تضاعف الاستثمارات القطرية المباشرة في عمان

رب ضارة نافعة.. تنطبق هذه العبارة بشكل كبير على العلاقات القطرية العمانية التي ترسخت بصورة كبيرة في المجالات كافة على رأسها الاقتصادية في أعقاب الأزمة الخليجية يونيو/حزيران 2017، التي على إثرها فرضت السعودية والإمارات والبحرين إلى جانب مصر حصارها على الشعب القطري.

وطوال الـ22 شهرًا الماضية نجحت الدوحة في فتح نوافذ جديدة لها بعدما كانت محصورة في إطارها الضيق الذي كان يعتمد في كثير من جوانبه على جيرانها لا سيما السعودية والإمارات اللتين صدرتا للسوق القطرية في السابق نحو ثلثي احتياجاتها من المواد الغذائية، فبدأت في بناء شبكة علاقات تجارية واقتصادية متشعبة، تجاوزت محطيها الخليجي إلى آفاق أبعد، شملت أقاصي آسيا وصحاري إفريقيا وغابات أمريكا اللاتينية.

وكان لسلطنة عمان نصيب الأسد في هذا الانفتاح القطري، حيث ترسخت العلاقات الاقتصادية بين البلدين وتوسعت آفاقها بصورة غير مسبوقة، وهو ما تترجمه الأرقام والإحصاءات الخاصة بحجم التبادل التجاري بين الجارتين الذي زاد ما يقرب الضعفين خلال تلك الفترة القصيرة لتتصدر المنتجات العمانية قائمة المنتجات الأكثر حضورًا على أرفف المتاجر القطرية.

بديل لدول الحصار

الهزة القوية التي تعرض لها القطريون في أعقاب فرض الحصار الخانق من جيرانهم دفعهم إلى بناء شراكات مستدامة مع أطراف أخرى تنأى بنفسها عن الولوج في مستنقع الخلط بين السياسة والاقتصاد، خاصة بعدما أغلقت السعودية الميناء البري الوحيد لقطر وأوقفت بجانب الدول الثلاثة الأخرى كل العلاقات التجارية بصورة مفاجئة.

وأمام هذه الحالة كان لا بد من البحث عن حلول سريعة في محاولة لطمأنة الشارع القطري في الوقت الذي تعزف فيه الآلة الإعلامية لدول الحصار على أوتار التشكيك في قدرة الدوحة على الصمود في مواجهة هذا التحدي، وعليه وجدت قطر ضالتها في سلطنة عمان، الجارة التي أبت أن تستدرج إلى ما كان يطلبه الآخرون.

سجل التبادل التجاري بين قطر وعمان قفزة كبيرة في السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من ملياري ريال خلال العام 2016، إلى 3.8 مليار ريال في 2017، قبل أن يصل إلى أكثر من 6.8 مليار ريال خلال العام الماضي، مسجلاً نموًا بنسبة 240% في عامين

امتلاك عمان للموارد الطبيعية والمنتجات الغذائية فضلاً عن حيازتها لشبكة علاقات لوجستية كان دافعًا قويًا لتعزيز أوجه التعاون بينها وبين الدوحة، الأمر الذي عجل من وتيرة التقارب بين الجارتين، وما هي إلا أيام قليلة حتى حلت كثير من المنتجات العمانية مكان نظيراتها السعودية والإماراتية على رفوف المجمعات التجارية المنتشرة في الدوحة، وفي مقابل ذلك تدفقت استثمارات قطرية جديدة نحو سوق السلطنة.

وتجسيدًا للحرص المتبادل للارتقاء بعلاقات التعاون إلى أسمى درجات التكامل الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، اختارت قطر العاصمة العمانية مسقط لإقامة فعاليات معرض "صنع في قطر 2018" في عامه الثاني، بمشاركة نحو 240 شركة صناعية قطرية.

ويضم المعرض خمسة قطاعات صناعية تغطي مختلف المصانع والشركات العاملة في دولة قطر، حيث تشارك 71 شركة تمثل صناعات متنوعة، و21 شركة في قطاع صناعة الأثاث والمفروشات، و19 شركة في قطاع الصناعات البتروكيماوية، و59 شركة في قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى 44 شركة في قطاع الصناعات الغذائية والمشروبات، بالإضافة إلى جناح الصناعات اليدوية.

إقامة معرض "صنع في قطر" في مسقط

240% زيادة في حجم التعاون خلال عامين

سجل التبادل التجاري بين قطر وعمان قفزة كبيرة في السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من ملياري ريال خلال العام 2016، إلى 3.8 مليار ريال في 2017، قبل أن يصل إلى أكثر من 6.8 مليار ريال خلال العام الماضي، مسجلاً نموًا بنسبة 240% في عامين، حسبما قال رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني.

آل ثاني كشف على هامش اجتماع بين غرفة قطر ووفد تجاري عماني، أن عدد الشركات القطرية العمانية المشتركة التي تعمل في السوق القطرية وصلت الى أكثر من 350 شركة تعمل في قطاعات متنوعة من بينها الخدمات والطاقة والصناعة وغيرها، بينما تتوزع معظم الاستثمارات القطرية في السلطنة على حصص وتحالفات وشراكات في أكثر من 200 شركة عُمانية، في قطاعات مختلفة.

