يعيش العالم العربي حالة من الضبابية فيما يتعلق بمستقبله الاقتصادي، فالتحليلات تشير إلى مفارقات عدة ولكنها لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي بما يتناسب مع خطورتها، وهذه آفة المنطقة بأكملها، التي لا تعطي الأرقام أهميتها، في معادلة الاهتمام بما يجري على الساحة، وخاصة بعدما دخلت بلدان عربية كبيرة إلى مستنقع الديون، ولم يعد ذلك حكرًا على دول تعاني اقتصاديًا مثل مصر والأردن ولبنان وتونس، بل تتجول السعودية والكويت والإمارات الآن في نفس الساحة.

ارتفاع الدين العام.. لماذا؟  

تدور التساؤلات في حلقة مفرغة، لماذا ترتفع الديون الخارجية بهذا الشكل؟ وما الذي يجعل دول مثل السعودية تعتمد على بيع السندات لسد العجز في موازنتها؟ وإن كان الأمر ينطبق على دول أخرى عاشت ألوان عدة من أشكال الاضطراب السياسي طوال العقد الماضي، مما انعكس على اقتصادها، فما الذي يدعو الدول الغنية إلى اللجوء لنفس الأساليب وتضخم دينها العام بهذا الشكل؟

اللجوء للديون لتسديد العجز في الميزانيات بالدول العربية الغنية، لا يقابله إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة، حيث تغيب الشفافية والرقابة والمحاسبة الفعلية على سوء الصرف

يمكن تلخيص أسباب هذا التدهور، في ثقافة الاعتماد على بيع السندات والاستخفاف باللجوء إلى الدين الخارجي، حتى أصبح ظاهرة في الوطن العربي، فالسعودية أكبر اقتصاد في المنطقة، استدانت في السنوات الماضية، ما يقرب من 150 مليار دولار، نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي، إما بسبب تراجع أسعار النفط لأقل من النصف منذ خمسة أعوام، أو للأرقام الباهظة التي تدفع في فاتوة تسليح ارتفعت بشكل غير مسبوق، لتتخطى ما يقارب 60 مليار دولار سنويًا، بجانب العديد من النتوء المالية التي تكلف الميزانية الكثير، من تكاليف شاقة للحرب على اليمن إلى  تحديثات البنية التحتية والسياحة، وجميعها إجراءات يشوبها الفساد، بحسب تقرير موسع لموقع دويتش فيلة الألماني.

اللجوء للديون لتسديد العجز في الميزانيات بالدول العربية الغنية، لا يقابله إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة، حيث تغيب الشفافية والرقابة والمحاسبة الفعلية على سوء الصرف، مما يؤثر على تراكم الديون، لا سيما إن جاءت بشروط قاسية مثل تلك يقدمها صندوق النقد الدولي ويدخل بها البلدان في دوامة لا تنفض من الأقساط، فيوجد الحاجة إلى الاستدانة بقروض جديدة، تجهز لها شروطًا أقسى وآليات تقشفية قاسية تقطع رقاب الفقراء وتحملهم الجانب الأكبر من السياسات الرامية إلى تفضيل الاقتراض والدين.

ويقلل بعض الخبراء المقربين من الحكومات، من أزمة الديون الخارجية للدول العربية، ويستندون في ذلك إلى تصريحات عدة لصندوق النقد الدولي، يشير فيها إلى ارتفاع معدل الديون العالمية وبلوغها مستويات  تاريخية منذ عام 2016، وهو الطُعم الذي تبتلعه الحكومات العربية وتعيد تصديره إلى شعوبها مشفوعًا بالحديث المكثف عن إصلاحات تثبتها مؤشرات نموها الاقتصادي لتعزيز أوضاعها المالية والتغلب على إرث قديم من الفساد وسوء استخدام الموارد.

ليست السعودية وحدها، بل دخلت الكويت أيضًا القائمة، بدين عام بلغ 18.6% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد

ورغم التطمينات التي تقدمها الدول عبر المقربين منها من الخبراء، لا تتماشى مع خطورة ارتفاع الدين إلى مستويات بعيدة، وتأثيره على التغيرات المفاجئة في توجهات السوق، الأمر الذي قد ينعكس على قدرة الحكومات العربية، على دعم اقتصاديتها وإنقاذها في الوقت المناسب، إذا وقعت أزمة مالية عالمية جديدة مثل تلك التي حدثت في 2008.

الأغنياء على رصيف انتظار الدين

في منتصف العام الماضي، كان لافتًا تضمين الدول الأغنى في المنطقة وعلى رأسها السعودية في تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي، كشف فيه مستوى الدين العام، ومع أن المملكة احتلت المرتبة الرابعة في قائمة الدول العشرة، الأفضل حالاً على مستوى العالم من حيث مستوى الدين العام مع 3 دول عربية آخرى، إلا أن اقتحام المملكة مثل هذا النوع من القوائم، أمر لم تألفه الذهنية العربية وحتى العالمية التي تعرف حجم إنتاج السعودية من النفط ومردوده على اقتصادها، حتى لو كان الدين الخارجي لا يزيد على 12.4% من الناتج المحلي للمملكة.

