ترجمة وتحرير: نون بوست

ليست الحرب الأهلية غريبة عن الجزائر، إذ تعيش هذه البلاد مجددا موجة جديدة من الاضطرابات السياسية الهامة. وقد تنامت الاحتجاجات الشعبية الغاضبة في البلاد التي تعبّر عن سخط المواطنين واستيائهم من هياكل النظام، التي ساعدت الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على البقاء في السلطة رغم تجاوزه العقد الثامن من العمر، وإصابته بسكتة دماغية سنة 2013.

مثّل إعلان عبد العزيز بوتفليقة عن ترشحه للسباق الانتخابي القادم لفترة رئاسية خامسة الشرارة الأولى للاحتجاجات في 22 شباط/ فبراير الماضي. وقد أعلن الرئيس الجزائري عن رغبته في خوض الانتخابات، التي كان من المزمع إجراؤها يوم 18 نيسان/ أبريل، على الرغم من أنه لا يزال حبيس كرسيّه المتحرّك وعاجزا عن الكلام.

لكن يوم 11 آذار/ مارس الجاري، سحب الرئيس الجزائري ترشّحه من الانتخابات الرئاسية، التي وقع تأجيلها إلى أن يحدد المؤتمر الوطني موعدًا جديدًا لها. ومن الواضح أن هذا القرار يهدف إلى نزع فتيل التوترات الحالية وامتصاص غضب الشعب. وإلى حين الكشف عن تفاصيل جديدة حول هذا الموضوع، من الصعب معرفة ما إذا كان بوتفليقة سينجح في هذه المهمة أم لا.

 اجتاحت مظاهرات مماثلة البلاد خلال سنتي 2011 و2012،  لكن بوتفليقة - الذي كان آنذاك في حالة صحية أفضل - نجح في التخفيف من مشاعر الغضب من خلال تمديد الدعم الحكومي للمواد الغذائية ورفع حالة الطوارئ التي استمرت لمدة 19 سنة

في الواقع، لا تتمحور هذه الاحتجاجات الشعبية حول تنحي الرئيس العاجز والعليل من منصبه فحسب، وإنما على عزل العصابة القوية التي تسانده أيضا. وهذا يعني أن مجرّد انسحاب بوتفليقة من السباق الانتخابي لن يضع حدا لمشاعر الاستياء والسخط إزاء العصابة الحاكمة.

لا تعتبر مثل هذه الاحتجاجات الشعبية أمرا مستجدا في الجزائر، إذ اجتاحت مظاهرات مماثلة البلاد خلال سنتي 2011 و2012،  لكن بوتفليقة - الذي كان آنذاك في حالة صحية أفضل - نجح في التخفيف من مشاعر الغضب من خلال تمديد الدعم الحكومي للمواد الغذائية ورفع حالة الطوارئ التي استمرت لمدة 19 سنة. ومع ذلك، فشلت هذه الإجراءات المؤقتة في معالجة القضايا العميقة والمتفشية التي أدت إلى اندلاع هذه الاضطرابات. وهذه المرة، من المحتمل أن يحدث تغيير كبير في الجزائر، ولكن السؤال المطروح هنا هو كيف سيتم ذلك؟

حتى الآن، تكتسي المظاهرات طابعا سلميا على الرغم من إصرار الشعب الشديد على التعبير عن رفضه للنظام القائم. وفي ظلّ غياب حل سريع وغير عنيف، من المرجح أن تؤدي هذه الاحتجاجات إلى فرض تحديات أمنية عميقة؛ وذلك لا يتعلّق بالاضطرابات والحملات الأمنية فحسب، بل يمكن أن ينتج عن حالة انعدام الاستقرار توفير أرضية ملائمة للجهاديين في الجزائر من شأنها أن تساعدهم على إعادة توحيد صفوفهم والتوسع.

خطر المسلّحين في الجزائر

لطالما مثّلت الجماعات الإسلامية المتشددة في الجزائر خطرا محتملا منذ قيام الجيش بانقلاب إثر فوز حزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الانتخابات في كانون الأول/ ديسمبر سنة 1991. وفي أعقاب هذا الانقلاب، حدثت مواجهات مسلحة بين الإسلاميين والجيش الجزائري نتج عنها اندلاع حرب أهلية دموية استمرت إلى حدود سنة 2002، والتي أدّت إلى مقتل ما يزيد عن 150 ألف شخص وفقا لما صرّح به بوتفليقة سنة 2005.

في الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، انضمت "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" رسميًا إلى تنظيم القاعدة وأطلقت على نفسها اسم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"

إثر انتخابه سنة 1999، تمكّن بوتفليقة من إقناع المعارضة الإسلامية بالعودة إلى المشهد السياسي بعد إصدار عفو عن أعضائها. مع ذلك، استمرت الفصائل الإسلامية التي تعتبر أكثر تطرفًا، على غرار "الجماعة الإسلامية المسلحة" والجماعة التي خلفتها فيما بعد التي باتت تُعرف باسم "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، في معارضتها المسلحة. وبعد أن تلقّت الدعم من تنظيم القاعدة، أعلنت جماعات المعارضة الإسلامية، من قبيل "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" عن ولائها للجماعة الجهادية العابرة للدول سنة 2003.

في الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، انضمت "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" رسميًا إلى تنظيم القاعدة وأطلقت على نفسها اسم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". بعد ذلك، شنّ متمرّدو التنظيم هجمات انتحارية ضد قوات الأمن بما في ذلك هجمات على مركزين للشرطة سنة 2006 وتفجيرًا انتحاريًا مزدوجا في الجزائر العاصمة في نيسان/ أبريل سنة 2007.

لقد أدّت هذه التفجيرات الانتحارية والهجمات الإرهابية المُدمرة إلى قلب الرأي العام الجزائري ضدّ التنظيم، كما جعل الحكومة تشنّ حملة واسعة ضد مقاتلي القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتلقي القبض على مئات المسلّحين. وعلى الرغم من أن قوات تنظيم القاعدة لا تزال متمركزة في شمال البلاد، لا سيما في الجبال الواقعة شرق العاصمة الجزائر، بيد أنها لا تمثّل في الوقت الراهن تهديدا كبيرًا جرّاء الضغوط الشديدة التي تمارسها قوات الأمن الجزائرية.

سعت قوات الأمن الجزائرية جاهدة لتشديد المراقبة على فرع تنظيم الدولة في الجزائر "جند الخلافة في أرض الجزائر"

تمتعت فروع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" المنتشرة في المناطق الجنوبية الشاسعة من البلاد بمساحة أكبر للمناورة على امتداد العقد الماضي. لكن الهجوم الإرهابي الذي شنّه مسلحون إسلاميون في كانون الثاني/ يناير 2013 على منشأة الغاز الطبيعي في تيقنتورين الواقعة بالقرب من عين أمناس في جنوب شرق البلاد، دفع قوات الأمن إلى تكثيف جهودها في المنطقة. وقد أجبر ذلك فروع التنظيم على غرار "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" على تحويل مركز اهتمامها جنوبًا نحو الساحل، بما في ذلك شمال مالي.

سعت قوات الأمن الجزائرية جاهدة لتشديد المراقبة على فرع تنظيم الدولة في الجزائر "جند الخلافة في أرض الجزائر". وفي الحقيقة، لا يتمتع هذا الفرع بقوة ونفوذ مماثليْن لما يتمتع به تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومع ذلك، يعتبر مفتاح احتواء الجهاديين الجزائريين في بذل قوات الأمن الجزائرية وحلفائها الأوروبيين والأميركيين جهودًا مكثّفة ومستمرة.

في حال أجبرت الاضطرابات الجزائرية الأجهزة الأمنية على الحدّ من جهود التصدي للإرهاب، من المرجّح أن يعيش الجهاديون انتعاشة. وفي نهاية المطاف، قدّم بوتفليقة نفسه على أنه الرجل الذي قام بترويض التهديد الجهادي مما دفع مؤيديه إلى الإصرار على أن يظلّ في السلطة، خشية أن يفتح انعدام الاستقرار في البلاد الطريق أمام عودة المتشددين الإسلاميين. ولكن يمكن للجهود الرامية إلى إبقاء الرئيس في السلطة، خاصة إذا ما تواصلت هذه الجهود واستخدمت السلطات العنف لقمع المظاهرات، أن تزيد من التهديد الجهادي الذي يدعي مؤيدو بوتفليقة أنهم يتجنبون حدوثه.

تحويل التركيز

على الرغم من صعوبة عقد مقارنة مباشرة بين الوضع الحالي في الجزائر والأحداث التي وقعت في كل من مصر وليبيا وتونس منذ الربيع العربي سنة 2011، إلا هذه الدول الثلاث تحيطنا ببعض العِبَر الهامة.

إثر سقوط القذافي، اندلعت داخل الدولة الليبية حرب أهلية مما أتاح الفرصة أمام انبثاق مجموعة متنوعة من الميليشيات الإسلامية والجهادية

شنّت الحكومة الليبيّة صراعا طويلا ضد التمرد الجهادي، مثلما فعلت الجزائر. ومن خلال استخدام مبدأ العصا والجزرة، تمكنت حكومة معمر القذافي من إخضاع الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، مما أجبر الجهاديين الليبيين على السفر إلى خارج البلاد نحو دول مثل العراق وسوريا لمواصلة معركتهم. لكن بمجرد أن فقد القذافي سيطرته على البلاد، عاد العديد من هؤلاء الجهاديين إلى ليبيا، حيث اكتسبوا نفوذا أكبر في شرق البلاد، خاصة في درنة وبنغازي.

إثر سقوط القذافي، اندلعت داخل الدولة الليبية حرب أهلية مما أتاح الفرصة أمام انبثاق مجموعة متنوعة من الميليشيات الإسلامية والجهادية. وبالتالي، أصبحت ولاية تنظيم الدولة في مدينة سرت أقوى تمثيل للجماعة خارج سوريا والعراق، فضلا عن كونها الفرع الأكثر ارتباطًا بنواة التنظيم.

