ما يزيد على ثلاثة أعوام انقضت منذ تابع العالم عبر الشاشات وعلى مدار ١٨ يوما ثورة الشباب المصري من أجل الحرية، استبشر العالم أن عهد الديكتاتورية ومصادرة الحريات قد ولى من غير رجعه، وتفاءلنا نحن الصحفيين العرب بأن عهدا جديدا سينفتح أمام الإعلام العربي في مصر، وأن عقود الوصاية الرسمية على الاعلام واستخدامه سلاحا للتضليل والتزييف قد انتهت، وللأسف ندرك اليوم أن ذلك التفاؤل كان مستعجلا، بل لا نتردد في القول بأن حال الإعلام في مصر قد انحدر الى مستويات لم يصلها من قبل في تاريخه، وهو اليوم يوظف بشكل مبتذل لتبرير العسف وتزييف الواقع، من دون مراعاة ولو شكلية لبعض الملامح المهنية، كثيرون آثروا رهبا وطمعا اللحاق بركب سلطة العسكر، أما أولئك الصحفيين ممن عفت أقلامهم وشفاههم عن أن تشترى، فكان جزاؤهم الترهيب والتخوين وفي أحيان كثيرة السجن والتعذيب.

صنفت لجنة حماية الصحفيين مصر على أنها ثالث أخطر دولة عالميا في ممارسة مهنة الصحافة،
لقد أغلقت محطات تلفزة، وهوجمت مكاتب لقنوات أجنبية، وقتل سبعة صحفيين واعتقل أكثر من ٢٠ صحفيا، منهم أربعة أجانب،

ولا يزال عدد منهم يحاكمون أمام القضاء بتهم تتراوح بين نشر معلومات كاذبة والتعاون مع منظمة إرهابية، والمقصود بالمنظمة الإرهابية هنا جماعة الاخوان المسلمين، والتعاون المقصود يتراوح بين اجراء مقابلات صحفية مع بعض المنتسبين للجماعة أو تغطية احتجاجاتهم وأنشطتهم في مقاومة الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي في الثاني من يوليو ٢٠١٣. 

محمد بدر صحفي مصري، عمل مصورا لقناة الجزيرة، وكان ممن غطوا بشجاعة ومهنية وقائع الربيع العربي في مصر وليبيا، اعتقل محمد لدى السلطات المصرية من دون تهمة رسمية ولا إجراءات قضائية، ومكث في السجن أكثر من ٢٠٠ يوم، خرج بعدها ليروي ما مر به شخصيا وما شاهده في السجون المصرية المكتظة بآلاف المعتقلين: تعذيب جسدي فظيع، شبح للمعتقلين لفترات طويلة، إهانات نفسية بالغة، وظروف اعتقال بالغة الوحشية، ومن الملفت أنه شخصيا كان يتعرض لجلسات تعذيب منتظمة كان آخرها بعد قرار الإفراج عنه، وأن الضباط وأفراد الشرطة كانوا يتهمونه بالخيانة والتآمر على الوطن، على اعتبار أنه يعمل لحساب مؤسسة إعلامية لا تروق للسلطات الحاكمة.

حال محمد ليس استثناء، فما زال زميله مراسل قناة الجزيرة عبد الله الشامي يقبع في ظروف اعتقال قاسية ومن دون إجراءات قانونية منذ أغسطس ٢٠١٣، ويفيد شقيق عبد الله أنه قد فقد٣٠ كغم من وزنه، بسبب الإضراب عن الطعام الذي أعلنه منذ ما يزيد على٨٥ يوما. 

عرفت عبد الله الشامي عندما كنت مديرا عاما لشبكة الجزيرة، عندها كان مراسلا للجزيرة في نيجيريا، وأعجبني فيه شجاعته الصحفية والتزامه المهني، ولعل ذلك ما أغاظ السلطات المصرية، فهو يدفع اليوم ثمن شجاعته في تغطيته اعتصام رابعة وما انتهى اليه من مذبحة أليمة.

ثلاثة أخرون من كادر الجزيرة الإنجليزية يقبعون في السجن ( بيتر جريتس محمد فهمي وبدر محمد)، منذ ٢٩ ديسمبر الماضي، ولتبرير اعتقالهم بعد الحملة العالمية للمطالبة بإطلاق سراحهم #FreeAJStaff قدم الإدعاء ضدهم أدلة مضحكة تشمل (حيازة) مواد فلمية لمقابلات وتغطيات معتادة تدل على أنهم كانوا يزاولون عملهم الصحفي بتوازن واقتدار، وعلى الرغم من هشاشة الأدلة إلا أن المحكمة لا تزال ترفض إطلاق سراحهم بكفالة.

اعتقال الصحفيين ومحاكمتهم ليس شيئا نادرا ولا جديدا في العالم العربي، لكن المؤسف أن يتم ذلك بعد ثورة أطاحت بنظم قمعية تسلطية، قادها فتية اكتشفوا القوة الكامنة في تعبيرهم عن معاناتهم وعن آمالهم مستخدمين أحدث وسائل البث وشبكات التواصل الاجتماعي.

