عاودت النائبة الأمريكية والمرشحة الرئاسية تولسي غابارد الجدل مرة أخرى بتصريحاتها التي رفضت من خلالها وصف رئيس النظام السوري بشار الأسد بـ"مجرم حرب"، بدعوى أنها تحتاج إلى دليل قبل توجيه الاتهامات، وذلك على هامش مقابلة لها مع قناة "سي إن إن" الأمريكية.

غابارد المندرجة من أصول من ساموا وتعد أول هندوسية تنتخب نائبة في الكونغرس، وتعمل ضابطًا برتبة رائد في الحرس الوطني الأمريكي وقضت فترة من الخدمة العسكرية في العراق، باتت محط أنظار الجميع وذلك لما تتبناه من مواقف وسياسات بعضها متناقضة، الأمر الذي دفع إلى تسليط الضوء عليها.

ليست هذه المرة الأولى التي تدافع فيها المرشحة المثيرة للجدل عن الأسد ونظامه كما أنه ليس الوحيد الذي حظي بهذا الدعم، إذ شاطره في ذلك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحكومة الاحتلال الصهيوني، فمن غابارد ذات المزاج السياسي المتقلب الذي أرجحها بين المحافظين واليمين المتطرف؟

قبل 23 شهرًا على الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة في نوفمبر 2020 أعلنت تولسي غابارد البالغة من العمر 37 عامًا عزمها خوض المعركة في مواجهة الرئيس الحاليً دونالد ترامب الذي بات في مرمى انتقاداتها الحادة

أصغر برلمانية في أمريكا

تنتمي غابارد المولودة في الـ12 من أبريل عام 1981 بجزيرة ساموا الأمريكية، لأسرة متعددة الأديان والثقافات، فوالدها الطبيب ذو الأصول الأوروبية، عضو مجلس الشيوخ بولاية هاواي الأمريكية، كان نشطًا في الكنيسة الكاثولوكية، أما والدتها المهندسة فهي من أصل هندوسي وهي التي اختارت لابنتها الهندوسية دينًا لها.

تلقت فترة تعليمها بالمرحلة الثانوية بالمنزل قبل أن تلتحق بأكاديمية تبشيرية خاصة بالفتيات بالفلبين، وتخرجت من جامعة هاواي وحصلت على شهادة في إدارة الأعمال عام 2009، غير أنها دخلت عالم السياسة في سن مبكرة بفضل تشجيع من الوالدين والأقارب الذين كانوا يرون فيها حماسة ونشاطَا كبيرًا.

خاضت عام 2002 حين كانت تبلغ من العمر 21 عامًا أول تجاربها السياسية حين تقدمت للترشح لمجلس النواب بهاواي، وحصلت على 48% من الأصوات، وهو ما أهلها للفوز، لتصبح أصغر مشرعة منتخبة في تاريخ هاواي وأصغر امرأة يتم انتخابها في الولايات المتحدة.

ومن هنا بدأت رحلة غابارد نحو تحقيق طموحها السياسي، حيت ترشحت أكثر من مرة فيما بعد لعضوية الكونغرس وإن لم يحالفها الحظ، وكان ذلك في 2004 و2011، وفازت بنسبة أصوات بلغت 58% في 2012، ليعاد انتخابها مرة أخرى في 2014 و2016 و2018.

وقبل 23 شهرًا على الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة في نوفمبر 2020 أعلنت تولسي غابارد البالغة من العمر 37 عامًا عزمها خوض المعركة في مواجهة الرئيس الحاليّ دونالد ترامب الذي بات في مرمى انتقاداتها الحادة رغم أنها كانت أول شخصية ديمقراطية تلتقيه بعد فوزه بانتخابات الرئاسة عام 2016، حيث قيل آنذاك إنها مرشحة لمنصب في إدارته، لكنه في نهاية المطاف لم يعرض عليها أي منصب، وقد انتقدت بعد ذلك سياساته في مناسبات مختلفة.

