شخص يمر عبر أنقاض بنايات مهدمة في حلب في 11 فبراير/ شباط.

ترجمة وتحرير: نون بوست

"كيف يمكن لكم أن تعيشوا معا مجددا قبل أن يتم تحقيق العدالة؟ إن هؤلاء الأشخاص قتلوا عائلتك؟" هكذا تساءلت سوسن، وهي سورية تعمل مهندسة في مجال التخطيط الحضري في العقد الثالث من عمرها، وهي من المشاركات في مشروع القادة السوريين في الشتات.

غرقت القاعة بأكملها في الصمت بعد أن طرحت سوسن هذا السؤال. واتجهت كل الأعين عوضا عنها إلى إيريك، وهو لاعب كرة قدم من راوندا تحول إلى ناشط وكان في الماضي شاهدا على تعرض زملائه إلى مجزرة أمام عينيه. وقد انتظرنا كلنا الكلمات السحرية لتخرج من فمه، حتى نعود مجددا للاتكاء في كراسينا وبين أيدينا مفتاح تحقيق السلام في سوريا.

يواصل نظام الأسد التخلص من كل خصومه وبشكل يوصف بأنه أكثر قسوة من قبل، وذلك من خلال طرق من بينها مرسوم قانون السكن

لكن إجابة إيريك لم تكن شافية بالنسبة للشابة السورية التي تنحدر من بيئة مختلفة، وقد جاءت إلى هذا المكان للتعلم من تجارب نشطاء من مناطق أخرى في العالم دمرتها النزاعات والحروب الأهلية. وسرعان ما تكلمت سوسن مجددا لتقول: "لا يمكنني أن أجلس بجانب أم جندي قتيل وأتفهم أحزانها من أجل الوحدة الوطنية. إن ابنها قتل عائلتي وأجبرني على النزوح خارج البلاد، وقد عشت في حالة من الخوف من عدم قبول طلب اللجوء الذي قدمته، وإجباري على العودة مجددا لملاقاة حتفي. لذلك  قبل أي نوع من المصالحة، أطلب تحقيق العدالة".

عنف ممنهج

كلنا عبرنا عن موافقتنا من هذا الكلام، وربما كانت تلك المرة الأولى التي نجد فيها أرضية مشتركة للاتفاق خلال ورشة العمل. تعتبر العدالة الانتقالية والطرق التي يمكن من خلالها لدولة خرجت من صراع دموي أن تصحح انتهاكات حقوق الإنسان، فكرة هشة تواجه عقبات كبيرة، بما أن الحرب تفسح المجال لأشكال من العنف الممنهج وغير الواضح يمكن للأطراف الدولية تجاهلها بكل سهولة.

يواصل نظام الأسد التخلص من كل خصومه وبشكل يوصف بأنه أكثر قسوة من قبل، وذلك من خلال طرق من بينها مرسوم قانون السكن الذي جعل العديد من السوريين يصبحون بلا مأوى وتحت رحمة الدولة. وخلال العامين الماضيين، حاول المجتمع المدني السوري الدفع نحو تحقيق العدالة الانتقالية، بينما يواصل اللاعبون الدوليون والوسطاء تجاهل هذا الأمر.

يجب على الدول الأخرى النسج على منوال النموذج الألماني عندما يتعلق الأمر بالملاحقة القانونية للمتهمين المنتمين للنظام الحاكم

عشية يوم عيد العشاق في شباط/ فبراير الماضي، لمعت شرارة الأمل من جديد من خلال اعتقال اثنين من الضباط السابقين في المخابرات السورية متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ولكن هذه الخطوة تبقى بداية متأخرة ومحتشمة، لشيء كان يفترض أن يحدث منذ ثمان سنوات.

يمكن اليوم اعتبار أن الأمم المتحدة متأخرة بخمس سنوات عن إصدار تعداد رسمي لعدد ضحايا الحرب السورية. وتشير المنظمة الأممية إلى أنه من الصعب التأكد من أعداد القتلى، كما لو أن هذا يمثل ذريعة للتوقف عن تسجيل البعض من أكبر جرائم النظام في السنوات الأخيرة. لقد ساعد هذا الأمر نظام الأسد على مزيد إحكام قبضته بعد أن قام بتدمير البلاد، دون أي اكتراث لمبادئ العدالة والمحاسبة.

يجب على الدول الأخرى النسج على منوال النموذج الألماني عندما يتعلق الأمر بالملاحقة القانونية للمتهمين المنتمين للنظام الحاكم. ومن جهتها، قامت فرنسا بجهود وأصدرت مذكرات إيقاف ضد بعض المسؤولين السوريين، إلا أن رفعت الأسد الملقب بـ "جزار حماة" ، الذي أشرف في سنة 1982 على مجزرة أدت لمقتل ما يقرب من 40 ألف مدني، لا يزال يعيش إلى حد الآن في فرنسا، وهو يواجه حاليا تهما بالفساد، دون أي إشارة إلى جرائمه الجنائية السابقة.

