يرى البعض أن جذور العنصرية التي تواجهها المرأة في مجتمعاتنا يرجع إلى بنية اللغة العربية

يُعيدنا يوم المرأة العالمي كلّ عام إلى الكثير من الأسئلة الأساسية التي تواجهها شتّى المجتمعات والثقافات والبلدان فيما يخصّ المرأة. فما بين حملة "أنا أيضًا" والأصوات المطالبة بالمساواة في الأجور بين الجنسيْن وتلك التي تدعو إلى تمكين المرأة في الحيّز العام، لا يزال الكثير من الجوانب التي ينبغي لنا الانتباه إليها تمهيدًا لفهمٍ أكثر عمقًا واتساعًا، بما في ذلك موضوع اللغة ودورها كأداة تغيير جذرية سواء عالميًّا أو عربيًّا.

إذ يعتقد الكثيرون أنّ التمييز الذي يُمارس بحقّ المرأة والنساء لا يقتصر على الممارسات والأفعال بل يمتدّ إلى اللغة والخطاب. وبعبارةٍ أخرى، يصف البعض اللغة بالذكورية أو الأبويّة انطلاقًا من وجهة النظر القائلة بأنّها تنحاز للذكر دومًا على حساب الأنثى في كثيرٍ من السياقات والمجالات. 

ومع ذلك، فإنّ أي نقاش حول العلاقة بين اللغة والتمييز بين الجنسين يؤدي في الغالب إلى تعليقات يمكن التنبؤ بها حول الاستخفاف بالمسألة وتصغيرها والتقليل من أهمّيتها. وهو الموقف الذي يشبه بالنهاية جميع المواقف التي تُساهم في تكريس سلطة الذكر على حساب الأنثى في مختلف المجالات والنواحي.

مَن يمتلك اللغة يمتلك السُلطة.. هل اللغة صنيعة الرجل؟

جادل العديد من علماء اللغة والاجتماع منذ سنين طويلة بأنّ اللغات قد تكون بالفعل صنيعة الرجال الذين أرادوا في حقبةٍ ما من الزمن تمثيل وجهات نظرهم وإدامتها وتمكين أنفسهم وذواتهم وإثبات سيطرتهم وعلوّهم على غيرهم من فئات المجتمع. وبالتالي، فإنّ الطريقة التي نرى بها العالم من خلال اللغة هي بالنهاية نتاج للتقاليد الأبويّة التي صنعت اللغة وطوّرتها لتخدم مصالحها.

وفي كتابها "Man Made Language"، تجادل الكاتبة النسوية الأسترالية دايل سبندر بأنّ اللغة بالأساس هي وسيلة لتصنيف وترتيب العالم، وبالتالي فهي وسيلة للتلاعب بالواقع والتحكّم فيه. فقبل اختراع اللغة لم يكنْ للإنسان أيّ إطارٍ مرجعيّ أو ترتيب معيّن يلجأ إليه لتفسير وفهم العالم من حوله.

يعتقد الكثيرون بأنّ الذكور هي المجموعة المهيمنة التي أنتجت اللغة والفكر وكيفية النظر للواقع بطريقة بطريقة ساعدتهم في تعزيز ادّعاء التفوّق والتميّز.

تكمل الكاتبة وجهة نظرها بالقول بأنّ تصنيف اللغة وفقًا للأعضاء الجنسية، أي لذكرٍ وأنثى أو لفئات ذكورية وأخرى أنثوية، جاء بناءً على رغبة الذكر بتصنيف السلوكيّات المحدّدة بين الجنسين. ومن خلال ترتيب الأشياء والأحداث في العالم وفقًا لهذه القاعدة، فقد سعى الذكور إلى تسويق تفوّقهم المدّعى أو المصطنع في أغلب المجالات، إن لم يكن جميعها، على حساب الأنثى.

وبالتالي، تؤكّد سبندر أنّ اللغة هي حقًّا صنيعة النظام الأبويّ الذي يتحكّم في جميع جوانب الحياة منذ سنين طويلة جدًا. وتعتقد مثلها مثل غيرها ممّن يشاركونها نفس المعتقد بأنّ الذكور هي المجموعة المهيمنة التي أنتجت اللغة والفكر والواقع بطريقة ساعدتهم في تعزيز ادّعاء التفوّق والتميّز.

كما تُشير المؤلّفة إلى بعض النظريّات التي تدعم وجهة نظرها. فعلى سبيل المثال، تفترض إحدى النظريّات أنّ طبيعة اللغات تُخبرنا عن البنية الهرميّة في المجتمعات بين الذكور والإناث. وتدلّل تلك النظرية على ذلك من خلال استخدام ضمير "هم" أو "أنتم" كضمائر خاصة بالذكور لكنّها في بعض الأحيان تشمل الإناث ضمن نطاقها. وترى ذلك وسيلة لتمثيل النساء وتغطيتهنّ تحت عباءة الذكور ومسمّياتهم وضمائرهم.

