"كتائب شهداء الأقصى من الممكن أن تعود للكفاح المسلح بين يوم وليلة"، هذه أبرز وأخطر تصريحات قائد كتائب شهداء الأقصى في جنين زكريا الزبيدي الذي اعتقله الاحتلال الإسرائيلي في الـ27 من فبراير الماضي.

هنا لا أناقش حالة الزبيدي خاصة، بل حالة كتائب الأقصى في الضفة التي توقفت عن العمل المسلح وتفككت هيكليًا، وترتبط فرضية المعالجة للمادة بإمكانية عودة كتائب شهداء الأقصى "مقاتلو النزعة" للعمل المسلح في الضفة الغربية، وسط خشية الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية من انفراط عقد العفو العام، وسؤال المادة يكمن في مدى تأثير اعتقال الزبيدي على باقي مقاتلي شهداء الأقصى خصوصًا في مخيم جنين الذي يشهد خلافات كبيرة بين الأجهزة الأمنية التي تتوزع سيطرتها بين المخابرات والوقائي على مناطق محددة، مع اعتقال الأجهزة للعشرات من المقاتلين في سجن أريحا سابقًا والدخول في تسويات فشلت في غالبها، لكن المخيم مضبوط في نسق واضح المعالم موزع بالمحاصصة ومراقب على مدار الساعة حتى لا ينفرط العقد ويعود المقاتلون فيه للعمل المسلح.

يقول تسفيكا يحزكيلي الإسرائيلي الخبير في الشؤون الفلسطينية: "الزبيدي ربما أعطى استشارة ما أو رأيًا معينًا في بعض عمليات الآونة الأخيرة، وهذا يعطينا دلالة على حجم تأثير الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية المشجعة على العودة للعمل المسلح"

وقد عالجنا في مادة سابقة عبر نون بوست بعنوان "الضفة الغربية الجبهة الأكثر خطرًا على الاحتلال الإسرائيلي" فرضية مقاتلي النزعة هناك، كشفنا فيها أن الاشتباك المباشر الذي قد يحصل في الضفة سيكون عنيفًا لطبيعة البيئة الجيوقتالية هناك، بالتصاق والتحام الفلسطينيين مع المستوطنين وجنود الاحتلال الإسرائيلي عبر المستوطنات المنتشرة والحواجز العسكرية في الضفة الغربية.

حين سأل مراسل القناة العبرية الثانية الزبيدي

- أين البندقية؟

- موجودة.

- لم تتركها؟

- ما زالت موجودة ولكن الآن هناك سقف سياسي.

عمليات تجميع السلاح التي تشهدها الضفة الغربية من قيادات في الأجهزة الأمنية لمرحلة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد تجعل التحول للعسكرة أمرًا حتميًا في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي أو الفوضى الداخلية

يقول تسفيكا يحزكيلي الإسرائيلي الخبير في الشؤون الفلسطينية: "الزبيدي ربما أعطى استشارة ما أو رأيًا معينًا في بعض عمليات الآونة الأخيرة، وهذا يعطينا دلالة على حجم تأثير الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية المشجعة على العودة للعمل المسلح، وقد يكون الأمر مرتبطًا بحالة تجميع السلاح في الضفة الغربية تحضيرًا لليوم التالي لغياب أبو مازن عن المشهد السياسي، وربما أراد أن يتحكم في الوضع الميداني على الأرض بحثًا عن خيار آخر لعباس، ولو بطرق عنيفة".

التأثير والتأثر في مقاتلي النزعة والتحول المضاد

عمليات تجميع السلاح التي تشهدها الضفة الغربية من قيادات في الأجهزة الأمنية لمرحلة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد تجعل التحول للعسكرة أمرًا حتميًا في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي أو الفوضى الداخلية، يعتمد ذلك على سرعة التحول، وقد شهدت انتفاضة الأقصى تحولاً سريعًا في الأجهزة الأمنية منذ أوسلو حتى بدايات دخول العمل المسلح في الضفة "مجموعات حسين عبيات ورائد الكرمي"، وسرعة تشكيل مجموعات لشهداء الأقصى، لكن غياب الأخيرة عن المشهد المقاوم منذ فترة طويلة قرابة 12 عامًا يجعل الأمر مرهونًا بالفوضى من جديد.

