استيقظ الرأي العام التركي في 3 من مارس/آذار 2009 على جريمة قتل طالبة الثانوية منوار كارابولوت على يد صديقها جيم غريب أوغلو الذي ألقي القبض عليه بعد 197 يومًا من الهروب، لتبدأ بعدها رحلة محاكمة انتهت بحكم على الجاني بالسجن 24 عامًا، لينتحر لاحقًا شنقًا.

نالت الجريمة اهتمام الرأي العام التركي، واضطر مدير الأمن في مدينة إسطنبول (الأمنيات) جلال الدين جراح للاستقالة من منصبه بعد أن تلكأت  فرق الأمن في إلقاء القبض على غريب أوغلو، سلطت حيثيات القضية وتفاصيلها المرعبة الضوء على العنف ضد المرأة في المجتمع التركي، وتأسست بعد هذه الجريمة مبادرة "سوف نوقف جرائم قتل النساء" عام 2010، وازداد نشاط المبادرة وظهورها في الميدان العام بعد جريمة قتل الطالبة الجامعية أوزجان أصلان في مدينة مرسين.

شكل تأسيس المبادرة إضافة نوعية إلى العمل التوثيقي لجرائم قتل المرأة في تركيا، وتصدر المبادرة تقارير شهرية وسنوية بهذه الجرائم، ورغم التقدم الكبير الذي أحرزته المرأة في المجتمع التركي خلال السنوات الأخيرة، ما زال الكثير أمامها، ففي التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2018 بشأن المساواة بين الجنسين، احتلت تركيا المرتبة الـ130 من أصل 149 دولة. 

2019.. البداية غير مبشرة

بدأت المرأة التركية الشهر الأول من عام 2019 بـ43 جريمة قتل، بارتفاع ملحوظ عن يناير 2018، حين قتلت 28 امرأة، وجاءت مدينة أضنة في صدارة المدن التركية التي قتلت فيها نساء تركيات في الشهر الأول من عام 2019 إذ قتل فيها 4 نساء، تلتها إسطنبول بواقع 3 جرائم قتل، فيما جاءت مدن الغرب التركي في المرتبة الأولى على مستوى مناطق الجمهورية، إذ قتلت فيها 12 امرأة.

لم يتم التثبت من 49% من الفاعلين، فيما ارتكب الأزواج 23% من الجرائم، وقام الرجال المنفصلون عن النساء بارتكاب 10% من الجرائم، وجاء الأقارب بنسبة 6%، والأب والأخ بنسبة 3%

لم يتم التثبت من 40% من القتلة، فيما شكل الأزواج 21% من مرتكبي الجرائم، تلاهم الأولاد الذكور بنسبة 12%، ثم الأقرباء بنسبة 9%، ثم الرجال المقربين بنسبة 7% وأخيرًا الآباء بنسبة 4%.

وجاء شهر فبراير/شباط لعام 2019 أقل من العام الماضي الذي بلغت عدد جرائم القتل فيه 47 جريمة، فيما قُتلت في فبراير/شباط 2019، 31 امرأة، احتلت مدينتا أنطاكيا وإسطنبول المرتبة الأولى بواقع 5 جرائم لكل منهما، فيما جاءت العاصمة أنقرة في المرتبة الثانية بـ3 جرائم قتل، وبدورها احتلت مدن جنوب شرق تركيا المرتبة الأولى بواقع 11 جريمة قتل.

لم يتم التثبت من 49% من الفاعلين، فيما ارتكب الأزواج 23% من الجرائم، وقام الرجال المنفصلون عن النساء بارتكاب 10% من الجرائم، وجاء الأقارب بنسبة 6%، والأب والأخ بنسبة 3%. 

2018.. السنة الأعنف منذ عقد

شكل عام 2018 العام الأسوأ على المرأة التركية، حيث بلغ عدد جرائم القتل المرتكبة بحقهن 440 جريمة، 206 في النصف الأول و234 في النصف الثاني، وتعد سنة 2018 الأعلى منذ عقد من الزمن، حيث بلغت في العام 2008، 80 جريمة قتل، فيما جاء عام 2017 بـ409 جرائم قتل، وقتل خلال العشر سنوات الماضية ما يقرب من 2700 امرأة. 

السنة.. عدد جرائم القتل 

2008.. 80   2009.. 109   2010.. 180   2011.. 121  2012.. 210  2013.. 237  

2014.. 294  2015.. 303  2016.. 328  2017.. 409  2018.. 440

عدد جرائم القتل خلال عقد من الزمن 2008-2018

وجاءت إسطنبول على رأس المدن التي حصلت فيها جرائم القتل للعام 2019 بواقع 64 امرأة، فيما جاءت أنطاليا في المرتبة الثانية بـ24 جريمة، تلتها بورصة بـ23 جريمة، وإزمير بـ19 جريمة، وأضنة بـ15 جريمة، وأخيرًا غازي عنتاب بـ13 جريمة فمدينة قونيا بـ12 جريمة، فيما توزعت باقي الجرائم على المدن التركية المختلفة، ويلاحظ أن النسبة الأكبر من الجرائم تتركز في المدن التركية الكبرى مثل مدينة إسطنبول وإزمير، فيما تتراجع نسبة الجرائم في مدن أكثر من محافظة مثل مدن الجنوب الشرقي. 