ماذا عن اللغة العربية؟

تأخذنا تلك النظريّات والفرضيّات إلى اللغة العربية بوصفها لغة جندرية، حيث تصنّف الكلمات فيها إمّا لمذكر أو مؤنث دون أنْ يكون فيها ضمائر للأسماء المحايدة، عوضًا عن أنّ ثمة قواعد نحوية تشير لجنس الاسم أو الكلمة المستخدمة. فاللون الأحمر حين يُراد استخدامه لوصف كلمة مؤنّثة يصبح "حمراء" على سبيل المثال، وذلك على عكس الكثير من اللغات الأخرى اللاجنسية أو اللاجندرية حيث لا تفرّق في كلماتها وضمائرها وصفاتها بين أيٍّ من الذكر والأنثى.

تطرح قضية تصنيف اللغة العربية لمفرداتها بناءً على الجنس الكثير من الأسئلة المحورية. فعلى سبيل المثال، يرى البعض أنّ اللغة العربية تحيّزت للرجل حين جعلت من جمع المذكّر السالم خاصًّا بالذكور العاقلين فقط، في حين أنّ جمع المؤنّث السالم يُستخدم للمؤنث العاقل وغير العاقل، فكلمة معلمة تُجمع على معلّمات وكلمة طاولة تُجمع طاولات وبقرة تُجمع بقرات، عدا عن أنّ المفردات المذكّرة التي تشير إلى ما هو غير عاقل فلا تُجمع جمع المذكّر السالم أبدًا.

تمارس اللغةُ العربية الطائفيةَ ضد الأنثى، حيث تعامَل كأقلية من خلال إقحامها تحت عباءة الرجل ومعاملتها معاملة المذكّر في الكثير من السياقات. 

إضافةً إلى ذلك، يُرجع نصر حامد أبو زيد في كتابه "دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة" جذور العنصرية التي تواجهها المرأة في مجتمعاتنا العربية إلى بنية اللغة العربية التي جعلت من الاسم العربي المؤنث موازيًّا للاسم الأعجمي من حيث القيمة التصنيفية؛ فبالإضافة إلى تاء التأنيث على مستوى البنية الصرفية، تمارس اللغةُ العربية الطائفيةَ ضد الأنثى، حيث تعامَل كأقلية من خلال إقحامها تحت عباءة الرجل ومعاملتها معاملة المذكّر في الكثير من السياقات. 

فيقول أبو زيد بأنّ وجود رجلٍ واحد في سياقٍ ما يؤدي إلى إلغاء مجتمعًا كاملًا من النساء، فيُشار إلى ذلك الجمع بصيغة المذكّر لا المؤنّث. ومن هذه النقطة، ينطلق إلى نقطة مهمّة جدًا؛ وهي أنّ وضع المرأة في العالم العربيّ لا يزال محكومًا باللغة التي تستند أساسًا إلى مرجعية الشريعة والتراث الدينيّ وتعتمد عليه.

وعلى الرغم من أنّ هذا الخطاب لم يعد يشغل حيّزًا كبيرًا كما في السنوات السابقة، إذ بتنا نرى تغيّرًا ملحوظًا سواء في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي أو في التقارير الإعلامية أو في بيانات المنظّمات والمؤسّسات التي أصبحت تُبرز الصيغة اللغوية الأنثوية في محتواها. فمثلًا يستخدم البعض كلًّا من صيغتي المذكّر والمؤنّث في حين كان الخطاب موجّهًا لجمعٍ ما، على عكس ما اعتاد الكثيرون قديمًا على استخدام الصيغة المذكّرة فقط.

نحن بحاجة ماسّة وملحّة إلى إدراكٍ واعٍ وحقيقيّ لكيفيّة استخدامنا للكلمات واللغة لجعلها أكثر مرونة لمواكبة الوعي النسويّ الذي يأخذ بالازدياد والترسّخ شيئًا فشيئًا مع الوقت

من جهةٍ أخرى، لا تزال اللغة العربية قاصرة عن استيعاب عددٍ من المصطلحات والمفاهيم المتعلّقة بالمرأة، بما في ذلك كلمة "المرأة" نفسها، وهو ما عبّر عنه الباحث والطبيب النفسيّ همّام يحيى في أحد منشوراته على موقع فيسبوك. إذ يعتقد يحيى أنّ كلمة "المرأة" تأخذ منحىً حقوقيًّا تصنّف الخطاب إلى خطابٍ ظالمٍ أو مظلوم. وهي الكلمة المستخدمة في منظّمات المجتمع المدني وخطابات المؤسّسات الحقوقية وما إلى ذلك. من جهةٍ ثانية، تحمل كلمة "الأنثى" معنىً جنسانيًّا يدلّ على الطبيعة والبيولوجيا والسيكولوجيا المتعلّقة بالمرأة. في حين أنّ كلمة "نساء" تأخذ طابعًا جماعيًّا غالبًا ما يكون تراثيًّا وفقهيًّا أو قد يكون شهوانيًّا مجنسنًا. 

بالمحصلة، ليس من السهل تغيير طرق التصرف والتفكير المشروطة ثقافيًا واجتماعيًا، لكنّ استمرار تعزيز القوالب النمطية والاجتماعية التي تدعمها اللغة لا يساعد أبدًا في ذلك التغيير. ما يعني أنّنا في حاجة ماسّة وملحّة إلى إدراكٍ واعٍ وحقيقيّ لكيفيّة استخدامنا للكلمات واللغة لجعلها أكثر مرونة لمواكبة الوعي النسويّ الذي يأخذ بالازدياد والترسّخ شيئًا فشيئًا مع الوقت.