كانت غابارد أصغر برلمانية في مجلس النواب الأمريكي

التأرجح بين اليمين واليمين المتطرف

تميزت غابارد في بداية حياتها السياسية بالميل نحو التيار المحافظ بشكل كبير، فحاولت تمرير قوانين ضد الإجهاض والمثلية الجنسية، لكن سرعان ما تحولت إلى التيار الليبرالي منذ عام 2010 تجسد بصورة واضحة في 2017، حين قدمت مشروع قانون لوقف الأموال المقدمة للمنظمات التي تساعد تنظيمي القاعدة وداعش وجبهة فتح الشام، بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي هذا الإطار اتهمت حكومة بلادها بانتهاك القانون ودعم بعض التنظيمات الإرهابية بالمال والسلاح والمعلومات الاستخباراتية، كما عارضت تدخل أمريكا في الدول الأخرى بدعوى محاربة الإرهاب، وانتقدت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لرفضه القول بأن المتطرفين الإسلاميين يشنون حربًا ضد الولايات المتحدة.

وُصفت غابارد بأنها "الديمقراطية المفضلة لدى بشار الأسد"، في إشارة إلى لقائها به عام 2017

العديد من سهام النقد وجهت لها بسبب تأرجح مواقفها بين الديمقراطيين والجمهوريين وهو ما تكشفه توجهاتها وحجم التباين والتناقض بينها أحيانًا، إلا أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية وعلى رأسها مجلة "ديلي بيست" الأمريكية حسمت هذا الجدل بصورة واضحة، معتبرةً أنّ "آراءها السياسية تميل إلى اليمين المتطرف في بعض الأحيان".

المجلة في تقرير لها استعرضت أبرز محطاتها كاشفة أن نجم الضابطة التي خدمت في العراق عام 2005 برز حين تولت منصب نائب رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية، قبل تقديم استقالتها لتأييد السيناتور بيرني ساندرز خلال الانتخابات الرئاسية في العام 2016.

صديقة الأسد

جددت غابارد دعمها للمرة الثانية لرئيس النظام السوري بشار الأسد، وذلك خلال رفضها وصفه بـ"مجرم حرب" وذلك خلال لقاء متلفز لها قبل أيام، وقد سبق أن انتقدت قرار ترامب قصف الجيش السوري، بعد استخدامه لأسلحة كيميائية ضد المدنيين في خان شيخون، زاعمة أنه قصير النظر وطائش ولا يبالي بالعواقب الوخيمة.

وفي ردها على سؤال مذيعة "سي إن إن" بأن وزارة الدفاع الأمريكية والأمم المتحدة أكدا أن الأسد استخدم السلاح الكيميائي ضد شعبه "ألا تثقين في حكومتك؟"، أجابت بتجديد مطالبتها بالحصول على أدلة والتَّحقق أكثر قبل اتخاذ أي قرار، لترد عليها المذيعة بأن سوريين رفعوا دعوى ضد نظام الأسد، لارتكابه جرائم حرب ضدهم، ثم خاطبتها قائلة: "لقد قابلتِ بشار الأسد قبل عامين، هل تعتقدين أنه مجرم حرب؟" لتردّ غابارد: "يجب جمع الأدلة، وكما قلت سابقًا إن كانت هناك أدلة فسيُحاكم بناء عليها".

الكاتبة بيلر ميلندز في تقريرها على "ديلي بيست" وصفت غابارد بأنها "الديمقراطية المفضلة لدى بشار الأسد"، في إشارة إلى لقائها بالأسد عام 2017، كاشفة أنها تعد من أبرز المنتقدين لـ"تغيير الأنظمة"، لا سيما في سوريا، إذ إنها ترى أن على الحكومة الأمريكية أن تقوم بدلاً من ذلك بالتعاون مع الديكتاتوريين ورعاتهم في المنطقة، من أجل محاربة الإرهاب بشكل أكثر فاعلية.

التقرير أوضح أن التوجهات السياسية لهذه النائبة الطموحة لا تتسق تمامًا مع توجهات أي من الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وأنها تميل أحيانًا إلى أقصى اليمين وهو ما يعزز فرضية اتهامها بالانتقال من المحافظين إلى اليمين المتطرف كما تم ذكره.

داعمة للسيسي

في نوفمبر 2015 التقت الشقراء الأمريكية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في واشنطن، لمناقشة تهديد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والمنظمات الإرهابية، كما بحثا طرق إعادة الاستقرار لمصر وكيفية دعم أمريكا للنظام المصري.