إعادة بناء البروباغندا

يذكر أن مجموعة من المنتمين لنظام الأسد من أصحاب الرتب الأقل درجة وغير المعروفين، تمكنوا حسب بعض التقارير الإعلامية من الحصول على اللجوء في أوروبا، على الرغم من أن الكثيرين منهم متهمون بالمشاركة في الجرائم الوحشية وعمليات القتل. لذلك يجب بذل جهود لتعقب هؤلاء الرجال وإحضارهم للمثول أمام العدالة.

على الرغم من العقوبات الأوروبية، تحركت حكومات أخرى من بينها اللبنانية في الاتجاه المعاكس، حيث أصدرت مرسوما يمنح الجنسية لعدد من رجال الأعمال السوريين والمسؤولين المرتبطين بنظام الأسد

يبدو من الوهلة الأولى أن المجتمع الدولي يرغب في تبني لهجة حادة ضد أكاذيب الرئيس بشار الأسد، بشأن فترة ما بعد الصراع وإعادة البناء ومحاولته تقديم نفسه على أنه الفائز في الحرب التي دامت ثمان سنوات، ولكن عمليات الاعتقال الأخيرة تأتي بعد أن سلط الاتحاد الأوروبي عقوبات ضد 11 رجل أعمال بارز من سوريا متورطين في مساعدة النظام على إعادة بناء قدراته الدعائية.

سوريون يمرون بجانب صورة للرئيس بشار الأسد في دوما يوم 13 أيار/ مايو

على الرغم من العقوبات الأوروبية، تحركت حكومات أخرى من بينها اللبنانية في الاتجاه المعاكس، حيث أصدرت مرسوما يمنح الجنسية لعدد من رجال الأعمال السوريين والمسؤولين المرتبطين بنظام الأسد. كما استقبلت الإمارات العربية المتحدة وفدا من رجال الأعمال السوريين يقودهم محمد حمشو، وهو شخص مقرب من ماهر الأسد الذي ورد اسمه في قائمة الذين شملتهم عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية منذ سنة 2011.

منذ أن بدأ نظام الأسد الحديث عن مشروع إعادة الإعمار والمطالبة بالمساعدة المالية، أظهرت بقية الأطراف الكثير من التردد وهو سلوك حكيم. ينظر الأسد إلى هذه المرحلة الأخيرة من الصراع، التي يصفها الكثيرون بأنها مرحلة إعادة الإعمار، على أنها فرصة بالنسبة له لإحكام قبضته على السلطة وكسب الشرعية. ولكن إذا سيتم تحقيق العدالة الانتقالية بشكل جدي، فإن المحاسبة يجب أن تمتد لأكبر عدد ممكن من المسؤولين في النظام والمنتمين له.

غياب المحاسبة

خلال قمة سوتشي الأخيرة، اتفقت روسيا وتركيا وإيران على الالتزام بمواصلة العمل المشترك لإنشاء لجنة دستورية تضم عددا متساويا من ممثلي النظام والمعارضة. وهذا لا يؤدي فقط إلى تطبيع وجود نظام الأسد المدعوم من إيران وروسيا المتورطتين أيضا في الجرائم التي وقعت في سوريا، بل يعتبر أيضا فشلا في الالتزام بالعدالة الانتقالية.

بالنسبة المجتمع الدولي، فإنه في ظل غياب معايير المحاسبة انتقل من وضعية الإدانة إلى وضعية القبول بالواقع، حيث يتم ابتلاع دعايات النظام ويتم تغييب حجم جرائمه

يبدو أن نظام الأسد لا يتجاهل بشكل كامل مبدأ العدالة الانتقالية فحسب، خاصة أنه تجاهل العديد من محاولات المجتمع الدولي لتحقيق السلام والانتقال السياسي، بل فشل أيضا في فهم البعد الإنساني الذي تمثله سوسن وكثيرون غيرها من السوريين.

أما بالنسبة المجتمع الدولي، فإنه في ظل غياب معايير المحاسبة انتقل من وضعية الإدانة إلى وضعية القبول بالواقع، حيث يتم ابتلاع دعايات النظام ويتم تغييب حجم جرائمه. وبينما توقفت الأمم المتحدة عن تحديث أعداد القتلى، فإن السوريين لم يتوقفوا إذ أن أكثر من 500 ألف سوري لقوا حتفهم خلال السنوات الثمان الماضية، وغالبية البنية التحتية في البلاد تعرضت للتدمير.

أما إجابة إيريك الروندي عن تساؤلات سوسن فقد كانت بسيطة: "لقد تعلمنا كيف نسامح من أعماق قلبنا"، ولكن ربما السوريون ليسوا مستعدين حاليا للتغاضي عن عقود من القمع. ولن تقبل سوسن بأن تغيب العدالة عن سوريا، وكلنا لن نقبل ذلك.

المصدر: ميدل إيست آي