قبل سنة 2011، شنّ الجهاديون المصريون سلسلة من الهجمات الدراماتيكية ضد أهداف سياحية ليس لها أهمية في شبه جزيرة سيناء، ونتيجة لذلك، لم تكسبهم هذه العمليات أي نفوذ. لكن هذا الوضع تغيّر مع احتجاجات ميدان التحرير، التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك، وجعلت اهتمام قوات الأمن صوب تأمين القاهرة. وبعد مرور سنتين، أطاح الجيش بالرئيس محمد مرسي، الذي كان على صلة وثيقة بالإخوان المسلمين، ومن ثمّ عمد إلى تفريق الاحتجاجات التي تبعت ذلك بواسطة القوة.

لقد ساعدت هذه الأحداث الجهاديين في سيناء على تقوية صفوفهم ودفعت العديد من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين نحو التطرف، لأنه خاب أملهم في بروز التغيير الديمقراطي فاعتمدوا العنف كوسيلة وحيدة لإحداث التغيير الحقيقي. ونتيجة لما سبق، شهدت مصر انفجار النشاط الجهادي. وفي أعقاب الانقلاب المصري سنة 2013، تشكلت مجموعات مثل "أنصار بيت المقدس" و"أجناد مصر" تلتها حركة "حسم"، وكذلك "أنصار الإسلام" و"جند الإسلام".

تعد كل من ليبيا ومصر أكثر الأمثلة تطرفًا، حيث انهارت الأولى بينما تواجه الثانية أزمة سياسية مطوّلة

في ظل هذه الظروف، ساهم المجندون الجدد والمساحة الواسعة المخصصة للعمليات والتدفق المستمر للأسلحة القادمة من ليبيا، التي مزقتها الحرب، في تعزيز قوة المتمردين في سيناء الذين التحقوا بتنظيم الدولة ليكوّنوا لاحقا تنظيم "ولاية سيناء"، وهو واحد من أقوى فروع التنظيم. وقد أمضى الجيش المصري سنوات في محاولة تقويض نفوذ "ولاية سيناء". واليوم، لم يعد بإمكانه السيطرة على شبه الجزيرة التي لا تزال مع ذلك تشكل تهديدًا خطيرًا ومستمرًا ومتعدد الأوجه في كامل مصر.

تعد كل من ليبيا ومصر أكثر الأمثلة تطرفًا، حيث انهارت الأولى بينما تواجه الثانية أزمة سياسية مطوّلة. وعلى النقيض من ذلك، لم تشهد تونس أي أزمة سياسية أو أمنية حادة مشابهة لما حلّ بجاراتها في أعقاب الربيع العربي، إلا أن الإسلاميين وجدوا مساحة إضافية لتعزيز نشاطهم، حيث ساعدت الديمقراطية حزب حركة النهضة الإسلامي في الفوز في الانتخابات.

في أيلول/ سبتمبر سنة 2012، اقتحمت مجموعة من السلفيين السفارة الأمريكية في تونس مما تسبب في أضرار جسيمة لمأوى السيارات في السفارة ومداهمة المدرسة الأمريكية المجاورة. ويتمثل الحدث الأخطر من ذلك في أن الجهاديين شنوا هجومًا على متحف باردو وسط العاصمة تونس في آذار/ مارس سنة 2015، ما أسفر عن مقتل 23 شخصًا كان معظمهم من السياح الأوروبيين. وبعد مرور ثلاثة أشهر من ذلك، هاجم رجل مسلح شاطئًا سياحيًا في مدينة سوسة ما تسبب في مقتل 37 شخصًا من بينهم سائحون بريطانيون وألمان وبلجيكيون.

تعلّم العبر من الماضي

تمثّل هذه الأمثلة السابقة سببًا كافيًا يدفع الشركات والمؤسسات التي تملك مصالح في الجزائر لإيلاء مزيد من الاهتمام للاضطرابات السياسية الحالية، نظرا لتصريح تنظيم القاعدة بأنه تعلّم من خطواته الخاطئة السابقة خلال الربيع العربي. وهذه المرة، أصدر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالفعل بيانًا بعنوان "الجزائر والخروج من النفق المظلم"، مشيرًا إلى استعداده لمواجهة الاضطرابات وسعيه للاستفادة من الوضع.

في خضم انسحاب بوتفليقة المحتمل من السباق الانتخابي وتأجيل موعد الانتخابات، يزيد غياب خليفة مؤهل ومقبول من طرف المتظاهرين من احتمال تبلور انتقال سياسي فوضوي، وهو ما سيتطلب من الزعيم القادم عدة سنوات لتوحيد السلطة. وفي ظل غياب الاستقرار في الأفق، سيُتاح للجماعات السياسية والجماعات المتشددة على حد سواء التمتع بنفوذ أكبر مما كانت تتمتّع به منذ سنوات.

المصدر: ستراتفور