بعد أشهر طويلة من الجدل واللغط السياسي، حسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ملف حكومته الشائك الذي رافقه الكثير من الخلافات والأزمات، وأعلن ميلاد حكومة جديدة يتوقع الكثير أن تكون سببًا لتعميق الانفصال وإطالة عمر الانقسام الداخلي.

الحكومة الجديدة التي أُعلن في 10 من مارس/آذار ميلادها من قلب مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، سيكون عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد أشتية رئيسها خلفًا للدكتور رامي الحمد الله، وبعد دقائق قليلة من إعلانها انهالت عليها الاتهامات والانتقادات من كل صوب وحدب.

قرار الرئيس عباس بتعيين أشتية رئيسًا للحكومة، جاء وسط التعقيدات المتزايدة في المشهد السياسي الفلسطيني، لتضاف عليه أزمة جديدة حين أعلنت الفصائل وبشكل رسمي عدم تعاملها مع "حكومة أشتية" ولن تعترف بها وعلى رأسهم حركة حماس التي تسيطر فعليًا على قطاع غزة.

يقول النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة: "حركة فتح تتخذ خطوات استباقيه لمرحلة ما بعد محمود عباس، عبر حلها المجلس التشريعي وتشكيل حكومة جديدة"

وأمام هذا المشهد السياسي الضبابي وغير مكتمل الملامح، تُطرح العديد من الأسئلة عن خطوة عباس، ولعل أبرزها: لماذا إعلان الحكومة الجديدة الآن؟ وهل يمكن للحكومة أن تتجاوز لعنة حكومة الحمد الله في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية التي تحيط بها؟ وكيف ستتعامل مع غزة في ظل عدم اعتراف الفصائل بها؟

من سيراقب الحكومة؟

كلف عباس، أشتية بتشكيل الحكومة المقبلة، خلافًا لحكومة الحمد الله التي أعلنت استقالتها، ونقل التليفزيون الرسمي أن عباس طالب أشتية في كتاب التكليف بـ"السعي الحثيث وبكل الوسائل لإعادة غزة إلى حضن الشرعية الوطنية وإجراء الانتخابات التشريعية في غزة والضفة والقدس الشرقية"، على حد تعبيره.

وتعقيبًا على هذه الخطوة، يقول النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة: "حركة فتح تتخذ خطوات استباقية لمرحلة ما بعد محمود عباس، عبر حلها المجلس التشريعي وتشكيل حكومة جديدة"، مضيفًا "فتح حلّت المجلس التشريعي حتى لا يتمكن من خارج إطارها تولي الرئاسة مؤقتًا وتريد رئيس حكومة من لجنتها المركزية حتى لا يستلم أحد الحكومة من خارجها".

وتابع: "محمد أشتية لن يختلف عن رامي الحمد الله لأنهما من مدرسة واحدة وتغيير الحكومة إنما هو تغيير اسم باسم"، موضحًا أن هناك فصيلاً واحدًا يحكم بالضفة الغربية ويتحكم بمقدرات الشعب الفلسطيني ومن غير المعقول ذلك، مطالبًا الفصائل الفلسطينية الكبرى حماس والجهاد الإسلامي والشعبية بوضع "بلوكات" من أجل تحقيق المصالحة الوطنية.

تكليف عباس لأشتية بتشكيل الحكومة

وطالب خريشة حركة فتح بإعادة حساباتها بعد خسارتها في انتخابات نقابة الأطباء بالضفة الغربية لأول مرة في تاريخها، متسائلاً: "فإذا خسرت في هذه الانتخابات، كيف إذا ذهبت لانتخابات تشريعية؟"، كما تساءل خريشة عمن سيراقب الحكومة الجديدة إذا لم يكن هناك مجلس تشريعي؟ وقال: "حتى الفصائل التي ستشارك فيها لا تمثل أحدًا في الشارع الفلسطيني"، داعيًا الوطنيين والحريصين لقول كلمتهم في هذا الشأن، فإذا كان هناك فصيل واحد يتحكم بمقدرات الشعب، أين الآخرين؟

من جهتها، قالت حركة حماس على لسان الناطق باسمها فوزي برهوم: "تشكيل عباس حكومة جديدة دون توافق وطني، سلوك تفرد وإقصاء وهروب من استحقاقات المصالحة وتحقيق الوحدة"، مضيفًا "سلوك التفرد والإقصاء وصفة عملية لفصل الضفة عن قطاع غزة وترسيخ الانقسام".

وأكد برهوم أن الحركة لا تعترف بهذه الحكومة الانفصالية كونها خارج التوافق الوطني، مشددًا على أن المدخل الأمثل لتصحيح الوضع الفلسطيني هو بتشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات عامة شاملة "رئاسية وتشريعية ومجلس وطني".

