صوت المرأة ثورة؛ ولهذا حين كانت تنطلق مواكب الجماهير الداعية إلى إسقاط نظام البشير في السودان والتي بدأت شرارتها الأولى في 19 ديسمبر/كانون الأول 2018 كانت إشارة البدء عبارة عن زغرودة نسائية لتبدأ بعدها الهتافات العالية "تسقط بس" وبإيديهن المخضبة بالحناء وبأصواتهن العالية  وحضورهن في صفوف الاحتجاجات الأولى ردد المئات من نساء السودان "ياأم ضفاير قودي الرسن واهتفي فليحيا الوطن" في مشهد مبهر فاق جميع التصورات وكأنه عُرس مهيب.

وعبر شارع ديدوش مراد وسط العاصمة الجزائرية شارك آلاف النسوة في الحراك الشعبي رافضين ترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة تتقدمهن المجاهدة الجزائرية الشهيرة جميلة بوحريد  وبناتها وشابات جيل الاستقلال حيث عاشوا استعادة لحظة ثورية من تاريخهن النضالي أثناء عهد ثورة التحرير.

التاريخ الثوري للمرأة

منذ الولادة، يضع المجتمع أغلب السيدات أمام خيارات محددة سلفاً وإطارت صُممت خصيصاً لتتلائم مع ما يرتضيه، وهناك بعض النساء ممن يستسلمن لرغبة المجتمع وينصعن لأوامره ولكن هناك من يقاتلن ببسالة رافضين التأقلم مع تلك الخيارات المحددة، ولهذا يمكن القول أن هناك غريزة خفية في الكثير من النساء وهي غريزة النضال والمقاومة: بداية من مقاومة محيطها الداخلي وحتى الثورة على السلطات السياسية المستبدة.

حين اندلعت أول ثورة عمالية في التاريخ الحديث بمدينة باريس خلال عام 1871 شاركت المرأة الفرنسية منذ البداية وقامت بدور هام للغاية في الانتفاضة التي أدت في نهاية المطاف إلى  ظهور "كوميونة باريس" أو الثورة الفرنسية الرابعة

والعلاقة بين المرأة والثورة علاقة قديمة جداً؛ فقد شاركت المرأة البريطانية بقوة في الثورة الإنجليزية التي اندلعت في منتصف القرن السابع عشر، وخلال عام 1789 وحين ارتفع سعر الخبز بنسبة88% في فرنسا نظمن نساء الأسواق الشعبية في باريس لموجة التمرد الثانية من الثورة الفرنسية تلك الثورة التي قوضت عرش أوروبا الإقطاعية وساهمت في ظهور المجتمع الحديث؛ وقد توجه حينها أكثر من 7000 امرأة إلى قصر فرساي الملكي من أجل إجبار العائلة المالكة على مواجهة الثوار.

وحين اندلعت أول ثورة عمالية في التاريخ الحديث بمدينة باريس خلال عام 1871 شاركت المرأة الفرنسية منذ البداية وقامت بدور هام للغاية في الانتفاضة التي أدت في نهاية المطاف إلى  ظهور "كوميونة باريس" أو الثورة الفرنسية الرابعة والتي تمخضت عن أول دولة عمالية في التاريخ وعلى الرغم من أنها لم تستمر سوى 72 يوماً فقط إلا أنها برهنت على أن بمقدور العمال الحالمين بتحرير الطبقة العاملة خلق مجتمع ديمقراطي.

وتروي نساء أسبانيا ذكرياتهن عن ثورة العمال التي اندلعت بين عامي 1936-1937 إذ يقولون " "كنا نتدرب مع ميليشيات الرجال، ونقاتل إلى جوارهم على الخطوط الأمامية لمواجهة الفاشيين، كما كنا ننام في مخيمات محاطة بالرجال، ورغم هذا لم نشهد قط محاولات للتحرش الجنسي" وهو الأمر المشابه لما حدث في ثورة 25 يناير في مصر فطيلة 18 يوماً قضتها النساء المصريات بجوار الرجال في ميدان التحرير لم تكن هناك أية حوادث تحرش أو إساءة في معاملة المرأة.

اليوم العالمي للمرأة 1917

في 8 مارس/آذار 1917 وفي حيّ فابورغ بمدينة بتروغراد الروسية أعلنت عاملات النسيج الإضراب عن العمل غير آبهات بكل التحذيرات من زملائهن الذين شعروا أن الاحتجاج سيضرهن، وبعد ساعات سارت مظاهرة نسائية نحو مجلس الدوما البلدي تطالب بالخبز، حينها كان العاملات هن من أطلقن شرارة الثورة الروسية وفيما بعد صرن جزءاً مكوناً من الثورة ذاتها.

الحرية ليست ترفاً يرفل بثوبه فقط هانئو البال ولكنها غريزة يولد بها البشر، ولهذا تقع على عاتقهم مهمة تحرير أنفسهم من سطوة القوالب النمطية التي يخلقها الآخرون

وفي كتابه الشهير "تاريخ الثورة الروسية" كتب الزعيم الماركسي ليون تروتسكي " "كانت المرأة هي الأشجع والأشد عزماً فيما تعلق بمناشدة الجنود على التمرد وحثهم على رفض أوامر قادتهم، ودعوتهم لترك الخدمة العسكرية والانضمام إلى صفوف الثوار. وكانت قدرة المرأة على كسب الجنود حاسمة في الإطاحة بالقيصر، الذي كان يعد واحداً من أشد الطغاة وحشية في أوروبا بأسرها".

