ليس غريبًا أبدًا أنّنا، بشكلٍ واعٍ أو غير واعٍ، نميل لإطلاق الأحكام والتصوّرات عن الأشخاص من حولنا استنادًا إلى الكثير من الأمور، من بينها مظهرهم الخارجيّ ووجوههم، حتى في حال انعدام أيّ أساسٍ لتلك الأحكام في الواقع أو ارتباطها بمعرفة مسبقة أو تجربة ماضية. فلا بدّ وأنك أيضًا تعير المظهر الخارجيّ وشكل الوجه اهتمامًا حين تعاملك مع من تلتقيهم أو مرّة، ليصبح الوجه وكأنه الكتاب أو الدليل الأوّل الذي تلجأ إليه لتقرأ الشخص المقابل.

فللأسف الشديد، بمجرّد نظرك إلى وجه شخصٍ ما، فإنّ عقلك سيكون قادرًا في غضون ثوانٍ على تحديد مدى راحتك له، أو فيما كان جديرًا بالثقة أم لا، أو مثيرًا للمخاوف أو لا. ما يعني أنّنا عرضةً لتكوين الكثير من التحيّزات والصور المُسبقة عن الأشخاص من حولنا بمجرّد نظرنا إليهم. والأكثر غرابة أنّ الكثير من الكتب تدّعي أنّ شكل الوجه يستطيع عكس جزءٍ من سمات الشخصية للفرد، تمامًا كما عرف العرب في القدم فنّ الفراسة، حيث كانوا يلجؤون للوجه والمظهر الخارجي لمعرفة الناس وحالاتهم.

تاريخٌ قديم.. عرفه الإغريق والعرب ثم طوّره الأوروبيّون

عرف العرب قديمًا الفراسة وامتازوا بها، وهي القدرة على معرفة أخلاق وطبائع الناس الباطنة من خلال النظر إلى أحوالهم الظاهرة، كالمظهر الخارجيّ واللون والأعضاء وما إلى ذلك. وبكلماتٍ أخرى، يمكن تعريف الفراسة كما عرفها العرب بأنها الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن. كما أنّ الكثير من علماء العرب وأعلامهم قد ألّفوا في هذا المجال وكتبوا عن تاريخه وتجاربه وأهمّيته.

ألف الرازي كتابًا تطرّق فيه  إلى علم الفراسة من مدخل طبي تشريحي، كما قام بتفصيل صفات البشر من خلال قراءة وجوههم وصفاتهم الخارجية ورأى أنه كما تعالَج أمراض الجسد بالأدوية والعقاقير فإنّ الفراسة هي أيضًا علم تعالَج به أمراض النفس

فعلى سبيل المثال، كتب ابن قيم الجوزية في القرن الثامن للهجرة مؤلّفًا حمل اسم "الفراسة"، ركّز فيه على الأمارات والدلائل التي يجب على الحاكم ملاحظتها قبل إطلاق أحكامه واتخاذ قرارته. أما فخر الدين الرازي، فقد ألّف كتابًا حمل الاسم نفسه وأصبح المرجع الأساسي للكثير من العلماء الذين اهتمّوا بعلم الفراسة في أوروبا لاحقًا. ويتطرق كتابه إلى علم الفراسة من مدخل طبي تشريحي، كما يقوم بتفصيل صفات البشر من خلال قراءة وجوههم وصفاتهم الخارجية.

وقد تعامل الرازي مع الفراسة كنوعٍ من أنواع الطب النفسيّ بالمفهوم الحديث. إذ رأى أنه كما تعالَج أمراض الجسد بالأدوية والعقاقير فإنّ الفراسة هي أيضًا علم تعالَج به أمراض النفس. بالإضافة إلى ذلك، وضع الرازي عدة شروطٍ أساسية للطبيب حتى يطوّر مهاراته في العلاج من خلال العناية بالظواهر النفسية للمرضى وتقوية ملاحظته لما يُظهرونه من تعابير وسلوكيات وما إلى ذلك.

لكنّ هذا لا يعني أنّ العرب قد اعتمدوا على العلوم السابقة في معارفهم، فالرازي قد استلهم أساسًا من أرسطو وأبقراط. وقد عرّف الإغريق الفراسة بمصطلح الفزيوجنوميا " Physiognomonica"، الكلمة التي تتكون من مقطعين اثنين بمعنى "معرفة الجسم"، وهو اسم لمجال شبه علمي أو فن قراءة واستخلاص مكونات الشخصية بمجرد دراسة المظهر الخارجي للجسم، لا سيّما الوجه.

كان فيثاغورس يختار تلامذته وطلّابه بناءً على سمات ذكائهم وموهبتهم التي كان يحدّدها من خلال تعابير وجوههم ومظهرهم الخارجيّ

ولو تتبّعنا تاريخ الفراسة أو أيًّا يُطلق على هذا التقليد قديمًا، لوجدنا أنه يرجع إلى عصور ما قبل الميلاد، إذ يُذكر أنّ فيثاغورس عام 500 قبل الميلاد كان يتجّه لقبول تلامذته وطلّابه بناءً على ذكائهم وموهبتهم التي كان يحدّدها من تعابير وجوههم ومظهرهم الخارجيّ، أما أرسطو فقد اعتقد من جهته تمامًا بقدرة شكل الوجه على عكس شخصية الفرد، فتجد في كتاباته وصفًا في ذلك؛ فصاحب الرأس الصغير يكون حازمًا أو عازمًا، أما الوجه الواسع فيدلّ على الغباء، والوجه المستدير فيدلّ على الشجاعة، وهكذا.

