كما كان منتظرًا، شهدت الجزائر في الجمعة الرابعة للحراك الشعبي التي كان عنوانها "لا لتمديد العهدة الرابعة" للرئيس عبد العزيز بوتفليقة مسيرات غير مسبوقة في محافظات البلاد الـ48، وذلك وسط ترقب لما سيكون عليه رد السلطة المدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى للاستجابة لصوت الشارع المطالب بتغيير جذري للنظام وبناء جمهورية جديدة لا مكان فيها للرئيس الذي تشبث بالكرسي طيلة 20 عامًا.

ومنذ الساعات الأولى لنهار الجمعة، بدأت ساحة البريد المركزي في العاصمة الجزائر تستقبل آلاف الجزائريين الذين تحولوا إلى مئات الآلاف بعد صلاة الجمعة، وكانت غايتهم واحدة وهي الرفض التام للقرارات التي اتخذها الرئيس بوتفليقة الإثنين الماضي، وتضمنت تأجيل الرئاسيات وتمديد ولايته الحاليّة دون العودة إلى أي سند دستوري.

سلمية

بعد أكثر من 20 يومًا من انطلاق الحراك الشعبي في 22 من فبراير الماضي، نجح الجزائريون في الحفاظ على نظافة نضالهم، فرغم خروج الملايين الذين وصل عددهم حسب ناشطين إلى قرابة 18 مليونًا، جرت المسيرات في جميع الولايات في أجواء هادئة دون عنف وتخريب، ما عدا بعض الحالات المعزولة.

ورغم استمرار المسيرات حتى قبيل صلاة المغرب، فإن الصورة الوحيدة التي رسمت في مختلف ساحات وشوارع وميادين البلاد كانت التوافق بين قوات الشرطة والجزائريين، فهتافات "الشعب والشرطة خاوة خاوة (إخوة)" كانت حاضرة في كل مكان في جو حماسي جعل شرطيين في ولايتي بجاية وسطيف شرقي البلاد لا يتمكنان من مقاومة ضخامة وحماسة اللحظات التي يصنعها إخوانهم المدنيين، ويقرران المشاركة في المسيرات الرافضة لقرار تمديد الولاية الرابعة ليوتفليقة.

إن المناطق القريبة من قصر الرئاسة في المرادية أعالي العاصمة تعرف دومًا بعض أعمال التخريب التي يتبرأ المشاركون في المسيرات منها، مثلما حدث أول أمس بشارع كريم بلقاسم في تيلملي

ورغم توقف خدمات القطار ومترو الأنفاق فإن المشاركين بالمسيرات في عاصمة البلاد فضلوا العودة إلى منازلهم في هدوء دون احتجاج على هذا القرار الذي اتخذته السلطة.

وككل جمعة، وبعد انتهاء المسيرات يخرج الشباب إلى الشوارع لتنظيفها من مخلفات يوم الحراك الذي يشهد دائمَا تقديم العائلات وجبات وقارورات مياه للمشاركين في الاحتجاج، خاصة أن بعضهم يأتون من أحياء بعيدة عن وسط العاصمة التي تكون دومًا مكان الالتقاء، وفي نهاية المسيرة ترسم لوحة تحية المواطنين للشرطة الذين حرصوا على تأمينهم رغم ضخامة عدد المشاركين، وسط زغاريد النسوة وأهازيج منشدي الأغاني الوطنية.

ورغم ذلك، فإن المناطق القريبة من قصر الرئاسة في المرادية أعالي العاصمة تعرف دومًا بعض أعمال التخريب التي يتبرأ المشاركون في المسيرات منها، مثلما حدث أول أمس بشارع كريم بلقاسم في تيلملي.

وأعلنت الشرطة مساء الجمعة توقيفها 75 شخصًا مع نهاية المظاهرات التي شهدتها الجزائر العاصمة، وجاء في بيان للمديرية العامة للأمن الوطني أنها "سجلت نهاية يوم الجمعة توقيف 75 شخصًا خلال عمليات حفظ النظام ببعض أحياء الجزائر العاصمة على إثر أحداث عنف وسرقة وتحطيم سيارات وتخريب لممتلكات عامة وخاصة"، وسجل البيان أيضًا خلال هذه العملية إصابة 11 شرطيًا بجروح خفيفة، تم التكفل بهم بالمصالح الطبية للأمن الوطني. 

وتزيد سلمية مسيرات الجزائريين من ورطة السلطة التي يبدو أنها ما زالت متأخرة في الرد على حراك الشارع المطالب بتغييرات جذرية حقيقية، وليس بردود فعل ظرفية لا تقدم ولا تؤخر، خاصة بعد سقوط تحذيرات إمكانية جنوح المسيرات نحو العنف.