ولكن من الواضح أن هناك عنصرا مشتركا بين كل الديكتاتوريات، أنها لا تتعلم.

لقد حاول النظام العربي الرسمي احتكار الاعلام منذ عقود طويلة، وتضاعفت جهوده في محاصرة الاعلام الحر منذ منتصف التسعينيات بعد انطلاق قنوات عابرة للحدود تبث عبر الأقمار الصناعية مثل الجزيرة، وبذل أقصى الجهد من خلال هيمنتة على الاعلام المحلي في شراء ذمم الصحفيين أما من أبت عليه كرامته واعتصم بالاستقامة، فكان عرضة للسجن والاعتقال وحملات التشويه والابتزاز والاتهام بالعمالة، ومن الطريف أن السلطات المصرية تعود اليوم إلى نفس النهج والاتهامات والمصطلحات التي استخدمتها النظم البائدة ضد الاعلام الحر: التآمر ضد الدولة، نشر معلومات كاذبة، ولعل أكثرها بؤسا اتهام الصحفيين بالعمالة لقوى أجنبية.

لا زلت أذكر كيف بادرني الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي في لقاء لي معه عام ٢٠٠٥ في خيمته على أطراف مدينة سرت باتهام الجزيرة بأنها مشروع صهيوني أسسته إسرائيل لتمزيق العالم العربي، وهي التهمة التي سمعتها من وزير إعلام مصري في عهد مبارك، وبالطبع كانت هذه التهمة تحديدا هي المفضلة لدى الأنظمة العربية ضد الجزيرة آنذاك في محاولة لصرف أنظار الجمهور العربي عن القناة، ومن الطريف أن ذلك كان يتم بالتوازي مع اتهام جورج بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد للجزيرة بالتعاون مع منظمات إرهابية في أفغانستان والعراق، لا شيء تغير سوى في منطق السلطات المصرية اليوم، إلا الزمن.

قمع الأنظمة العربية لحرية الكلمة أفشله الزمن، فقد حملت مستجدات ثورة التواصل من فضائيات عابرة للحدود وشبكات إنترنت ومواقع تواصل اجتماعي حملت فرصة مناسبة لمساحة تعبير حر بعيد عن هيمنة الدولة، مساحة استخدمها الجمهور بكفاءة وذكاء، ووظفها في نضاله من أجل الديمقراطية، ووجدنا أن أكثر الأنظمة عتوا في محاربة الكلمة الحرة كان أكثرها هشاشة في مواجهة الشباب الثائر، فكانت تونس- التي أذكر جيدا أنها كانت الدولة العربية الوحيدة التي لم تسمح مطلقا لقناة الجزيرة بالعمل على أراضيها- أول الدول التي تواجه غضب الشارع، تلتها مصر فليبيا ثم سوريا، مما يدفعني للقول أن حجب الحقائق والتوظيف الفظ والرخيص للإعلام في خدمة الاستبداد كان من عوامل الثورة ومسبباتها.

واليوم يعيد نظام العسكر في مصر ذات التجربة، وسيواجه ذات الفشل. تزدحم شاشات التلفزة وصفحات الجرائد الموالية للعسكر بأفدح الجرائم الصحفية، اختلاق تام للأحداث، قلب للحقائق، شحنٌ رخيص للمجتمع ضد بعضه البعض، تحريض على القتل، إشادة بالعنف الممارس ضد المعارضين، كل ذلك يتم على مدار الساعة في ماراثون إعلامي بائس ينتمي لعصور الظلام، ولكن السلطات ومن يتزلفها لا تدرك أنها بممارساتها هذه ستسرع من انهيارها، فالسنوات الثلاث الماضية غيّرت كثيرا في الواقع العربي، لقد انكسر حاجز الخوف، وتنوعت وسائل التعبير، ونشأ لدينا جيل جديد من الناشطين الإلكترونيين، ومن المواطنين الصحفيين، جيل يتسم بالصحافة والذكاء، صحيح أن الاعلام التقليدي المسيّر رسميا نجح في التشويش والخداع والشحن الفاشي المجنون وشيطنة المعارضين، ولكن أثر ذلك محدود ولفترات قصيرة، فبوصلة الشارع تبقى صحيحة وان اضطربت لبعض الوقت، والإعلام الذي يزيف الحقيقة يدمر أول ما يدمر ذاته، ويثير نقمة الجمهور عليه وعلى من يسيره، أما نشهده اليوم من انتكاس للمسار الديمقراطي والحريات الإعلامية فهو مؤقت، لأنه مخالف لحركة المجتمعات ومسار الزمن، انتكاسة عابرة لن توقف أشواق الجماهير للحرية والعدالة والعيش الكريم، مشروع بائس يقترح على الناس الرضى بالهوان ويخيفهم من التشبث بالأمل، والأمل هو الشيء الوحيد الباقي الذي لن تفرط فيه الجماهير.