في محافظة أسوان الواقعة أقصى جنوب مصر، وبعيدًا عن زحام العاصمة ومشكلاتها، افتتح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يوم السبت الماضي ملتقى الشباب العربي الإفريقي، كأحد المؤتمرات والندوات والتجمعات التي يرى فيها النظام المصري مناسبة لتجديد للتأكيد على التحكم في فئات من الناس، لأنه الملجأ والمصدر والحكم لمن قبلوا المشاركة فيها.

حفلات التفاهة

"إنه عصر أفول الفكاهات، عصر ما بعد المزاحات"، هكذا يبدو موقف الكاتب التشيكي ميلان كونديرا في روايته "حفلة التفاهة"، فهو يؤمن بأن التفاهة تحصد أرواح الناس، على عكس السيسي الذي كثيرًا ما يحوِّل قاعات مؤتمراته إلى ساحات مليئة بالضحكات، ضحكات تحيطها تهديدات بالقتل والخطف وتتربص بها وعود بمستقبل لا تبدو له ملانح واضحة.

تُمثّل المُؤتمرات التي توجهها الدول للشباب تقليدًا سياسيًا معروفًا ومُمتدًا تاريخيًا في الكثير من الدول تحت إطار الشرعية والأيديولوجيا، فالشباب في المجتمعات الحديثة يمثل طاقة إنتاجية وأيديولجية ضخمة، وهم بالنسبة للدول والتنظيمات السياسية جيش أيديولوجي محتمل، لتمتص التعبئة رحيق حياتهم في الإنتاج والحروب والمشاريع القومية والصراعات.

مؤلف الكتاب عبدالغفار شكر يؤكد أن تجربة منظمة الشباب الاشتراكي لا يمكن تكرارها أو استعادتها، في حين لم يُنشر حتى الآن المنهج الذى اتّبع فى البرنامج الحالي

وبحسب ما جاء في كتاب "مدارات الحداثة" لمؤلفه محمد سبيلا، فإنه غالبًا ما يتحول الشباب على أيدي الساسة الكبار أو الشيوخ إلى وقود للصراع الأيديولوجي الدائر في المجتمعات الحديثة، على سبيل المثال، كان معظم من تم الزج بهم في "حصار دماج" في اليمن هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 28 عامًا، سواءً الحوثيين أو السلفيين، وهذا يرجع إلى أن تلك استغلال القيادات جهل الشباب وتسربهم المبكر من التعليم وعملت على توظيفهم برتبة "قاتل".  

قديمًا كان للاتحاد السوفيتي مؤتمر سنوي للشباب الشيوعي كان يُدعى "الكُومسمول" أو "اتحاد الشباب الشيوعي اللينيني في الإتحاد السوڤيتي"، وهي منظمات الشباب الشيوعي الموحدة التي أسّسها وطورها ووضع برامجها وأنظمتها الداخلية الشيوعيون الشبان تحت إشراف حزب البلاشڤة قبل وبعد انتصار ثورة أكتوبر المجيدة. تأسس بعد الثورة البلشفية سنة 1918.

"الكُومسمول" كان الاتحاد يضم كوادر شبابية لتأطيرهم وتدريبهم وتثقيفهم ليكَوِّنوا طليعة مستقبلية تقود الدولة والأيديولوجيا الشيوعية في المستقبل، كما قال عنه قائد الحزب البلشفي والثورة البلشفية فلاديمير لينين "نحن حزب المستقبل والمستقبل ملك للشبيبة"، وقال عنه القائد الثاني للاتحاد السوفييتي جوزيف ستالين "الكوموسمول هو احتياطي الحزب، ينبوع ينهل منه الحزب لإتمام صفوفه".

 تجربة جمال مبارك مع الشباب كانت محاولة للتسلّل بين صفوفهم وإقناعهم بأنه البديل المناسب خلفًا لوالده

وخلال عهد الحكم الناصري في مصر، تم تأسيس منظمة الشباب الاشتراكي لتكون بدورها إطارًا أيديولوجيًا ومُنظمة للشباب الاشتراكي الناصري الذي يحمل أيديولوجية الدولة ورؤيتها إلى العالم، معتمدةً عليهم في التعبئة السياسية والاجتماعية لمناوأة التيارات الأيديولوجية الأخرى، ووصل عدد أعضائها إلى نصف مليون شاب وفتاة فى مختلف مجالات المجتمع والمواقع القيادية لهم فى الحركة الجماهيرية والحياة السياسية وفى أجهزة الدولة والمجتمع.