ترقب

خلت مسيرات أمس من المشاركة السياسية البارزة التي كانت تشهدها في الجمعات الفارطة، واقتصرت على نزول شخصيات وطنية معروفة مثل المجاهد لخضر بورقعة وزهرة ظريف بيطاط والمعارض كريم طابو ورئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور ورئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله، وسط غياب كلي للمحسوبين على السلطة خاصة من حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي الحاكم الذين غابوا عن الأنظار وتخلوا عن دعمهم لبوتفليقة، خاصة أن الحكومة المرتقبة يفترض أنها لن تضم الشخصيات المتحزبة والوجوه القديمة.

وفي ظل رفض الحراك الشعبي حتى لشخص بدوي ونائبه رمطان لعمامرة في قيادة الحكومة التي ستعمل على تنظيم انتخابات رئاسية وعقد ندوة الحوار الوطني، تتحاشى عدة شخصيات، خاصة تلك التي تطمح بأن يكون لها دور في المشهد السياسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية

ويجد الوزير الأول الجديد نور الدين بدوي نفسه في ورطة لا يحسد عليها كونه مطالبًا بالإعلان عن الحكومة الجديدة هذا الأسبوع بهدف امتصاص بعض غضب الشارع المتصاعد يوميًا، إلا أنه يواجه في الوقت ذاته صعوبة في اختيار الطاقم الذي سيعمل معه، بالنظر إلى أنه سيبحث عن وجوه مستقلة لا تنتمي إلى معسكر السلطة من أحزاب وتنظيمات مدنية، وهو ما يزيد من عسر إمكانية إقناعه لشخصيات تقنوقراطية للانضمام إلى حكومته.

وفي ظل رفض الحراك الشعبي حتى لشخص بدوي ونائبه رمطان لعمامرة في قيادة الحكومة التي ستعمل على تنظيم انتخابات رئاسية وعقد ندوة الحوار الوطني، تتحاشى عدة شخصيات، خاصة تلك التي تطمح بأن يكون لها دور في المشهد السياسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، المشاركة في حكومة بدوي حتى لا تصنف لاحقًا على أنها من تركة النظام البائد التي لا يُقبل أن يكون لها مكان في الجمهورية الجديدة التي يتمناها الجزائريون.

رفض 

حملت مسيرات الجمعة رسالة واضحة وصريحة للعواصم الغربية أن الجزائريين يرفضون أي تدخل أجنبي في شؤونهم الداخلية، متهمين بالخصوص فرنسا بدعمها لنظام الرئيس بوتفليقة.

وتضمنت العديد من الشعارات التي حملها الجزائريون انتقادات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أيد في وقت سابق القرارات التي اتخذها بوتفليقة، وحمل الشباب لافتات جاء فيها "يا ماكرون زيتنا في دقيقنا ما عندك ما دخلك في بلادنا" و"ماكرون فكر جيدًا، 7 ملايين جزائري (الجالية الجزائرية في فرنسا) يسكنون عندك"، وجاء في شعار آخر أسلوب تهديد بقطع الغاز عن باريس بقوله "يا ماكرون حضر الحطب فقد انتهى الغاز".

الرفض الجزائري لكل ما هو أجنبي بسبب حساسيتهم المفرطة للتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، حيث يعتبرون أي محاولة تأتي من خارج الحدود بمثابة احتلال جديد

وحسب الدبلوماسي ووزير الاتصال السابق عبد العزيز رحابي، فإن تصريحات ماكرون جعلت السلطة تسعى لتوظيف الموقف الفرنسي لصالحها، وقال رحابي في منشور على صفحته على فيسبوك "الموقف الفرنسي يعطي شعورًا قويًا أنه منحاز إلى بوتفليقة، بما يناقض مبدأ عدم التدخل في شؤون الغير، خاصة في تقييمهم للقرارات الأخيرة لرئيس الجمهورية"، وأضاف أن حراك الشعب "مطلب ديمقراطي وشأن داخلي تحكمه إرادة جزائرية، وأفضل خدمة يقدمها الخارج هو الامتناع عن اتخاذ أي موقف تجاه الحراك السياسي الداخلي".

وبيّن رحابي أنه "بحكم حقيقة العلاقات الدولية، هناك تأثر وتأثير متبادل بين الدول، ومن الطبيعي أن الدول المجاورة لها جغرافيًا أو تاريخيًا، تطرح بعض التساؤلات عن تداعيات الأزمة الجزائرية، ولكن يبقى المشكل داخليًا جزائريًا محضًا".

ويأتي هذا الرفض الجزائري لكل ما هو أجنبي بسبب حساسيتهم المفرطة للتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، حيث يعتبرون أي محاولة تأتي من خارج الحدود بمثابة احتلال جديد ولو كان في ثوب مختلف، وهو أمر طبيعي لشعب عاش 132 سنة تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، لذلك وجب على ماكرون الصمت لما يتعلق الموضوع بالجزائر لكي لا تعيش بلاده ما عاشته أيام الثورة التونسية لما اتهمت باريس بدعم نظام زين العابدين بن علي.