لا شك أن الزبيدي له خصومه الكثر في كتائب الأقصى بالضفة، التي إن حُلّت لكن الارتباط الروحي ما زال موجودًا في قصصهم وذكرياتهم، وقد تكون سريعة العودة دون الحاجة لهيكلية هرمية متراتبة بل مجموعات صغيرة، لكن حلفاء وخصوم الزبيدي الذين طالهم العفو هم في حل منه إذا تعرض الاحتلال الإسرائيلي لهم، وقد تكون مواجهة حتمية محاولة الأجهزة الأمنية السيطرة عليها بتشكيل جماعات مصالح داخل المعفي عنهم300  مقاتل ضمن الاتفاق عام2007  بشرط إنهاء العمل المسلح هناك.

مجموعات الأقصى التي تشكلت في انتفاضة الأقصى هي وطنية بالدرجة الأولى تحكمها النزعة والحالة الثورية، وليس الارتباط الديني الإيديولوجي

إعادة تشكيل خلايا شهداء الأقصى في الضفة الغربية مرهون برفع وتيرة النزعة والثأر، فمن عايش كتائب شهداء الأقصى وتجربتهم خلال انتفاضة الأقصى عام 2000 يعلم تمامًا قدرتهم السريعة على تشكيل خلايا غير منتظمة وغير مركزية وسريعة الانتشار، وقدرتهم على المناوشة اليومية وهو ما يخشاه الاحتلال الإسرائيلي.

مجموعات الأقصى التي تشكلت في انتفاضة الأقصى هي وطنية بالدرجة الأولى تحكمها النزعة والحالة الثورية، وليس الارتباط الديني الإيديولوجي، حتى حالتهم الدينية تكون فطرية، فمحور حديثهم هو السلاح والقتال دون ترتيب، قد تختلف عن فصائل دينية كحماس والجهاد الإسلامي، لذلك تمتاز بسرعة التشكل وسرعة الانتهاء ثم إعادة التشكل، وتكون الحالة الثورية مرتفعة بالنسبة لهم إذ سرعان ما يتحولون لمقاتلين.

هناك تخوف كبير لدى المقاتلين المعفي عنهم بعد اعتقال الزبيدي، وتحاول الأجهزة الأمنية طمأنتهم بأن الزبيدي حالة خاصة، وتريد تجييشهم لمعركة الفوضى القادمة داخليًا لإعادة الهدوء بعدها بعيدًا عن الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي

 لكن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضمن برنامج طويل منسق مع أطراف فلسطينية أمنية عملت على تدجين هؤلاء، وخلقت في قياداتهم جماعات مصالح تحظى بميزات كثيرة تبقيها بعيدة عن المطاردة والقتال، إضافة إلى الفجوة بين جيلين في كتائب الأقصى، جيل انتفاضة الأقصى والجيل الجديد الذي لا يرتبط كثيرًا بطبيعة المعارك والاشتباكات المسلحة اليومية ضمن الحالة الثورية قبل 13 عامًا، التي كانت تشهد اشتباكات مسلحة بشكل يومي في مدن الضفة الغربية كافة.

نعم، هناك تخوف كبير لدى المقاتلين المعفي عنهم بعد اعتقال الزبيدي، وتحاول الأجهزة الأمنية طمأنتهم بأن الزبيدي حالة خاصة، وتريد تجييشهم لمعركة الفوضى القادمة داخليًا لإعادة الهدوء بعدها بعيدًا عن الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي، لكن تأثرهم باعتقال الزبيدي يعتمد على طبيعة التعامل معهم بشكل فردي في الأيام القادمة خصوصًا في مخيم جنين، ومدى إعادة ارتباطهم بقيادات داخل السجن أو خارجه، وأعتقد أن أمر عودتهم بشكل جماعي للقتال سيكون صعبًا، وما سيحصل هو اختراق على المستوى الفردي بمجموعات صغيرة في السنوات القادمة.

ظروف الاعتقال

اعتقلت قوة خاصة من جيش الاحتلال الإسرائيلي مدعومة من الشاباك زكريا الزبيدي إضافة للمحامي طارق البرغوثي في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية بعد ملاحقة مستمرة، لكن طبيعة العلاقة بين الزبيدي وقيادات مهمة في الأجهزة الأمنية أخر أمر اعتقاله كثيرًا، وقد وجه الاحتلال الإسرائيلي شبهة ضلوعه بأنشطة "إرهابية خطيرة"، وحظرت قوات الاحتلال النشر في تفاصيل التحقيق مع الزبيدي حتى 27 من مارس.