‎أشتية سياسي واقتصادي فلسطيني، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وعمل وزيرًا للأشغال العامة والإسكان سابقًا ووزيرًا للمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار

الجدير ذكره أنه بعد تكليف عباس لأشتية لتأليف الحكومة فسيمهله - بحسب القانون - ثلاثة أسابيع لتشكيلها، وفي حال تعذر ذلك يُمنح أسبوعين إضافيين لإنهاء ذلك بالتشاور مع الفصائل والقوى الوطنية، وبعد ذلك تُعرَض تشكيلة الحكومة على الرئيس، وفي حال وافق عليها يصدر مرسومًا بتأليف الحكومة.

وأشتية سياسي واقتصادي فلسطيني، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وعمل وزيرًا للأشغال العامة والإسكان سابقًا ووزيرًا للمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار)، ويحمل شهادة الدكتوراه في التنمية الاقتصادية، وعمل أستاذًا وعميدًا في جامعة بيرزيت، وله العديد من المؤلفات الاقتصادية والسياسية، وهو أيضًا عضو مؤسس لصندوق التنمية الفلسطيني ومجلس الإسكان، وعضو وفد منظمة التحرير الفلسطينية إلى مفاوضات مدريد ومباحثات واشنطن والمفاوضات الاقتصادية مع الاحتلال الإسرائيلي، وعضو دائم في اللجنة المؤقتة لتنسيق المساعدات للشعب الفلسطيني والمجموعة الاستشارية للدول المانحة.

أزمات وعقبات في الطريق

وعن الأزمات والعقبات التي تعترض طريق الحكومة الجديدة وكيفية تجاوزها، يقول الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب: "الدور الذي تستطيع أن تقوم به الحكومة الجديدة هو توسيع دائرة الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان ووقف جميع الإجراءات التي اتخذت بحق مؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى استعادة ثقة المواطنين الفلسطينيين بالحكومة والنظام السياسي".

قال الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب: "هذه الحكومة ليس مطلوبًا منها إعادة توحيد مؤسسات السلطة كما كانت الحكومة السابقة، المطلوب منها إجراء الانتخابات التشريعية وتوفير الدعم المعنوي والمادي لأسر الشهداء والجرحى والأسرى وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني"

ويضيف "هناك توقعات محدودة بأن تكون الحكومة الجديدة قادرة على توفير الأجواء لإجراء انتخابات تشريعية لأن حركة حماس وبعض الفصائل الفلسطينية الأخرى كالجبهة الشعبية لن تشارك بانتخابات تشريعية دون رئاسية لأنها ستعتبر ذلك تكريسًا للانقسام".

ويتابع حديثه "على الحكومة الجديدة أن تكون واضحة ومستجيبة للمجتمع الفلسطيني بمعنى أن تطرح خطة يكون المجتمع الفلسطيني شريكًا فيها وأن لا تكون حكومة فوقية"، معتبرًا أن دور أي حكومة يكون محدودًا فيما يتعلق بالمصالحة، فهي تنفذ ما يتم الاتفاق عليه بين الفصائل، إضافة لقرارات القيادة بهذا الخصوص بالتالي هي ليس لها دور سياسي في عملية المصالحة بل دور تنفيذي لاتفاقات المصالحة، مشيرًا إلى أن كل الجوانب السياسية والاقتصادية التي لها علاقة مع سلطة الاحتلال سيكون دور الحكومة فيها محدودًا.

وقال: "هذه الحكومة ليس مطلوبًا منها إعادة توحيد مؤسسات السلطة كما كانت الحكومة السابقة، المطلوب منها إجراء الانتخابات التشريعية وتوفير الدعم المعنوي والمادي لأسر الشهداء والجرحى والأسرى وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، إضافة إلى مواصلة الدفاع عن مدينة القدس".

من شأن خطوة تشكيل الحكومة الجديدة أن تعمّق الانقسام السائد بين حركتي فتح وحماس، الذي لم تفلح في إنهائه أي اتفاقات للمصالحة منذ 2007

وأضاف "في ظل تحديات وظروف صعبة وكبيرة وأزمة سياسية واقتصادية شاملة وفي ظل انقسام مرير أعتقد أن حدود النجاح للحكومة الجديدة محدودة والمؤشرات لا تبشر بأن تكون لها قدرات واسعة في ظل الأزمة الخانقة التي تعيشها السلطة الفلسطينية".

ومن شأن خطوة تشكيل الحكومة الجديدة أن تعمّق الانقسام السائد بين حركتي فتح وحماس، الذي لم تفلح في إنهائه أي اتفاقات للمصالحة منذ 2007، أحدثها اتفاق العام 2017، بسبب نشوب خلافات بشأن قضايا عديدة، منها تمكين الحكومة في غزة، وملف الموظفين الذين عيّنتهم حركة حماس في أثناء حكمها للقطاع.