في الوقت الذي أصبح فيه العالم يدور حول المادة والمال، سادت لدينا ثقافة الاستهلاك وباتت عملية الشراء عادة شبه يومية، فقد ازداد هوسنا باقتناء المزيد من الأشياء مع انتشار الإعلانات الترويجية على نطاق واسع، في الشوارع والمنصات الاجتماعية، دون أن نعي حقًا أن هذه المشتريات لا تزيدنا بالضرورة سعادةً ولن تدفعنا إلى الشعور بالكمال والاكتمال، كما تدعي. وتبعًا لذلك، ظهرت العديد من الحركات والتجارب الشبابية الفردية التي تهدف إلى توعية المستهلك بعواقب سلوكياته ومساعدته في النظر إلى هذه العادة من منظور مختلف.

كيف نمتنع عن الشراء ولماذا؟

وفقًا لعالم النفس بجامعة كورنيل، توماس جيلوفيتش، فإننا "نشتري الأغراض لنشعر بالسعادة، وتنجح عملية الشراء في إسعادنا ولكن لفترة قصيرة، فسرعان ما نعتاد على وجودها ونفقد تأثيرها"، ويضيف "أنك أنك قد تحب تلك الأشياء المادية وقد تظن أن جزءًا من ذاتك مرتبط بها، إلا أنها تظل منفصلة عنك. أما التجارب التي تخوضها، فهي بالفعال تشكل جزءًا منك، لأننا في النهاية حصاد ما نخوضه من تجارب.

ولذلك ينصح العلماء باستغلال أموالنا ووقتنا في أمور أكثر استدامة وفائدة من الأشياء المادية، مثل السفر والتعلم والتنزه وزيارة المتاحف والمعارض. مع العلم، أن توصياتهم ليست مبنية فقط على هواجس مادية ومعنوية فقط، بل تشمل التأثيرات البيئية أيضًا.

فقد قالت مؤسسة البحوث العالمية "وورلد وواتش" بأن "الغازات الدفيئة ليست هي من تسبب في التغيرات المناخية، بل طريقة استهلاكنا هو ما يسبب هذه الغازات التي تضر بالبيئة، وإن لم نضع نهاية للسلوكيات الاستهلاكية التي تدفعها الإعلانات، فإننا لن نحل مشكلة التغير المناخي". ما يعني أننا نملك دوافع عديدة وأكثر جدية لاتباع ما لدينا من خيارات قد توفر لنا المال والوقت وتحافظ على محيطنا من الأضرار المحتملة.

في هذا السياق، تحكي هانا لويز بوسطن قصتها لموقع "بي بي سي"، عن تجربتها حول التخلص من عادة شراء مستحضرات التجميل والملابس والأثاث المنزلي، حتى وإن لم يكن لديها المال الكافي لتغطية جميع هذه المشتريات، إذ تقول: "كنت مدمنة على عادة التسوق. كنت أتقاضى ما يتراوح بين 3 آلاف و4 آلاف دولار، لكني كنت أشعر بالتوتر والارتباك بعد أن أنفق راتبي بالكامل. لكن ذلك كان يعني أنني لم أدخر شيئاً من المال على الإطلاق".

الكثير من الأشخاص يلجأون للتسوق بهدف صرف أذهانهم عن الشعور بالبؤس وعدم الراحة، ولكن عندما تنتهي عملية الشراء فإن مشاعر الانزعاج والمعاناة تطفو مجددًا على السطح.

ولذلك قررت بوسطن أن تتوقف بشكل كامل عن إهدار دخلها الشهري على هذه السلع، رغبةً في إدخار المال والوقت والجهد، والتمتع بما لديها من أغراض قديمة وإعادة ترتيب المنزل وتنظيفه من جميع الأشياء التي تجعلها متمسكة بالماضي بدلًا من الاستمتاع باللحظة الحالية والتفكير في المستقبل، مشيرةً إلى ذلك بقولها "كنت أستخدم التسوق كوسيلة لصرف انتباهي وتركيزي عن أمور الحياة التي لا أرغب في التفكير فيها".

أكدت ذلك اخصائية علم النفس، جوردانا جاكوبس، التي قالت بأن الكثير من الأشخاص يلجأون للتسوق بهدف صرف أنظارهم وأذهانهم عن الشعور بالبؤس وعدم الراحة، ولكن عندما تنتهي عملية الشراء فإن مشاعر الانزعاج والمعاناة تطفو مجددًا على السطح.

تكون البداية في التخلص من المعلومات الخاصة بالبطاقة الائتمانية من مواقع التسوق عبر الإنترنت، وإلغاء جميع الاشتراكات في المتاجر التي قد تجذبك تخفيضاتها وإعلاناتها

وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار فترة الامتناع عن الشراء كاستراحة علاجية من الضغوط المادية، فمن خلالها يمكن تقليل المصاريف والديون والتركيز على السلوكيات الخاطئة الأخرى ومحاولة تغييرها، كما ولا شك أنها فرصة لتعويد النفس على التحكم بالرغبات عبر كسر عادة الإشباع الفوري، خاصةً أنك ستدرك العواطف التي قد تدفعك إلى الرغبة في إنفاق المال -مثل قضاء أسبوع شاق في العمل-، وبالتالي ستجد طرقًا لتعامل مع هذا الوضع.

وتكون البداية في التخلص من المعلومات الخاصة بالبطاقة الائتمانية من مواقع التسوق عبر الإنترنت، وإلغاء جميع الاشتراكات والعضويات في المتاجر التي قد تجذبك تخفيضاتها وإعلاناتها، يضاف إلى ذلك، ضرورة إخبار العائلة والأصدقاء بهذه المهمة التي قد تستمر إلى شهور طويلة، بهدف الحصول على الدعم والتشجيع وتحرير التفكير من المسؤوليات والالتزامات التي قد ينتظرها الآخرون مثل الهدايا واللقاءات الجماعية التي تلزم بعض الإنفاق.

جدير بالذكر أن لكل شخص قائمة من الاستثناءات والضروريات الشخصية التي يمكنه الإنفاق عليه ولكن بشكل عام يعد الإيجار والفواتير ووجبة غذائية (لا تتعدى الـ5 دولارات في اليوم) والمتعلقات الصحية والتعليمية من الأمور التي لا يمكن إدخالها في هذه الحمية الاقتصادية. وعدم التساهل مع النفس التي تدمن الأشياء بسهولة وتصيغ حجج بالية للتسوق والشراء، إذ يعتقد معظم الأشخاص أن شراء قميصًا بقيمة 20 دولارًا وشراء فستانًا بـ40 دولارًا لن يهدد الميزانية، ولكن الحقيقة أن هذا السلوك يدفعهم بالنهاية إلى إنفاق مئات أو آلاف الدولارات على مدار العام.

بشكل عام، يعتمد هذا القرار على الدوافع الداخلية، فقد يطبق البعض هذا النظام لأسباب بيئية أو ثقافية أو لاتخاذ موقف ضد النظام الاقتصادي والعدوى الاستهلاكية في العالم، أو ببساطة لفهم النفس وعاداتها بشكل أفضل، وبغض النظر عن ذلك، فمن المؤكد أن هذه العادة ستساعد الناس على الإبداع وإيجاد طرقًا مختلفة لاستغلال ما لديهم والتعايش معهم، وتكون الخلاصة بما قالته الناشطة الاجتماعية، دوروثي داي، التي كانت تقول دومًا أن "أفضل شيء يمكن أن نفعله مع أفضل الأشياء في الحياة هو التخلي عنه".