سجلت الاستثمارات القطرية المباشرة في السلطنة في نهاية عام 2017 قفزة كبيرة لم تصلها في أي وقت مضى، حيث بلغت قيمة تلك الاستثمارات نحو 1.1 مليار دولار، وذلك ارتفاعًا من نحو 216 مليون دولار في عام 2016

كما أشار أن سلطنة عُمان احتلت صدارة الدول المستقبلة للصادرات القطرية غير النفطية خلال العام الماضي وفقًا لشهادات المنشأ التي تصدرها الغرفة، مؤكدًا حرص الغرفة على تعزيز التعاون التجاري بين القطاع الخاص في البلدين.

فيما أكد رئيس الوفد العُماني محسن البلوشي، أن العلاقات التي تربط بلاده وقطر علاقات استثنائية ومتطورة، موضحًا أن الهدف من الزيارة هو تطوير العلاقات مع الجانب القطري وتبادل الأفكار والرؤى بين مراكز وشركات تنظيم المعارض والمؤتمرات، والاستفادة من خبرات الجانبين والترويج للمعارض التي تنظم في البلدين، مشيدًا بالتطور الذي حققته قطر في مجال صناعة المعارض، مؤكدًا أن "قطر أصبحت رائدة في صناعة المعارض والمؤتمرات".

من جانبه استعرض محمد بن طوار الكواري النائب الأول لرئيس غرفة قطر المراحل التي مر بها التعاون بين الطرفين في الفترة الأخيرة، حيث زار وفد يضم أكثر من 120 رجل أعمال قطري السلطنة خلال الأشهر الأولى من الحصار، وهي الزيارة التي كان لها دور كبير في تعزيز العلاقات بين الشركات في البلدين وحققت نجاحًا منقطع النظير وشهدت توقيع الكثير من اتفاقيات التعاون والصفقات التجارية المهمة.

لقاءات مكثفة بين ممثلي الدولتين لتعزيز التعاون خلال العامين الأخيرين

طفرة في الاستثمارات

تجسد صور التلاحم الاقتصادي بين البلدين في عدة صور، فبجانب التبادل التجاري شهد مناخ الاستثمارات المتبادلة تطورًا ملحوظًا أثرى من حجم الشراكة بين الجارتين، حيث سجلت الاستثمارات القطرية المباشرة في السلطنة في نهاية عام 2017 قفزة كبيرة لم تصلها في أي وقت مضى، حيث بلغت قيمة تلك الاستثمارات نحو 1.1 مليار دولار، وذلك ارتفاعًا من نحو 216 مليون دولار عام 2016.

كما تتوزع معظم الاستثمارات القطرية على حصص وتحالفات وشراكات في أكثر من 200 شركة عُمانية، وذلك بنسب متفاوتة تصل إلى 100% في بعض الشركات في قطاعات الصحة والمال والكهرباء والمياه، وتتراوح بين 35% إلى 93% في شركات أخرى بقطاعات التجارة والإنشاءات والخدمات والعقارات والصناعة والنقل والتعدين.

في ديسمبر الماضي أعلنت شركة حصاد الحكومية القطرية حيازتها ما نسبته 20% من مشروع استثماري في القطاع السمكي بعُمان ويحمل اسم الشركة العالمية للإنتاج البحري، وبات لديها استثمارات قائمة في السلطنة تقدر بنحو 138 مليون دولار، تهدف إلى "تحقيق الأمن الغذائي في كلا البلدين الخليجيين" حسبما قال الرئيس التنفيذي للشركة محمد بن بدر السادة.

خلال الأشهر التسع الأولى فقط من 2018 تعامل ميناء حمد مع نحو 1.1 مليون حاوية نمطية، حيث نقلت تلك الحاويات على متن أكثر من أربعة آلاف سفينة تجارية

وفي محاولة للاستغناء رويدًا رويدًا عن دبي ومينائها "جبل علي" الذي كانت تعتمد عليه لتنفيذ الكثير من الشحنات التجارية البحرية الكبرى، سارعت قطر إلى تدشين خط بحري مباشر يربط بين ميناء حمد من جهة وميناءي صلالة وصحار العمانيين من جهة ثانية، الأمر الذي عمق من وضعتيها اللوجستية وأجهض مخطط الحصار المزعوم.

ولضمان تحقيق الأمن الغذائي في دولة قطر أنشئت مناطق لوجستية قرب ميناء حمد، وقدمت الجهة الخاصة الأكبر في هذا القطاع - وهي الشركة القطرية للمخازن - الدعم اللوجستي الأساسي للمستوردين منذ بدء الحصار، الأمر الذي أسهم في تقليص تكلفة السلع الواصلة للدوحة من السوق العمانية وسواها.

يذكر أنه خلال الأشهر التسع الأولى فقط من 2018 تعامل ميناء حمد مع نحو 1.1 مليون حاوية نمطية، حيث نقلت تلك الحاويات على متن أكثر من أربعة آلاف سفينة تجارية، وهو ما جعل الاستغناء عن دبي وموانئها والمنفذ البري مع المملكة أمرًا عاديًا، ولعل هذا ما يفسر اطمئنان القطريين لمسار المفاوضات بشأن حلحلة الأزمة، فطول أمدها لم يعد يمثل خطرًا على الشعب كما كان يروج البعض بداية الأزمة، وإن كان هذا لا ينكر سعي الدوحة للتوصل إلى اتفاق بشأن تقريب وجهات النظر لكن على أسس من احترام السيادة واستقلالية القرار.