الصحفي الإسرائيلي يوني بن مناحيم قال عبر تويتر: "عودة زكريا للعمل ضد إسرائيل أمر خطير، ويدور الحديث عن مقاتل يشغل منصب عضو مجلس ثوري في حركة فتح، وهو على علاقة بشخصية قيادية في حركة فتح، والسؤال هل كان تنسيقًا أمنيًا؟ هل تم تسليمه على يد أجهزة الأمن الفلسطينية؟ حركة فتح ملزمة بمحاربة الإرهاب، وهل الرئيس عباس يعلم؟".

هنا يمكن الإشارة لما قاله تسفيكا يحزكيلي "لعل الزبيدي متورط في بعض الأحداث الأمنية التي شهدتها مدينة رام الله مؤخرًا، لأن كبار المسلحين الفلسطينيين يتركون طريق العمل المسلح، ويقومون بذلك لأسباب تكتيكية، وسرعان ما يعودون لطريقتهم الإستراتيجية".

تشير ظروف الاعتقال السريعة للزبيدي في رام الله أن نقطة الصفر قاربت على الانطلاق فيما يتعلق بالوضع الأمني المتدهور في الضفة الغربية والمتسارع باتجاه عكس رغبة الاحتلال الإسرائيلي، فالزبيدي الذي يعتبر ذو وزن كبير بالنسبة للجماهير هناك وأبناء المخيمات الذين تربطهم النزعة القتالية ضد الاحتلال الإسرائيلي، من الممكن أن يؤثر على طبيعة اتفاق العفو بالكامل عن مقاتلي شهداء الأقصى، وتعلم "إسرائيل" جيدًا أن مرحلة الفوضى في الضفة الغربية قادمة لكن تريد توجيهها داخليًا بعيدًا عن أي هجمات ضدها، يعني إعادة ضبط القيادات السابقة لكتائب شهداء الأقصى عبر الأجهزة الأمنية، وفصلها عن الجيل الجديد خوفًا من تشكيل مجموعات جديدة.

من زكريا الزبيدي؟

زكريا الزبيدي، 39 عامًا، هو أحد مؤسسي كتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية، وقائد الكتائب في مدينة جنين، لم تنجح "إسرائيل" باغتياله أو اعتقاله بعد مطاردة لـ9 سنوات، عاش يتيم الأب حيث توفي والده بمرض، استشهدت والدته وشقيقه خلال ملاحقة الاحتلال له، وأصيب 7 مرات وتعرض لـ6 محاولات اغتيال فاشلة، وهدم الاحتلال بيته في مخيم جنين ثلاث مرات، ويتهمه الاحتلال الإسرائيلي بالإشراف على العشرات من العمليات الفدائية، وكان متحدثًا باسم كتائب الأقصى باللغتين العربية والعبرية، وقد تعلم العبرية بعد 9 سنوات من الاعتقال والعمل داخل حيفا، قبل العمل في جهاز الأمن الوقائي في العام 1994.

كتائب الأقصى تشكلت بأمر من الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات، وهو ما ساعدها بشكل واضح في العمل بتوسع ضمن انتفاضة الأقصى

لم يسلم الزبيدي سلاحه ضمن تفاهمات الأجهزة الأمنية الفلسطينية مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بعد القضاء على كتائب شهداء الأقصى وإنهاء العمل العسكري لفتح في الضفة الغربية كجزء من البرنامج السياسي للرئيس محمود عباس، وقد نال عفوًا عامًا وفق تفاهمات توفيق الطيرواي مع 300 مقاتل من كتائب شهداء الأقصى التي دخلت حيز التنفيذ عام 2007، واعتقل الزبيدي في سجن الأمن الوقائي عام 2013 كحماية له من اغتيال الاحتلال الإسرائيلي، وقضى قرابة 3 أعوام في السجن، بعدما خرق شرط العفو الإسرائيلي العام عنه، فرفع عنه الاحتلال العفو الجزئي عام 2011، يذكر أن الزبيدي عضو المجلس الثوري لحركة فتح.

خلاصة القول إن كتائب الأقصى تشكلت بأمر من الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات، وهو ما ساعدها بشكل واضح في العمل بتوسع ضمن انتفاضة الأقصى، وإعادة تشكلها بالطريقة السابقة قد يكون مستحيلاً، والطور الجديد لها عبارة عن مجموعات تنشأ بشكل فردي لن تتطور إلا بأمر رسمي على سابق عهدها ككتائب مقاتلة، وهذا يرتهن بكيفية توجيه حالة الفوضى القادمة في الضفة الغربية.