لطالما جذبت التشابهات الجسدية والنفسية للتوائم المتطابقة اهتمام الباحثين والعلماء، لكنّ التركيز الأكبر عليهم أخذ بالترسّخ والتعزّز أكثر وأكثر على مدى قرنٍ كامل من الزمان، مع إدراك الباحثين للدور الهام الذي يلعبونه في كلٍ من البحوث الصحية والطبية المختلفة، لا سيّما مع زيادة التعقيدات الصحّية في الحياة.

ما يعني أنّنا مدينون بالنهاية للتوائم المتطابقة في معرفتنا للسمات السلوكية والطبية والجسدية للإنسان، ودور جيناته والبيئة المحيطة به في تكوينه وتشكيله وخلق الاختلافات بين الأفراد. فيما تعود محاولات وضع التوائم تحت المجهر العلميّ إلى عام 1875، وذلك بعدما قام عالم النفس الإنجليزي فرانسيس غالتون بدراسة الخصائص التي يتمتع بها الناس عند الولادة والخصائص التي يتلقّونها من ظروف الحياة والتجارب المختلفة، وهي العوامل التي وصفها في ورقته البحثية المنشورة في ذلك العام بعوامل الطبيعة والتنشئة. 

بناءً على دراسته، خلص غالتون إلى أن الطبيعة لها تأثير أكبر من التنشئة على نموّ الأفراد وتكوينهم، لكنه أخذ البحث إلى نتيجة مثيرة للقلق و جادل مرارًا وتكرارًا عن دور الدولة ومؤسساتها في الاهتمام "بالأفضل" وتشجيع تربيته وبقائه، وفي النهاية صاغ مصطلح "تحسين النسل" داعيًا من خلاله إلى التحسين المنظّم للجنس البشري باختيار من سمّاهم بالوالدين المتفوقين ومنع من سمّاهم بالمعوقين من التكاثر.

الطبيعة ضدّ التنشئة: كيف لعب التوائم دورًا هامًّا؟

يدرك الجميع أنّ التوائم المتماثلة أو المتطابقة، والمعروفة أيضًا باسم التوائم أحادية الزيجوت، كانت عبارة عن بويضة واحدة قبل أنْ تنقسم إلى جزأين متماثلين تمامًا، يتشابه كلٌّ منهما في 100% من المادة الوراثية، أيْ أنّ كلّ اثنين من التوائم المتماثلة يشتراك في الحمض النووي نفسه، الذي يتكون من الكروموسومات المسؤولة عن تحديد كلّ شيء عنا، صفاتنا الجسدية وغير الجسدية، سواء في المظهر أو المزاج أو الشخصية.

تعطينا دراسة أزواج من التوائم المتطابقة نظرةً ثاقبة حول كيفية تفاعل البيئة والجينات ودور كلٍّ منهما على الجسم والنفس والسلوك والشخصية وما إلى ذلك

لكن في المقابل، لا يمكننا الجزم بأنّ هذا النوع من التوائم يكون متماثلًا تمامًا، إذ يتعرض كلّ جنينٍ منهما لبعض الاختلافات الطفيفة في بيئة الرحم، فغالبًا ما يستحوذ الواحد منهما على مشيمةٍ خاصة به ينفرد بها عن الآخر. عوضًا عن أنّ العوامل البيئية، بدءًا من مرحلة الولادة المبكّرة، تلعب دورًا كبيرًا وملحوظًا في تشكيل الاختلافات بينهما.

ومن هذه النقطة، فإنّ دراسة أزواج من التوائم المتطابقة تعطينا نظرةً ثاقبة حول كيفية تفاعل البيئة والجينات، ودور كلٍّ منهما على الجسم والنفس والسلوك والشخصية وما إلى ذلك. فعلى سبيل المثال، قد يصاب أحد التوأمين دون الآخر بمرضٍ ما. أو قد يتبنّى أحدهما نمطًا حياتيًّا مختلفًا تمامًا عن الآخر، كأنْ يكون أحدهما مجرمًا أو ديكتاتورًا أو يتّصف بأيّ صفة شخصية أخرى فيما يكون الآخر على نقيضه تمامًا. جميع هذه المعلومات والاختلافات تخبر الباحثين الكثير من المعلومات القيّمة حول عوامل البيئة وأثرها على الأفراد.