وفي الهندية القديمة، فقد عرف  الهندوس والبوذيّون "السامودريكا شاسترا Samudrika Shastra"  كتقليد قديم ينطوي على دراسة شكل الوجه وهالته وتحليل الجسم لمعرفة الشخصية والعقلية والنفس، إذ يعني المصطلح حرفيًا في اللغة السنسكريتية "المعرفة من ملامح الجسم". ويفترض هذا التقليد أنّ كل علامة طبيعية أو مكتسبة جسديًا ترمز إلى جزءٍ محدّدٍ من سيكولوجية الشخص.

لوحات تمثيلية من مقالات العالم والفيلسوف السويسري جوهان كاسبار لافاتر في الفزيوجنوميا

أمّا في أوروبا، فقد بدأت الفزيوجنوميا بالعودة إلى الواجهة مع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر. إذ أخذ هذا العلم منحىً أكثر حداثةً على يد الفيلسوف السويسري جوهان كاسبار لافاتر الذي اكتسبت أعماله أهمية كبيرة شجّعت ترجمتها إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، لا سيّما مع انتشارها برفقة العديد من الرسومات التوضيحية التي تشرح نظرياته، إلا أنّ هذا لا يعني عدم تلقّيها نقدًا شديدًا خاصة ممن كانوا ينظّرون لدراسة سيكولوجية الأفراد وشخصياتهم من خلال سلوكياتهم وتصرفاتهم، وبذلك اعتبروا أنّ كلّ ما يمتّ للفزيوجنوميا بصلة محض خرافات لا أساس لها من العلم.

ركّز العلماء في القرن التاسع عشر على دراسة العلاقة بين شخصية الإنسان وشكل جمجمته وحجمها وأبعادها

لاحقًا ومع بدايات القرن التاسع عشر، أصبح علم الفرينولوجيا " Phrenology" أحد أشكال الفزيوجنوميا التي أخذت صيتًا واسعًا في أوروبا وأمريكا بعد بدايته على يد الطبيبين الألمانيين فرانز جوزيف غال وجوهان سبورزهايم اللذين حاولا ربط الخصائص الفزيوجنومية للفرد بصحته ومرضه وجماله ونباهته العقلية. وقد أحدث هذا المجال جدلًا واسعًا لادّعائه أنه أحد فروع علم الأعصاب وتركيزه على دراسة العلاقة بين شخصية الإنسان وشكل جمجمته، حيث أن شكل الجمجمة يدل على شكل و حجم الدماغ بداخلها، وبافتراض أنّ كل جزء من الدماغ يقوم بعدة وظائف فسيولوجية وإدراكية مختلفة، إذن فاختلاف شكلها يدلّ أيضًا على اختلاف الشخصية.

رابط قوي بين المظهر والشخصية.. أحكام مُسبقة أم علاقة فعلية؟

على الرغم من أنّ علم الفرينولوجيا أو الفِراسة باتت تصنّف ضمن مجال العلوم الزائفة، إلا أن هذا لا يعني أنّ تصوّراتنا التي نبنيها عن الناس من حولنا تعتمد على مظاهرهم وأشكالهم الخارجية. إذ يعمل العقل اللاواعي على تجميع البيانات والمعلومات المتاحة له، كشكل الوجه والمظهر، ويعمل على ملء الفراغات عنده لتشكيل وبناء صورة أو رؤية معيّنة عن من يراه أمامه، وهو ما يُعرف في علم النفس بمصطلح "الاستدلالات اللاواعية".

فبعد تشكيل تلك الاستدلالات، مثل لغة الجسد وتعابير الوجه والصوت والملابس والمظهر، يعمل الدماغ على توظيفها لرسم صورة مُسبقة عن الشخص. والعديد من الدراسات العلميّة أثبتت بالفعل أنّ شكل الوجه والمظهر يؤثّران على الكثير من القرارات التي يتخذّها الأفراد بخصوص من حولهم، سواء حين يتعلّق الأمر بالعلاقات الرومانسية أو التصويت والانتخاب أو التوظيف، وغير ذلك.

وفي سلسلة أخرى من الدراسات، أجراها مجموعة من علماء النفس الأمريكيّين، عُرض على المشاركين مجموعة من الصور المختلفة للمرشحين المتنافسين في انتخابات الكونغرس وانتخابات حكام الولايات في أمريكا، ثمّ طُلب منهم تحديد المرشّح الأكثر كفاءة. لاحقًا، وجد الباحثون أنّ تلك  الانطباعات العابرة وغير الواعية للكفاءة قد تحوّلت إلى سلوكٍ فعليّ في التصويت والانتخابات، فالمرِشّح الذي حُكم عليه من خلال شكله بأنه الأكثر كفاءة تمّ انتخابه وقت التصويت الفعليّ.

ما يعني بالنهاية أنّنا محكومون مهما حاولنا ببناء تلك التصوّرات عن الآخرين من خلال أشكالهم ووجوههم، حتى في حال علمنا المسبق أنّها مجرّد تصوّرات قد تُصيب أو قد تُخطئ. وإلى هذه اللحظة، لا يدعم العلم أيًّا من النظريات أو الروايات التي رواها الإغريق والعرب عن الفراسة والقدرة على التنبّؤ بالشخصية من خلال الوجهة والمظهر الخارجيّ.