تستمر حكومة الإنقاذ السورية المتهمة بتبعيتها لهيئة تحرير الشام بتضييق الخناق على المدنيين المقيمين في المناطق التي تحكمها في محافظة إدلب وريفها وأرياف حلب وحماة، محافظةً بحكمها على ظواهر الأمور دون الرجوع إلى تفاصيل الحياة ومقوماتها التي افتقدها السكان الذين ولت نفسها عليهم، وفي الوقت ذاته أخضعت حكومة الإنقاذ جميع المؤسسات التي تعمل في المنطقة لسلطتها وإشرافها الكامل.

حكومة الإنقاذ متمسكة بقوانين وقرارات تصدرها بين الفينة والأخرى، لتمتص قوت المدنيين الذين شملتهم آلة الحرب على مدى ثمانية سنوات متتالية، متبعة أساليب تقوية لاقتصادها ومردودها المادي عبر آلة الحكم التي أفرزتها لنفسها، ومن خلال ذلك تمكنت من فرض واقعها الإداري دون الرجوع إلى انتخابات وممثلين من أبناء المنطقة، في وقت انشغال الناس بتدبير أمور الحياة والبحث عن سبل الأمن والنجاة.

ولعل من الواجبات التي تقع على عاتق أي حكومة توفير الأمن لتستمد قوتها من الشعب، لكن حكومة الإنقاذ على العكس تمامًا، منشغلةً بقشور الحكم لا ببذوره الأساسية التي تعطيها الأحقية في إدارة المنطقة، ومن نظرة الأحقية في الحكم فيجب على صاحب السلطة توفير الأمن والغذاء والتعليم والدواء وغيرها من الأمور التي يحتاجها السكان لتحصل على أحقيتها في إدارة أي منطقة كانت، لكن في الوقت الحاليّ حكومة الإنقاذ تظهر كشبح بلباس أنيق يخيف المدنيين ويحاولون تجنبها والابتعاد عنها وحتى الهرب منها، ولطالما لم تستطع الحكومة توفير هذه الخدمات فإنها غير مقبولة ومرفوضة لدى الشعوب كافة بشكل قطعي بغض النظر عن الانتخابات البرلمانية التي تحصل في الدول الأخرى التي تنعم بدرجات من الأمن.

فكيف لحكومة تولي نفسها على شعب ما زالت آلة الإجرام تفتك به، وهو بأمس الحاجة لمنزل أو طعام وشراب، فهي بشكل قطعي غير شرعية وليس لديها أحقية، ومراحل تشكيل الحكومة الإدارية للمنطقة يجب أن تحصل على اعتراف داخلي تستمد قوتها منه ثم دولي للحفاظ على رقعة الدولة من الاعتداء الخارجي، ويمكنها ذلك من توفير سبل الأمن والغذاء والتعليم لتحقيق درجات ولو بسيطة تمنحها الوصول إلى الأحقية في الحكم.

فقد أصدرت حكومة الإنقاذ عدة قوانين من شأنها تضييق الخناق على سكان المنطقة أكثر من فكرة تنظيمهم بشكل عملي مؤسساتي لبناء ركيزة الحكومة، هذه القوانين جلها خلفت استياءً لدى المدنيين الذين فقدوا أقل فرص الأمن، خلال الأسابيع القليلة الماضية نتيجة القصف المستمر من قوات النظام ومليشياته، الذي خلف مئات النازحين وعشرات القتلى والمصابين فضلاً عن تضرر جزء كبير من الأبنية السكنية.

على الرغم من الأسباب التي دعت لتشكيلها، لم تستطع الحكومة تقديم ما عليها، حيث اتهمت بتبعيتها لتحرير الشام واعتبرت كذراع ناعم لها في المنطقة، ولم تؤمن الظروف التي تمنحها أحقية الحكم في المنطقة، لهذا اعتبرت كجهة غير رسمية وغير مرغوب بها لدى الكثير من سكان المناطق المحررة في إدلب وأرياف حماة وحلب

الإنقاذ انبثقت عن المؤتمر السوري العام الذي عقد في سبتمبر/أيلول عام 2017، لتكون واجهة سياسية وخدمية بحسب القائمين عليها، حيث تتكون من 11 وزارة وأربع هيئات مركزية، ويعود تشكيل الحكومة بحسب رئيسها السابق محمد الشيخ لسببين: أحدهما سياسي وهو التصدي للمؤامرات التي تحاك لإجهاض الثورة السورية، مثل مؤتمرات أستانة وجنيف وسوتشي، والخدمي لتشكيل مرجعية خدمية مؤسساتية قادرة على تطوير القطاعات الخدمية.

وعلى الرغم من الأسباب التي دعت لتشكيلها، لم تستطع الحكومة تقديم ما عليها، حيث اتهمت بتبعيتها لتحرير الشام واعتبرت كذراع ناعم لها في المنطقة، ولم تؤمن الظروف التي تمنحها أحقية الحكم في المنطقة، لهذا اعتبرت كجهة غير رسمية وغير مرغوب بها لدى الكثير من سكان المناطق المحررة في إدلب وأرياف حماة وحلب.

وسعت حكومة الإنقاذ عبر آليتها العسكرية (هيئة تحرير الشام) إلى بسط السيطرة الكاملة ومنها المعارك التي دارت بينها وبين حركة نور الدين الزنكي غرب حلب، وحركة أحرار الشام وصقور الشام جنوب إدلب، في يناير/تشرين الثاني من العام الحاليّ.