العائلة التركية في الصدارة

وفقًا للأرقام والإحصاءات الصادرة عن ماهية الجناة عام 2018، لم يتم التثبت من 37% من الجناة، في حين شكل الأزواج 27% منهم، جاء بعد ذلك الأقرباء الذين شكلوا ما نسبته 13%، في حين شكل الذكور من معارف الضحية ما نسبته 5%، وجاء الرجل المنفصل عن المرأة والابن في نسبة واحدة 4% من الجناة، وجاء بعد ذلك زوج الإمام ( زواج بواسطة شيخ، يتم خارج المنظومة القانونية وعادة ما يلجأ إليه عند التعدد) بنسبة 2%، فيما شكل الأب والأخ ما نسبته 2%، وجاء الخطيب وزوج الأم بنسبة 1%.

مما سبق يتضح أن النسبة الأكبر من الجناة جاءت من وسط العائلة التركية، حيث شكلت النسبة 53%، وجاء في المرتبة الأولى من أطراف العائلة الزوج الذي شكل ما نسبته 27% من الجناة، فيما جاءت النسبة المتبقية من أطراف خارج العائلة التركية. 

كيف ولماذ قتلن؟ 

وفقًا لبيانات 2018، فقد قتل 40% من الضحايا بواسطة سلاح ناري، فيما لم يتم التثبت من 21% من جرائم القتل، فيما قتلت 18% من النساء بواسطة آلة حادة، و4% خنقًا، و3% منهن ألقين من مكان مرتفع، وقتل 3% منهن ضربًا، و2% شنقًا، و1% ضربًا بجسم صلب، وحرقًا وتحت التعذيب، فيما قتل 3% بأساليب لم يبث فيها. 

وفيما يتعلق بالأسباب التي دفعت الجناة لارتكاب الجريمة، لم يتم التثبت من 30%، في حين جاءت 30% من أسباب مشكوك فيها، و24% لأسباب متعلقة برغبة المرأة باتخاذ قرارات خاصة بها، وجاءت الأسباب الاقتصادية بنسبة 8%، في حين جاءت رغبة الزوجة بالطلاق بنسبة 8%، ورغبة المرأة بالانفصال بنسبة 1% وهي نفس النسبة لعدم رغبة المرأة بالصلح. 

أحوال الضحايا.. الفئة الشابة في الصدارة  

وفقًا لبيانات 2018، شكلت الفئة 36-65 ما نسبته 34% من النساء المجني عليهن، فيما شكلت الفئة 35-25 ما نسبته 19%، في حين شكلت الفئة لما فوق 66 سنة ما نسبته 11%، والفئة 19-24 ما نسبته 10% في حين لم يتم التثبت من 19% من أعمار النساء المقتولة، في حين جاءت نسبة النساء من 12-18 4%. 

ولم يتم التثبت من الحالة الإجتماعية لـ45% من النساء المجني عليهن، في حين جاء 38% منهن متزوجات، و15% منهن عذراوات، 2% متزوجات زواج إمام، بالإضافة إلى ذلك 61% من النساء المجني عليهن لم يتم تحديد إن كان لديهن أطفال، في حين 31% من النساء المجني عليهن يوجد لديهن أطفال، و5% لا يوجد، و3% كنا حوامل.

المدن التركية حيث التقدم المخضب بالدماء 

تشكل المرأة التركية 49.8% من المجتمع التركي، حيث بلغ عدد النساء في تركيا 40 مليون و863 الف، في حين يسكن أكثر من 90% من المجتمع التركي في المدن التي شهدت في السنوات الأخيرة تقدمًا للمرأة التركية، حيث ارتفعت نسبة مساهمتها في عدد من المجالات، فبلغت نسبة النساء من الأساتذة الجامعيين للعام 2018، 31.2%، فيما بلغت نسبة النساء من الأساتذة المشاركين 38.8%، وبلغت نسبة النساء من الأساتذة المساعدين 50.2%، كما بلغت نسبة النساء العاملات برتبة سفير عام 2009، 10.8%، لتصل النسبة عام 2018 إلى 22.1%.