في علوم الدماغ والنفس، يُعرف هذا النقاش الكلاسيكي "الطبيعة مقابل التنشئة" أو "الطبيعة ضدّ التنشئة"، وقد ظهر منذ سنوات طويلة دون أنْ يتمّ حسمه بتاتًا. ففي حين يعتقد الكثيرون من العلماء والباحثين أنّ الفرد هو نتاج العوامل والمتغيرات البيئية من حوله، إذ يولد كصفحةٍ بيضاء تعمل عوامل البيئة على ملئها وتلوينها لينتج ما هو عليه في مراحل حياته المختلفة. وفي الجهة المقابلة، يرى آخرون أنّ جينات الفرد الوراثية هي المسؤولة عن حالته العقلية بما في ذلك سلوكياته وعواطفه وأفكاره وشخصيته وهويّته وما إلى ذلك.

توائم متطابقة في بيئات مختلفة

تقوم الدراسات بجمع البيانات والمعلومات من كلٍّ من أزواج التوائم المتطابقة وغير المتطابقة، وأزواج التوائم المتطابقة التي نشأت وترعرت في البيئة نفسها بظروفها المختلفة، وآخرين ممّن اضطروا للانفصال عن توأمهم الآخر لبيئة أخرى مختلفة كليًّا. فعلى سبيل المثال، تروي نانسي سيغال لصحيفة "ذا أتلانتك"، المتخصصة في علم النفس التطوّري والدراسات السلوكية، عن رحلتها العلمية في دراسة التفاعل المعقد للعوامل التي تؤثر على صحتنا وتكوين شخصيّاتنا وهويّاتنا الفردية والمتميّزة.

تلعب التوائم المتطابقة التي عاشت في بيئات غير مشتركة دورًا في دراسة أثر الطبيعة والبيئة على الإنسان وصحته ومرضه

تحكي سيغال كيف أنّ التوائم المتطابقة التي عاشت في بيئات غير مشتركة تشكّل أهمّية كبيرة وخاصة في مجال البحث العلميّ. فهذا النوع من الحالات هو ما يسهّل دراسة أثر العوامل البيئية المختلفة، مثل الأسرة والدين والمجتمع وغير من التجارب غير المشتركة التي تلعب دورًا في تشكيل الشخصية وتؤثّر على السلوكيات والتصرّفات. سيغال نفسها وجدت في الصين بيئة خصبة، نظرًا لأنّ قانون الطفل الواحد الذي سنّ في سبعينات القرن الماضي أدّى إلى تخلّي الكثير من العائلات عن واحدٍ من توائمهم المتطابقة لمؤسسة أو عائلة أخرى، ما يعني أنّ الدولة تحتوي على الكثير منهم ممّن لم يشتركوا في البيئة والتنشئة نفسها.

تساعد دراسة التوائم في العديد من الاضطرابات النفسية والعقلية مثل اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه والفصام واضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب واضطراب القلق العام

وقد ساعدت دراسة جينات التوائم المتطابقة، سواء من الذي عاشوا في بيئة مشتركة أو لم يعيشوا، في التوصّل إلى العديد من الاكتشافات فيما يخصّ الأمراض المختلفة، كالصرع والسرطان والسكّري، والعديد من الاضطرابات النفسية والعقلية مثل اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه والفصام واضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب واضطراب القلق العام، وغيرها الكثير. إضافةً للقدرات المعرفية والعقلية مثل الذاكرة والتعلّم وحلّ المشكلات واتخاذ القرارات.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، فمن جهتها سعت ناسا عام 2016 إلى دراسة تأثيرات الجاذبية المنخفضة على الحالة الجسدية والبدنية للإنسان بعدما أرسلت رائد الفضاء سكوت كيلي إلى محطة الفضاء الدولية ليقضي فيها 340 يومًا متتاليًا، فيما بقي شقيقه التوأم مارك على الأرض، ليخضعا بعد عودة سكوت للعديد من الاختبارات توصّلت الوكالة على إثرها إلى أنّ سكوت قد تعرّض فعليًا لتغييرات على المستوى الجيني. وتعدّ هذه الدراسة أساسية لناسا في التحضير لرحلتها إلى كوكب المرّيخ في الثلاثينات من القرن الجاري، وذلك لتحديد التأثيرات طويلة المدى على روّاد الفضاء والعمل على التخفيف من حدّتها وخطرها. ولعلّ جميع هذه الأبحاث تكون بالفعل بداية اكتشافاتٍ جديدة فيما يتعلّق بالجين البشريّ وكيفية تأثره بالبيئة وتأثيرها عليه.