وعبر سيطرتها تمكنت الحكومة من حل جميع المجالس المحلية في المناطق التي دخلتها لأول مرة، وإعادة هيكلتها بطريقتها الخاصة وتوزيع المناصب على أشخاص محسوبين عليها، وكذلك ألغت كل الجامعات مثل جامعة حلب التي تنتشر في أغلب المدن الكبيرة، بعد السيطرة على ممتلكاتها، وإلغاء تبعيتها للحكومة السورية المؤقتة لتكون بذلك تحت وزارة التعليم العالي المنضوية تحت حكومة الإنقاذ وتصبح هذه الفروع تابعة لجامعة إدلب، كما أغلقت الجامعة الدولية للإنقاذ التي تتخذ من مدينة معرة النعمان مركزًا لها، والمؤسسات التي تعود للحكومة السورية المؤقتة التي تتخذ من مدينة إعزاز شمال حلب مقرًا لها.

ويضاف إلى ذلك عملية السيطرة على القضاء ومفرزات الشرطة والأمن وتنصيب شرطة جديدة تابعة لها، وكان آخرها اقتحام هيئة تحرير الشام مركز الشرطة في مدينة قلعة المضيق بريف حماة وطرد عناصره نظرًا لعدم تبعية المركز لوحدات الشرطة التابعة لحكومة الإنقاذ، حيث صادرت محتويات المركز والآليات التابعة له، فيما جلس أفراد الشرطة المدعومة من منظمة أجاكس البريطانية في منازلهم بعد أن تسلمت حكومة الإنقاذ إدارة أمن المنطقة.

وأصدرت حكومة الإنقاذ تعميمًا عبر جامعة إدلب التابعة لها، يقضي باللباس الشرعي للموظفات والطالبات الإناث في الجامعة، وكذلك كل الفروع التي تتبع لها، متناسية الوضع المعيشي والأمني الذي تمر به المنطقة، وجاء في التعميم: "على كل الأخوات والطالبات والموظفات في جامعة إدلب يطلب منكم التقيد التام والالتزام باللباس الشرعي المحتشم".

وتضمن اللباس المحتشم عدة شروط بحسب التعميم منها "أن يكون اللباس فضفاضًا ساترًا لجميع البدن حتى الكعبين وليس عليه زينة ولا يمكنه وصف أعضاء البدن، عدم لبس الحذاء ذي الكعب الطويل، وعدم وضع مساحيق التجميل والمكياج على الوجهين واليدين، وعدم وضع العطور ورفع الشعر بطريقة مخالفة للشرع، ومن يخالف هذه التعليمات تستوجب العقوبة".

أخذ التعميم حالة من السخرية لدى الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي حيث وصف بالتعميم غير المناسب لوقت إصداره وخاصة مع موجة القصف التي تتعرض لها أرياف إدلب الجنوبية، وقال ناشطون إن حكومة الإنقاذ منشغلة باللباس وإصدار القوانين بينما تتعرض عشرات المدن والبلدات التي تقع تحت إدارتها للقصف من قوات النظام، بينما اعتبره موالو الهيئة واجبًا على النساء.

لا يمكن إخفاء التغيير الذي حدث في هيئة تحرير الشام من ناحية مكوناتها وقضاتها ومشايخها، بعد فشلها بمحاولات إظهار الوجه الحسن عبر حكومتها، فهل ستستمر حكومة الإنقاذ في إدارة إدلب؟

أما على الصعيد الخدماتي فقد حققت حكومة الإنقاذ مكاسب عدة خلال فترة وجيزة بعد سيطرتها على المنطقة في إدلب وما حولها، حيث استولت على صوامع الحبوب ودخل المجالس المحلية وغيرها، فيما استمرت بفرض الضرائب والرسوم على آليات المدنيين من سيارات ودراجات نارية، ونص القرار الصادر من دائرة المركبات التابعة لوزارة الإدارة المحلية بفرض رسوم على السيارات السياحية بكل أنواعها وسيارات النقل والجرارات والحافلات والدراجات النارية.

كما أصدرت الإنقاذ قرارًا يفرض على المحال التجارية وبائعي السمك والجزارين والمطاعم والفروج والمعجنات والأفران والأجبان والألبان في إدلب والأرياف المحيطة بها بضرورة إجراء تراخيص جديدة خلال مدة زمنية محددة ومن يتخلف عنها يقع تحت طائلة المساءلة القانونية، ومن شأن الرسوم والضرائب أن ترفع أسعار المنتجات التي يتداولها السكان في المنطقة مما سيسبب أزمة في غلاء الأسعار وكذلك ارتفاع أسعار السيارات والدراجات النارية في المنطقة.

وتسببت قرارات حكومة الإنقاذ بإحداث شرخ كبير بينها وبين الشعب المقيم في المنطقة، حيث أخذت موجة من الاضطرابات تنتشر في الشارع متخوفين من المراحل القادمة التي تسعى إليها الحكومة للتوغل بشكل أقوى من ذلك، ولا يمكن إخفاء التغيير الذي حدث في هيئة تحرير الشام من ناحية مكوناتها وقضاتها ومشايخها، بعد فشلها بمحاولات إظهار الوجه الحسن عبر حكومتها، فهل ستستمر حكومة الإنقاذ في إدارة إدلب؟