نساء ثوريات حلمن بالحرية وناضلوا من أجلها

الحرية ليست ترفاً يرفل بثوبه فقط هانئو البال ولكنها غريزة يولد بها البشر، ولهذا تقع على عاتقهم مهمة تحرير أنفسهم من سطوة القوالب النمطية التي يخلقها الآخرون..ثم تأتي المهمة الأعظم وهي التحرر من سطوة النظم الاستبدادية السياسية منها والاقتصادية وكذلك تحرير الأرض من المستعمر الخارجي ومقاومة المحتل، وفي مضمار البحث عن الحرية كانت المرأة حاضرة وبقوة، ومن النساء الذين ثاروا من أجل الحرية:

روزا باركس: السيدة التي رفضت التخلي عن مقعدها في الحافلة فغيرت تاريخ أمريكا

في إحدى أمسيات شهر ديسمبر/كانون الأول الباردة من عام 1955 جمعت روزا باركس ذات البشرة السمراء عدة الخياطة الخاصة بها وتجهزت للعودة إلى منزلها بعد يوم حافل من العمل الشاق، وفي الطريق وقفت باركس تنتظر الحافلة وهي تحتضن حقيبتها لتستمد منها، آنذاك كان القانون الأمريكي يمنع منعاً باتاً أن يجلس رجل أسود وسيده الأبيض واقف، وكان سائداً في تلك الحقبة الزمنية أن تجد لوحة معلقة على باب أحد المحال التجارية والمطاعم مكتوب عليها "ممنوع دخول الكلاب والقطط والرجل الأسود".

ركبت روزا الحافلة وجلست على إحدى كراسيها ولكن حين جاءت المحطة التالية صعد بعض الركاب واتجه رجل أبيض إلى حيث تجلس روزا منتظراً منها القيام، ولكنها لم تفعل واكتفت بنظرة لا مبالاة وعادت لتشاهد الطرقات، وهنا ثارت ثائرة الرجل الأبيض  وبدأ في سبها هو وجميع ركاب الحافلة ولكنها لم تلق لهم بالاً وصممت على موقفها وهنا لم يكن أمام سائق الحافلة أمام هذا الفعل الخارق للقانون سوى التوجه للشرطة وبالفعل تم التحقيق مع روزا وتغريمها 15 دولار جراء التعدي على حقوق الغير، ومن هنا انطلقت شرارة ثورة السود في أمريكا الذين قرروا مقاطعة جميع وسائل المواصلات وطالبوا بحقوقهم في المساوة بالبيض واستمر الغليان لمدة وصلت إلى 381 يوم وسرعان ماانضم الملايين إلى هذا التمرد حتى أقرت المحكمة الأمريكية بإلغاء الفصل العنصري في الحافلات خلال عام 1956.

توكل كرمان: أكثر نساء التاريخ ثورية

وصفت مجلة التايم الأمريكية الناشطة والصحفية اليمنية توكل كرمان بأنها "أكثر نساء التاريخ ثورية" ووفقاً للتقرير الذي أصدرته منظمة "مراسلون بلا حدود" فإن توكل كرمان تعد واحدة من سبع نساء أحدثن تغييراً في العالم، وخلال عام 2011 فازت كرمان بجائزة نوبل للسلام بالتقاسم مع مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة الليبيرية ليما غوبوي.

توكل كرمان الحاصلة على جائزة النوبل

وقادت توكل الكثير من المظاهرات والاعتصامات في اليمن مطالبة بحرية الصحافة؛ فخلال عامي 2009-2010 تقدمت توكل صفوف أكثر من 80 اعتصام منددة بالفساد حيث ساهمت في إعداد الكثير من التقارير التي تتحدث حول الفساد في اليمن هذا بالإضافة لإعدادها الكثير من أوراق البحث في المؤتمرات العالمية مطالبة بحرية التعبير ومكافحة الفساد وحقوق المرأة في اليمن، وقد اعتقلت توكل بعد اندلاع الاحتجاجات في اليمن خلال عام 2011 بتهمة إقامة تجمعات دون ترخيص ولكن أُفرج عنها بعد يوم واحد بسبب تزايد موجة الاحتجاجات في اليمن.

دلال المغربي: عروس يافا التي أقامت الجمهورية الفلسطينية

دلال المغربي  هي مناضلة فلسطينية لُقبت باسم "عروس يافا"، قادت عملية  فدائية لخطف حافلة جنود في إسرائيل عام 1978، مما أدى إلى مقتل أكثر من ثلاثين إسرائيليا، واستشهدت في العملية برفقة مقاومين آخرين، وهي التي قال عنها الشاعر السوري نزار قباني إنها "أقامت الجمهورية الفلسطينية".

كتبت دلال وصية واضحة لرفاقها الثوار قالت فيها " وصيتي لكم أيها الإخوة حملة البنادق تبدأ بتجميد التناقضات الثانوية وتصعيد التناقض الرئيسي ضد العدو الصهيوني، وتوجيه البنادق، كل البنادق نحو العدو الصهيوني، استقرار القرار الفلسطيني تحميه بنادق الثوار المستمرة،  لكل الفصائل أقولها، لإخواني جميعاً أينما يتواجدوا، استمرّوا في نفس الطريق الذي سلكناه.

وفي يومها العالمي الذي يوافق 8 مارس من كل عام يمكن القول بأن المرأة كانت وستظل حاضرة على الدوام؛ سواء في مضمار العمل والتفاني من أجل رفعة الأسرة والمجتمع أو في مضمار النضال من أجل الحرية والثورة على كل ما هو تقليدي وإذا كان درب النضال شاقاً فنفس الثائرات طويل.