بلغت نسبة استخدام الإنترنت عند النساء 64.7% فيما بلغت لدى الرجال 79.2%، كما شهد مستوى التعليم لدى المرأة الملتحقة بسوق العمل تقدمًا ملحوظًا، حيث وصلت نسبة مشاركة المرأة الأمية العاملة 15.9%، في حين بلغت 27.7% لدى النساء المتلقيات تعليمًا أقل من الثانوية، فيما بلغت النسبة لدى المتخرجات من الثانوية 31.4%، والنسبة لدى النساء المتخرجات من ثانوية مهنية 42.6%، فيما بلغت نسبة الحاصلات على تعليم عالٍ 72.7%.

النسبة الأكثر تعرضًا للقتل هي النساء في الأعمار الشابة، ولأسباب ترجع لرغبة المرأة في اتخاذ قرارات خاصة بها ومن فئات تأتي من العائلة التركية، فمن الممكن إرجاع النسبة المرتفعة إلى محاولة المرأة التركية ترجمة مكاسبها على المستوى التعليمي والاقتصادي إلى مكاسب اجتماعية على مستوى العائلة والمجتمع

رغم فرص التقدم التي قدمتها المدن التركية للمرأة التي سمحت لها بتحقيق تراكمات ومكاسب على المستوى الاقتصادي والعلمي، فإن السنوات الأخيرة شهدت مستويات مرتفعة من العنف الموجه ضد المرأة، حيث يتضح أن العلاقة طردية بين الإنجازات التي تحققها المرأة التركية ومستوى العنف الموجه نحوها، ومن الممكن إرجاع ذلك إلى المقاومة العكسية التي يبديها المجتمع التركي - الذكوري بطبعه - تجاه هذه التغيرات.

فلو نظرنا إلى الأرقام أعلاه نجد أن النسبة الأكثر تعرضًا للقتل هي النساء في الأعمار الشابة، ولأسباب ترجع لرغبة المرأة في اتخاذ قرارات خاصة بها ومن فئات تأتي من العائلة التركية، فمن الممكن إرجاع النسبة المرتفعة إلى محاولة المرأة التركية ترجمة مكاسبها على المستوى التعليمي والاقتصادي إلى مكاسب اجتماعية على مستوى العائلة والمجتمع، وهذا الأمر لا يفسر وحده هذه النسبة المرتفعة من الجرائم، لكنه أحد الأسباب المهمة والمفتاحية في التفسير.

القانون رقم 6284.. الدولة والمجتمع المدني في مواجهة العنف

شهدت تسعينيات القرن الماضي تحولًا حقيقيًا في التعاطي مع حقوق المرأة في تركيا، فتطور الوسائل الإعلامية وظهور عدد من مؤسسات المجتمع المدني التي سلطت الضوء على العنف المرتكب بحق المرأة، شكلت عامل ضغط على السلطات القائمة لاتخاذ خطوات لمكافحة العنف ضد المرأة بشكل عام وداخل الأسرة بشكل خاص.

بعد سنوات من العمل المشترك بين وزارة العائلة والخدمات الاجتماعية التركية ومؤسسات المجتمع المدني تم إصدار قانون 6284 الخاص بـ"حماية العائلة ومكافحة العنف ضد المرأة "الذي شكل بمواده الـ48 خطوة نوعية في حماية المرأة وضمان حقوقها

فظهر قانون 4320 "حماية العائلة" لعام 1998 حيث تكون القانون من أربع مواد شكلت في حينها تقدمًا مهمًا في دور الدولة في حماية المرأة التركية، لكن هذه المواد الأربعة لم تقف حائلاً أمام ازدياد عدد حالات القتل داخل الأسرة؛ الأمر الذي دفع مؤسسات المجتمع المدني للمطالبة بتعديل القانون وزيادة فعالية الدولة في حماية المرأة.

شهدت مدينة إسطنبول في مارس 2011 توقيع اتفاقية إسطنبول أو اتفاقية منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، وصادقت تركيا على الاتفاقية بعد عام من توقيعها لتتبعها 27 دولة أخرى ليصل العدد في عام 2017 إلى 45 دولة، شكلت الاتفاقية ذات الـ81 مادة نقلة نوعية في مجال حماية ومكافحة العنف ضد المرأة، وفي ضوء هذه الاتفاقية وبعد سنوات من العمل المشترك بين وزارة العائلة والخدمات الاجتماعية التركية ومؤسسات المجتمع المدني تم إصدار قانون 6284 الخاص بـ"حماية العائلة ومكافحة العنف ضد المرأة "الذي شكل بمواده الـ48 خطوة نوعية في حماية المرأة وضمان حقوقها وذلك لطبيعة التسهيلات التي أدخلها القانون على المنظومة القانونية في البلاد.

رغم ذلك فإن الجانب العملي ما زال ينقصه الكثير على مستوى المكاتب والكوادر وقنوات الاتصال والتواصل مع المرأة في العائلة والمجتمع، حيث تواصل الحكومة التركية إلى جوار مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني السعي لمكافحة حالات العنف الموجهة ضد المرأة التركية.