ترجمة حفصة جودة

ما زالت الشائعات منتشرة بشأن الشقاق بين الملك سلمان وابنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رغم أنه لا أساس لها من الصحة، ومنسوبة لمصدر غير معروف، فقد نشرت صحيفة الغارديان مؤخرًا مقالًا تقول فيه إن الملك ذي الـ83 عامًا استنكر الخطوة التي اتخذها الأمير - في أثناء وجود الملك في قمة بمدينة شرم الشيخ المصرية - بتعيين الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان سفيرة في واشنطن، خلفًا لأخيه الأمير خالد بن سلمان الذي أصبح نائبًا لوزير الدفاع، كما أنهم أشاروا إلى عدم استقبال الأمير لوالده في المطار عقب عودته من قمة فبراير، وأنها دليل على تزايد الخلافات.

الملك في كل شيء عدا الاسم

تم تعيين الأمير محمد نائبًا للملك في حال سفره إلى الخارج كما هو معتاد في مثل تلك الظروف، وفي أثناء وجود الملك سلمان في مصر، أشار مقال الغارديان إلى أن حاشية الملك شعرت بالقلق من وجود تهديد محتمل لسلطته، حيث تم إرسال فريق أمني جديد مكون من 30 شخصًا ليحل محل الفريق الحاليّ، لذا هل يخشى الملك انقلاب ابنه عليه، وإعلان نفسه ملكًا جديد في أثناء سفر الملك إلى الخارج؟

من الغباء أن نعتقد ذلك فهو أمر غير محتمل، فالأمير محمد بن سلمان ليس بحاجة إلى إقالة والده، فهو الملك بالفعل في كل شيء عدا الاسم، كما أنه استجلب بالفعل عداء الكثير من الفصائل الملكية وسيكون مترددًا في القيام بأي عمل خطير يتسبب في المشاكل.

نظرًا لتقدم عمر الملك فسوف يظهر فراغ كبير في حال اختفاء ابن سلمان

خلع الملك سيعزز من سمعة ابن سلمان كالمدمر الأخير للترابط الملكي، وسيتم تذكيره بهذا العمل الخائن حتى آخر عمره، لكن بغض النظر عن ذلك فهو ليس مضطرًا للقيام بذلك، فتقدم والده في العمر وثقته غير المحدودة به تسمح له بأن يتصرف كأنه الحاكم الفعلي للبلاد.

الأمر الأكثر إثارة هو حقيقة أن الملك سلمان لم يعين نائبًا لولي العهد، لذا إذا حدث أي شيء لابن سلمان فلن يكون هناك نائب للسعودية، ونظرًا لتقدم عمر الملك - فقد كان متماسكًا بالكاد في أثناء قراءة خطاب قصير في شرم الشيخ - فسوف يظهر فراغ كبير في حال اختفاء ابن سلمان.

محميّ من النقد

ما زالت التقارير بشأن تزايد الخلافات غامضة، وهي تعزز فقط قبضة ابن سلمان على السلطة، ما زالت الشؤون الملكية السعودية أمر غاية في السرية لذا يتم انتظار ظهور أي تسريبات أو شائعات بفارغ الصبر، خاصة مع وجود فجوة في فهم العامة لكيفية اتخاذ القرارات داخل العائلة الحاكمة، ومن مصلحة ابن سلمان أن تنتشر تلك الشائعات في الصحافة الغربية، فولي العهد يستفيد من المظلة التي يوفرها له والده لحمايته من الانتقادات المتزايدة داخل البلاد وخارجها.

متظاهرون ضد جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول

باستطاعة الأمير الشاب أن يغير رأيه في أي قضية سياسية - سواء خصخصة أرامكو أو إلغاء الدعم عن الوقود - عند ظهور أي نتائج سلبية، ثم يقوم الملك بعدها بإظهار رفضه لقرارات ابنه الطائشة، فيحصل سلمان على الفضل كما لو أن مقاليد الحكم ما زالت بيده بينما لا يفقد ابن سلمان ماء وجهه.

إذا كان للملك سلمان أي تحفظات على تعامل ابنه مع شؤون المملكة، خاصة في جريمة القتل البشعة للصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول أكتوبر الماضي، كان ليتصرف على الفور، لكنه بدلاً من ذلك خرج في جولة بالمملكة مع ولده إلى جانبه، ليرسل رسالة قوية مفادها أنه ما زال يحصل على الدعم الكامل في البلاط الملكي.

لم يتطرق الملك إلى الأكاذيب المحيطة بمقتل خاشقجي بداية من الإنكار الأولي للجريمة وحتى الفريق الذي أرسلوه للتخلص من الجثة، وأصر الملك سلمان فقط على إجراء تحقيق سعودي مثلما أصر ولده تمامًا.

يدعم الملك ابنه بشكل كامل وكان شريكًا في حمايته من تحقيق جاد ومستقل في الجريمة، وربما يعتقد الملك أن ابن سلمان قد بالغ في تصرفه، لكن مستقبل العرش أكثر أهمية من الحقيقة.

إعادة رسم السياسة الخارجية

فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية الكبرى فإن الملك سلمان كان لديه رد فعل قوي بشأن نقل السفارة الأمريكية للقدس، بينما تتجه السعودية نحو التطبيع بشكل أكبر مع "إسرائيل"، ومن وقت لآخر كان الملك يشير إلى قضية القدس الشائكة، بينما يجري ابنه تعاونًا اقتصاديًا وعسكريًا كبيرًا كاملًا مع "إسرائيل".

كان واضحًا للغاية توجه الرياض لإستراتيجية مغازلة "إسرائيل" لمواجهة إيران

في الصيف الماضي قال الملك سلمان للمسؤولين في أمريكا إن خطة السلام يجب أن تتضمن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، لكن كان واضحًا أن ابن سلمان لم يكن منزعجًا من ذلك، ونشر فريقه الصحفي الجديد التأييد الإيجابي للتعاون الكبير بين المملكة و"إسرائيل".

ساهمت تحفظات الملك في أن تظهر كأنها معارضة، ليتم استرضاء أي معارضة عامة محتملة، رغم أنه كان واضحًا للغاية توجه الرياض لإستراتيجية مغازلة "إسرائيل" لمواجهة إيران.

رغم انتشار شائعات الشقاق بين الأب وابنه، فإن أي مراقب جاد للشؤون الداخلية السعودية يجب أن يكون حذرًا في تصديق شائعات لا أساس لها من الصحة، وبينما يأمل العديد من المراقبين في أن يقوم الملك يومًا ما بعزل ابن سلمان، فإنه أمر غير وارد في الواقع.

يجب أن تعلم الحكومات الغربية كيف تتعامل مع ولي العهد الآن - قبل أن يصبح ملكًا - بدلًا من انتظار إقالة والده له، ويتضمن ذلك إعادة رسم السياسات الخارجية والتفكير بشكل جديد في المملكة العربية السعودية تحت حكم ابن سلمان.

أما الحكومات الغربية التي ستستمر مصالحها المالية والاقتصادية في المملكة سواء بوجود ابن سلمان أو دونه، فيجب عليها أن تفكر جيدًا في علاقتها بالرياض حتى لا تسمح لابن سلمان وأمثاله بالفرار بجريمتهم.

المصدر: ميدل إيست آي