وبالتزامن مع ترويج نظام السيسى بإعداد جيل جديد من القيادات، والإعلان عن بدء تنفيذ برنامج رئاسى لإعداد القيادات الجديدة، أصدرت مؤسسة الأهرام، في أواخر العام الماضي، طبعة جديدة من كتاب "منظمة الشباب الاشتراكي: تجربة مصرية فى إعداد القيادات"، لكن مؤلف الكتاب عبدالغفار شكر يؤكد أن تجربة هذه المنظمة لا يمكن تكرارها أو استعادتها، في حين لم يُنشر حتى الآن المنهج الذى اتّبع فى البرنامج الحالي.

خلال عهد الرئيس السابق محمد حسني مُبارك، أطلق الحزب الوطني (المنحل بموجب حكم المحكمة الإدارية في إبريل/نيسان 2011)، سلسلة معسكرات تدريبية لمجموعات شبابية منتمية للحزب في كافة المحافظات، وشملت جلسات حوار مع أعضاء لجنة سياسات الحزب، وجمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، كما جرى تنظيم لقاء مفتوح مع الرئيس مبارك بشكل سنوي.

كان للجمعية والمؤتمرات التي تعقدها هدفًا خفيًا تمثل في محاولة للتسلّل بين صفوف الشباب، وإقناعهم بأنه البديل المناسب خلفًا لوالده، من خلال التفاعل مع مشاكلهم وأوضاعهم

وقبل ثورة 25 يناير 2011، كان أحد مشاريع تهيئة جمال مبارك هو مؤتمره السنوي "شباب من أجل المستقبل"، الذي كان يعتمد على جمعية "جيل المستقبل" التي أسسها جمال بصحبة عدد من رجال الأعمال وأصحاب النفوذ السياسي عام 1998؛ فكان منهم الوزراء -آنذاك- أحمد المغربي ورشيد محمد رشيد، إضافة إلى أمين التنظيم بالحزب الحاكم آنذاك أحمد عز وأيضًا معتز الألفي.

كان للجمعية والمؤتمرات التي تعقدها هدفًا خفيًا تمثل في محاولة للتسلّل بين صفوف الشباب، وإقناعهم بأنه البديل المناسب خلفًا لوالده، من خلال التفاعل مع مشاكلهم وأوضاعهم، وبالتالي محاولة تقديم المساعدة من خلال تأهيلهم لسوق العمل والشركات الكبيرة، وتكوين قاعدة شبابية تكون نواة في المستقبل يعتمد عليها جمال مبارك في إدارة الدولة حال وصوله للرئاسة.

كان مؤتمر "شباب من أجل المستقبل" يحمل مشروع رؤية للمستقبل بالفعل، لكنها مغايرة لطوحات الشباب وتطلعتهم، حيث كانت عمليات خصخصة القطاع العام المملوك للدولة بالفعل، وكانت حكومات أحمد نظيف وعاطف عبيد تسير بوتيرة متسارعة في تطبيق أجندة الليبرالية الجديدة، ليكون شباب المؤتمر هم الطليعة المحلية لحقبة الليبرالية الجديدة وأصحاب المراكز المرموقة في الشركات الاستثمارية وقاعدة جمال مبارك السياسية في الوقت نفسه.

جيل السلطة تحت رعاية السيد الرئيس

يبدو أن السيسي لا يتوقف عن انتهاج سياسات نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، في طريقة إدارة الدولة، والأساليب المتّبعة من أجل إظهار وجود مؤيدين له، كما يبدو أنه يريد أن يرث "تركة" مبارك ونظامه في كل شيء، سواء بتبني السياسات الاقتصادية والسياسية ذاتها، أو عن طريق تشكيل كتلة صلبة من مؤيديه، ترافقه في اللقاءات العامة.

يواصل النظام المصري إقامة المؤتمرات والاحتفالات الفاخرة التي يخص في كثير منها فئة الشباب، فيما بدا أنه محاولة لإحياء تجربة جمعية "جيل المستقبل"، لتكون نواة في مشروعه لتأهيل الشباب

جاءت بداية استنساخ مشروع جمال مبارك بتأسيس البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة في سبتمبر/أيلول عام 2015، في محاولة لاستقطاب الشباب، إذ لا تتوقف مزايا البرنامج عند حد الحصول على الوظائف المميزة كمساعدي ومعاوني الوزراء، بل تحصل نخبة من منتسبي البرنامج الرئاسي على فرصة مصاحبة عبدالفتاح السيسي في جولاته لافتتاح المشاريع القومية وحضور المؤتمرات والمنتديات التي يقيمها.  