غابارد وفي بيان لها عقب لقائها بالسيسي قالت إنه أظهر "شجاعة وقيادة عظيمة في تولي أمور البلاد ومحاربة التطرف"، وأكدت دعمها له في محاربة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وهو الأمر الذي لاقى ترحيبًا داخل الأوساط المصرية وبعض الأوساط الأمريكية حسبما أشارت ميلندز.

كانت غابارد من أكثر المعارضين لدعم بلادها للسعودية في حربها في اليمن، فضلاً عن رفضها لصفقات السلاح المقدمة للمملكة

يذكر أن المرشحة الأمريكية كانت قد خدمت في العراق والكويت، حيث شاركت في حرب العراق رغم أنها كانت من أشد المعارضين لها، وتطوعت للعمل بخدمة الحرس الوطني في العراق عام 2004 في منطقة الدعم اللوجستي أناكوندا، لمدة 12 شهرًا، وشاركت في إسعاف المصابين من الجنود الأمريكيين، حيث عملت في وحدة طبية ميدانية وبسبب انتقالها للعراق، اضطرت للتخلي عن العمل كنائبة بمجلس النواب بهاواي، وهي خبرة غذت آراءها في السياسة الخارجية المتعلقة بعدم التدخل في الدول الأخرى.

عارضت كذلك الغزو العسكري لقوات الناتو لليبيا في 2011، كما رفضت التدخل الأمريكي في فنزويلا، وقالت خلال تغريدة لها: "يجب على الولايات المتحدة أن تبقى خارج فنزويلا، دعوا الشعب الفنزويلي يقرر مستقبله، نحن لا نريد أن تختار الدول الأخرى قادتنا لذا علينا التوقف عن محاولة اختيارهم".

حليفة لـ"إسرائيل"

علاقة جيدة تجمع غابارد باليمينيين المتطرفين المؤيدين لـ"إسرائيل" والمرتبطين بالحزب الجمهوري، ففي عام 2015 ألقت خطابًا في مؤتمر لمنظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" التي تعارض بشدة قيام دولة فلسطينية وتدعم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، أعلنت فيها دعمها الكامل لتل أبيب.

وفي عام 2016 حصلت على جائزة من الحاخام شمولي بوتيتش الذي تربطه علاقات وثيقة بالملياردير شيلدون أندلسون (أكبر ممول للحزب الجمهوري)، إلا أنها في الآونة الأخيرة انتاب موقفها الداعم للكيان الصهيوني بعض الفتور، حيث أعربت في 2017 عن دعمها لفكرة حل الدولتين، وانتقدت العام الماضي عنف القوات الإسرائيلية ضد مسيرات العودة الفلسطينية.

إلا أنها في المجمل تعد واحدة من أكثر الداعمين للكيان المحتل، موقف أرجعه البعض إلى مغازلتها للوبي الصهيوني في أمريكا أملاً في حصولها على دعمه ومباركته له في الانتخابات الرئاسية 2020.

تعمل غابارد ضابطًا في سلاح الحرس الوطني الأمريكي

مناهضة للسياسات السعودية

كانت غابارد من أكثر المعارضين لدعم بلادها للسعودية في حربها في اليمن، فضلاً عن رفضها لصفقات السلاح المقدمة للمملكة، وفي تصريحات لها قالت: "المملكة تواصل إنفاق مليارات الدولارات لتمويل نشر الفكر السلفي الوهابي الذي يغذي جماعات مثل داعش والقاعدة، والجماعات الجهادية الأخرى في جميع أنحاء العالم".

كما استنكرت أسلوب إدارة الرئيس دونالد ترامب لجريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقي في قنصلية بلاده بإسطنبول أكتوبر الماضي، حيث غردت منددة بموقف رئيس بلادها قائلة: "أن تكون (عاهرة) السعودية ليس في ذلك تحقيق لشعار أمريكا أولاً"، كما انتقدت "تبعية" ترامب للسعودية وإخفاقه في تحقيق سياسة "أمريكا أولاً" وانسحابه من الاتفاق النووي الإيراني.