الدين العام ورغم أنه نغمة شاذة في اقتصاديات الخليج، فإنه أصبح مثل الوسواس القهري في باقي الدول العربية، وخاصة التي تعرضت لضربات تسونامي الثورات العربية قبل 9 أعوام من الآن

وليست السعودية وحدها، بل دخلت الكويت أيضًا القائمة، بدين عام بلغ 18.6% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وكذلك دولة الإمارات التي تمتلك صناديق ثروة سيادية، تزيد قيمة أصولها على 1.3 تريليون دولار أمريكي، وصل دينها العام أيضًا إلى 19.3% من إجمالي الناتج المحلي، نهاية بالجزائر التي تحتل المركز الرابع عربيًا، بدين عام وصل إلى 20.4% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.

الدين العام ورغم أنه نغمة شاذة في اقتصاديات الخليج، أصبح مثل الوسواس القهري في باقي الدول العربية، وخاصة التي تعرضت لضربات تسونامي الثورات العربية قبل 9 أعوام من الآن، وفي القلب منهم مصر التي لجأت إلى خطة جديدة لإدارة الدين، وتستهدف خفضه إلى 7% من الناتج المحلي في العام المالي 2019 - 2020، بحسب تصريحات منذ ساعات لوزير المالية المصري محمد معيط.

تلجأ الحكومة للاقتراض الخارجي في محاولة للحفاظ على استقرار العملة المصرية "الجنيه" وتمويل عجز الموازنة، ولكن ذلك أثر بشدة على ارتفاع الدين الخارجي للبلاد، 92.644 مليار جنيه، وانعكس سلبًا على عجز الموازنة، لا سيما أن الدولة حتى تكون ملتزمة بسداد خدمة الدين التي تزداد مع زيادة الدين، يجب أن تتناقص في المقابل الخدمات الحكومية، وهو ما ظهر جليًا في النقاشات التي سبقت الدعوة لتعديل الدستور الحاليّ، وطالب النواب المقربون من الحكومة، بتعديل البنود الخاصة بالصحة والتعليم، في ظل التحديات الكبيرة والأزمة التي يعيشها الاقتصاد المصري، مما يؤثر على النمو في الأجل المتوسط والطويل.

لا يبعد الأردن كثيرًا عن هذه المناطق الخطرة، بعدما وصل الدين العام إلى ما يقرب من 95.6% من الناتج المحلي الإجمالي

من مصر إلى تونس، ورغم الجهود الرامية إلى تحسين الاقتصاد، فإن الدين تخطى خلال العام الماضي 70% من الناتج المحلي الإجمالي بزيادة 30% عما كان عليه قبل 2011، مما أجبر البنك المركزي التونسي على رفع أسعار الفائدة للمرة الثالثة خلال هذا العام فقط، وسط تحذيرات خبراء من تداعيات ما يحدث على العمال والمؤسسات، لا سيما أن القرار جاء مباشرة بعد إعلان اتفاق الزيادة في الأجور بالقطاع العام، وكأن المركزي حاول إفشال الزيادة والالتفاف عليها.

ولا يبعد الأردن كثيرًا عن هذه المناطق الخطرة، بعدما وصل الدين العام إلى ما يقرب من 95.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ويرى الخبراء أن هناك علاقة قوية بين القفزات المستمرة في الدين العام الأردني والظروف الحاليّة في المنطقة، خاصة بعد الربيع العربي.

شبح الإفلاس.. لماذا يهدد العرب دائمًا؟

قد يستغرب البعض دعاوى الحديث عن الإفلاس في المنطقة، ولكنه يبقى شبح مظلم، يطارد البلدان، إذا فشلت في الوفاء بديونها وتسديد ما حصلت عليه من أموال خارجية، في ظل انتشار الفساد بالهياكل الإدارية لمعظم الدول بالمنطقة، وربما تبقى شعرة معاوية للوقاية من هذا التخوف، بحماية النظام الإقليمي للأنظمة الحاكمة ومساندتها، فإفلاس دولة يستلزم تحطم النظام القائم وانهياره، وتشكيل آخر لا يبدي التزامًا بديون سابقه، أملاً في اتخاذ خطوات كبيرة لإنقاذ الاقتصاد عن طريق المؤسسات الدولية التي تتولى مهمة تقييم الأوضاع الاقتصادية للدولة وإمدادها بتسهيلات ميسرة وقروض، تضع حدًا لمعاناتها.

وتتخوف بعض البلدان العربية المهددة بشبح الديون التي تلتهم أكثر من نصف ميزانيتها، من المصير الذي قد يضرب اليونان في أي لحظة بسبب الديون، فالبلد الأوروبي المهم في منطقة اليورو، ملزم بدفع مصاريف ديونه حتى 2057، مما يضع الغرب في ورطة كبرى، إذا أعلنت إحدى دوله إفلاسها، وما سيترتب على ذلك للسوق الأوروبية وسمعة النظام المالي العالمي الحديث، وهي مخاوف تطارد أيضًا البلدان العربية من تعرض إحدى دولها لخطر الإفلاس، إذا عجزت عن سداد ديونها، وما يخلفه ذلك من تأثيرات على الكرامة العربية والإسلامية، بجانب التحالفات السياسية في المنطقة، وخاصة التي تشكلت منذ نحو 5 سنوات، ليبقى السؤال المفتوح بين قوسين في انتظار الإجابة: أي بلد عربي سيستطيع التغلب على ظروفه الاقتصادية الطاحنة، دون اللجوء لاقتطاع العيش من فم الفقراء وتحميلهم أعباء الفساد والاستبداد بالمنطقة!