ويظهر ذلك جليًا في كل لقاء يطل من خلاله السيسي عبر تواجد عدد كبير من الحضور، رجال ونساء ومن مختلف الأعمار، حيث يواصل النظام المصري إقامة المؤتمرات والاحتفالات الفاخرة التي يخص في كثير منها فئة الشباب، فيما بدا أنه محاولة لإحياء تجربة جمعية "جيل المستقبل"، لتكون نواة في مشروعه لتأهيل الشباب.

كانت بداية رحلة مؤتمرات الشباب بانعقاد المؤتمر الوطنى الأول للشباب الذى عُقد فى أكتوبر/تشرين الأول 2016 بمدينة شرم الشيخ، ليتقرر بعدها أن يكون دوريًا، حيث عُقد 6 مؤتمرات دورية، 3 منها في محافظة القاهرة، و3 في محافظات أسوان والإسماعيلية والإسكندرية، بالإضافة إلى منتدى شباب العالم الذى عُقد مرتين فى شرم الشيخ فى نوفمبر/تشرين الثاني 2017 و2018.

عسكريون يقدّمون محاضرات لشباب برنامج السيسي الشبابي

آخر تلك الفعاليات كان انعقاد "ملتقى الشباب العربي الإفريقي" في مدينة أسوان، الذي انطلق يوم السبت الماضي، ويستمر على مدار 3 أيام، ويتم تنظيمه بإشراف مباشر من مؤسسة الرئاسة المصرية، ويعد الملتقى – بحسب ما جاء على موقع منتدى شباب العالم - منصة للشباب من كلا المنطقتين لتبادل الخبرات ومناقشة مُختلَف الموضوعات التي تهم كلا من الشباب العربي والإفريقي من أجل تعزيز التعاون بين الدول العربية والدول الأفريقية.

وفي كل مرة تُثار التساؤلات حول هوية الأشخاص الحاضرين وكيفية اختيارهم، وتؤكد بعض المصادر أن أغلب الحضور في لقاءات السيسي العامة، والتي تحتاج إلى جمهور، يتم تدبير جمهورها بالتنسيق بين الرئاسة ومسؤولين سابقين في جمعية "جيل المستقبل"، ويتمّ اختيار شبان وشابات من مختلف الأعمار لحضور تلك اللقاءات، على اعتبار أنهم من مؤيدي السيسي.

السيسي يريد نوعية خاصة بالشباب، ليست هي من تقود الأوضاع، وهو ما يؤكده تبعية برنامج تأهيل الشباب للقيادة لمؤسسة الرئاسة مباشرة، وليس لأي جهة أخرى

ورغم قرار وزير التضامن الاجتماعي الأسبق جودة عبد الخالق بحل جمعية "جيل المستقبل"، إلا أن بعض المصادر تؤكد أنها مازالت تمارس دورها في الترويج لرئيس مجلس إدارتها جمال مبارك، وقد تم إعادة توظيف عناصرها في مهام أخرى، وهو ما سيظهر خلال الفترة المقبلة، في الحملة الدعائية لمرشحي نظام مبارك في أي انتخابات برلمانية أو محلية قادمة.

ووفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الشباب خلال العام الماضي - في الفئة العمرية من 18 إلى 29 سنة - 21.7 مليون نسمة، ويمثلون 23.6% من إجمالي السكان، لكن السيسي يريد نوعية خاصة بالشباب، ليست هي من تقود الأوضاع، وهو ما يؤكده تبعية برنامج تأهيل الشباب للقيادة لمؤسسة الرئاسة مباشرة، وليس لأي جهة أخرى، في إشارة إلى صناعة جيل جديد من الشباب مؤيد له، على طريقة جمال مبارك، غير أن السيسي لم يوضح آليات وعمل المشروع بعد.

أين شباب مصر "الفقرة أوي"؟

تأتي إقامة الفعاليات التي يرعاها السيسي - الذي تفنن في إقامة الاحتفالات بذرائع شتى - وسط انتقادات من مواطنين وخبراء لتكلفتها العالية واتهامات بعدم جدواها، وفي وقت يعاني فيه المصريون من قرارات رفع الأسعار المتتالية التي تتخذها السلطات بدعوى وجود أزمة اقتصادية، بالإضافة إلى الانتهاكات العديدة لحقوق الإنسان التي تؤثر على مصداقية النظام محليًا ودوليًا.

بالإضافة إلى استقدام متحدثين في أي مناسبة مقابل أجر مالي، كما جرى مع الممثلة الأمريكية هيلين هنت في منتدى شباب العالم في دورته الأولى، قدَّرت وسائل إعلامية تكلفة المنتدى بنحو 750 مليون جنيه

وفي ظل مطالبات دائمة من الرئاسة والحكومة بضرورة التقشف لمواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار، تُكلف المؤتمرات التى تعقد مصر خسائر مادية تقترب من الربع مليار جنيه دون أي جدوى، في حين تؤكد وسائل الإعلام المحسوبة على النظام أن الموازنة العامة للدولة ومؤسسة الرئاسة لم يتحملا أي تكلفة مادية لإقامة هذه الفعاليات، ولكن هناك شركات وبنوك تتولى تنظيم وتكلفة المنتدى كاملة على نفقتها الخاصة.

بالإضافة إلى استقدام متحدثين في أي مناسبة مقابل أجر مالي، كما جرى مع الممثلة الأمريكية هيلين هنت في منتدى شباب العالم في دورته الأولى، قدَّرت وسائل إعلامية تكلفة المنتدى بنحو 750 مليون جنيه، في حين بلغت تكلفة المؤتمر الوطني الأول الذي عقد بشرم الشيخ واستمر 3 ليالٍ وحضره  قرابة 3000 شاب وأكثر من 100 شخصية عامة وكبار المسئولين في الدولة 5 ملايين جنيه، وبلغت تكلفة المؤتمر الثاني والذي عقد بمحافظة أسوان 3 ملايين جنيه ونصف المليون، وحضره قرابة 1500 شاب.

رئيس الوزراء يشرب عصير قصب خلال جولة بشوارع أسوان 

تتناقض تلك الاحتفالات والمؤتمرات المتواصلة أيضًا مع حديث السيسي عن الشباب، ففي محفل شبابي بالأساس كثيرًا ما يطغى المناخ التشاؤمي على لهجة السيسي، ويكون سقف كلامه منخفضًا بشكل لافت، وفي المؤتمر الأخير أيضًا خاطب السيسي طموحات الشباب مستحضرًا قيود الواقع التي تبرز دائمًا في حديثه، ثم عاد مجددًا إلى الطموح على طريقته الخاصة.  

اهتمام النظام المصري بالمؤتمر يأتي بعد أكثر من 6 سنوات من انقلاب السيسي العسكري، وما وعد به آنذاك من اتخاذ إجراءات تنفيذية لتمكين الشباب ودمجهم ضمن خارطة الثالث من يوليو، وهو واقع دفع نشطاء للتفاعل بشكل موازن مع مؤتمرات السيسي، مستحضرين عشرات آلاف المعتقلين من الشباب والشابات في سجون مختلفة، فضلاً عن مئات يرقدون في قبورهم بعد أن قتلهم رصاص النظام أو قمعه أو سياساته واختفى آخرون قسريًا.

وفق نتائج الربع الثالث من 2017 التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بلغ معدل البطالة بين الشباب بالفئة العمرية من 18-29 سنة نحو 26.7%

لكن فئات كبيرة من شباب مصر انفكت من الفلك الحكومي إلى الفضاء الإلكتروني، حيث جاذبية الحكومة مفقودة أصلاً بمعنييها المادي والعاطفي، إذ تفتتح هذه الفئات مؤتمرات موازية على وسائل التواصل الاجتماعي، والسلطات لا تخشى محتوى الاحتجاجات الإلكترونية بقدر ما تتخوف من فقدان السيطرة على قطاعات كبيرة من المجتمع.

ويبدو أن هذه المؤتمرات التي تخص الشباب في المقام الأول تأتي بنتائج عكسية، حيث ذكر تقرير أصدرته مؤسسة "كومنولث" أن مصر تقبع في المرتبة 138 من حيث تنمية الشباب، متراجعة حتى عن مرتبتها السابقة الـ86، لكن الحكومة تنظر إلى الأرقام الأجنبية على أنها مغرضة، ماذا عن الأرقام المحلية؟ وفق نتائج الربع الثالث من 2017 التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بلغ معدل البطالة بين الشباب بالفئة العمرية من 18-29 سنة نحو 26.7%.    

لم يسلم شباب مصر من نظام السيسي منذ أطاح بمسار ثورة يناير التي كانوا في طليعتها، ولم يفرق النظام في قمعه بين رافضيه بالمطلق وغيرهم ممن صدقوا يومًا أن الديمقراطية قد تأتي على ظهر الدبابة، كذلك لم يخل المؤتمر الأخير من مفارقات، فقبل أقل من شهر نفذَّت وزارة الداخلية المصرية، ، حكم الإعدام بحق 9 شباب معارضين أُدينوا بـ"التورط" في واقعة اغتيال النائب العام السابق هشام بركات.  

حين يخرج السيسي عن النص

تعبر منتديات ومