّ أحد أكثر تلك الأساليب شهرةً هو الفنّ الباروكي الذي انتشر في أوروبا في القرن السادس عشر للميلاد، بدءًا من إيطاليا والنمسا وأسبانيا وجنوبي ألمانيا، ثمّ ما لبث وأن انتشر في بقيّة أنحاء أوروبا مع حلول القرن السابع عشر. ويتّصف المبنى الباروكي النموذجي بالأشكال المنحنية والاستخدام المتقن والمعقّد للأعمدة والمنحوتات والرسومات واللوحات المزخرفة. كما يمتاز بالفخامة والترف، واعتماده على المساحات الواسعة والطابع الصوري متعدّد الأشكال والألوان.

لجأ الحكّام الكاثوليكيّين في أوروبا للعمارة والفنّ والموسيقى الباروكية للتعبير عن سلطتهم وحماسهم الديني الذي أحاط بالكنائس والأديرة والقصور الفخمة.

بشكلٍ عام، تعرّف العمارة الباروكية بأنّها النمط المعماريّ الذي ظهر كرغبة من الكنيسة الكاثوليكية في روما بالتأكيد على وجودها وإظهار سلطتها في ظلّ ضعف الحركة البروتستانتية آنذاك. فما كان من الملوك والحكّام الكاثولوكيّين إلا اللجوء للعمارة والفنّ والموسيقى الباروكية للتعبير عن سلطتهم وحماسهم الديني الذي أحاط بالكنائس والأديرة والقصور الفخمة.

الفنّ الباروكيّ على أبواب الدولة العثمانية

قد يكون من الصعوبة بمكان تخيّل أنّ الحضارة العثمانية في إسطنبول، بكلّ فخامتها وفرادتها وقوّتها، قد تأثّرت بشكلٍ كبير بأشكالٍ من الفنّ الغربيّ والأوروبي، إلا أنّ هذا لا يمنع أنّ المتجوّل في أنحاء المدينة القديمة، سيجد في كلّ مكانٍ فيها ما يدلّ على ذلك التأثر، وما يشير إلى أنّ الباروك مرّوا في يومٍ ما فيها وتركوا أثرهم على مبانيها.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، خضعت معظم المباني المتناثرة على تلال عاصمة الإمبراطورية العثمانية العتيدة إلى تجديدات واسعة. لكنّ الجديد هنا، أنّ الدولة كانت قد اتخذت قرارًا بالابتعاد قليلًا عن النمط العثمانيّ الإسلامي المتعارف عليه منذ قرون، والاستلهام بدلًا من ذلك بفنّ الباروك وعمارتهم الفخمة. ومن الأمثلة الرئيسية على العمارة الباروكية في إسطنبول قصر دولمة بهتشة وجامعي نور عثمانية ولاليلي.

فعندما تدخل جامع "نور عثمانية"، الذي بني بين عامي 1748 و 1755، من الدرج الرخامي الذي يرتفع على جانبي مدخله، فإنك ستلاحظ على الفور بأنّ هذا الجامع لا يُشبه أيًّا من الجوامع العثمانية الكلاسيكية التي تراها في إسطنبول، لا سيّما وأنّه أول بناء عثماني على طراز العمارة الباروكية، أي أنه كان التجربة الأولى في تغريب العمارة الإسلامية والتأثر بها.

جامع نور عثمانية ( 1748 و 1755)- أول بناء عثماني جمع ما بين العمارة الإسلامية وطراز العمارة الباروكية 

لكن ذلك لا يعني أبدًا أنّ المعماريّين الذين أشرفوا على بناء الجامع قد اكتفوا بنسخ فن العمارة الباروكية الغربية كما هو، بل غيروا فيه بما يتناسب مع ثقافة بلادهم الإسلامية وأضافوا إليه شيئًا من فنّ العمارة العثماني العريق، خاصة الآيات القرآنية التي تزيّن جدرانه وتغطّي قبّته. أمّا التأثر الأكبر في التصميم فربما يتجسّد في الضوء المتسلل من خلال الألواح الزجاجية الملوّنة والمزخرفة بشكلٍ فخم للغاية، وهو ما لم تعرفه الجوامع التقليدية في الدولة.

وحول سبب بنائه وفق فن العمارة الباروكية، فيرجّح أن الدولة العثمانية شيدت أبنيتها طوال 250 عامًا وفق النمط الشرقي التقليدي، وارتأت بعدها الحاجة إلى فن معماري جديد، لذا اختارت الفن الغربي. وعلى رغم الانتقادات التي وجهت إلى بناء الجامع لتقليده فن العمارة الغربية، إلا أنه كان ولا يزال من أبرز وأهم الآثار المعمارية العثمانية، وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) قد أدرجت الجامع وما يحيط به من أقسام ضمن القائمة المؤقتة للتراث العالمي عام 2016.

وإضافةً لجامع نور عثمانية، فهناك أيضًا على مقربةٍ منه جامع لالالي، الذي بُني بين عامي 1759 و1763، كأحد المعالم المعمارية الحديثة آنذاك، على يد المعماريّ محمد طاهر آغا وبطلبٍ من السلطان مصطفى الثالث. يختلف التصميم الخارجيّ للجامع عن بقية الجوامع التي بُنيت في ذلك الوقت، فالتأثر بالعمارة الأوروبيّة واضحٌ وجليّ لمن يراه من الخارج، فقد تمّ استخدام النموذج المعماري العثماني ممزوجًا بالنموذج الباروكيّ الفرنسيّ فيه.

جامع لالالي- بُني بين عامي 1759 و1763 على الطراز العثماني الممزوج بالباروكي الفرنسيّ الحديث

وأيًّا كان رأيك عنه حينما تراه فممّا لا شكّ فيه أنّه مثيرٌ للإعجاب، خاصةً مآذنه المميزة عن بقية المآذن والتي تشبه نهايتها “بصيلة” زهرة التوليب، أو كما تُعرف باللغة التركية “زهرة اللالي”، ومن هنا جاءت تسمية الجامع. وفي حال دخلتَ أو خرجتَ من الباب الأماميّ للجامع، ستجد جانبًا ضريحًا وسبيل ماء يحملان اسم “السلطان مصطفى الثالث”، صُمّما أيضًا على طراز العمارة العثمانية الممزوجة بالباروكية الفرنسيّة الحديثة.

سبيل الماء في جامع لالالي حيث صمّم على الطراز الباروكي

كما اتّبع السلاطين العثمانيّون الأسلوب المعماري نفسه في قصر دولمة بهجة، المركز الإداري الرئيسي للإمبراطورية منذ عام 1856 حتى 1922 للميلاد. أي أنهم لم يقتصروا في رؤيتهم المعمارية للقصر على الطراز العثماني وحسب، بل تمّ دمجه بالطراز المعماري الباروكي الفرنسي وطراز الروكوكو الألماني والطراز الكلاسيكي الجديد الإنجليزي والرونيسانس الإيطالي على شاكلةٍ معقدة جدًا يمكن ملاحظتها للوهلة الأولى من جدران القصر الخارجية.

يجمع قصر دولمة بهجة ما بين الطراز العثماني المدموج بالباروكي الفرنسي والروكوكو الألماني والكلاسيكي الإنجليزي وغيرها

وبكلماتٍ أخرى، بُني القصر ورُسم تصميمه بناءً على الجو العام للفنّ والعمارة التي تطلّبها ذلك العصر تحت وطأة تأثّر العثمانيين بالغرب، سواء من ناحية معمارية أو فنية أو سياسية أو اجتماعية. وهو ما انعكس على الترف الباذخ الذي يحيط بجميع أقسام القصر وجوانبه الكثيرة جدًا.

مشهد عام لقصر دولمة بهجة وللزخارف والمنحوتات الباروكيّة التي غطّت جدرانه وحجارته

وبالمحصّلة، يمكننا القول أنّ الدولة العثمانية قد سُحرت فعليًّا بالفنّ الأوروبي والغربيّ. ومثلما حاولت حلّ مشكلات الإمبراطورية السياسية من خلال تبنّي أنظمة الإصلاح والقانون الأوروبية، فقد امتدّ التأثر إلى أبعد من ذلك ليصل العَمارة والملابس والموسيقى والأدب واللغة وما إلى ذلك. ولعلّ الجوامع والقصور التي تنتشر بين أجزاء مدينة إسطنبول حتى يومنا هذا الشاهد الأكبر على ذلك التأثّر الذي تبعه سقوط الدولة وهويّتها الإسلامية النقية التي حافظت عليها لقرون قبل أنْ تتلاشى.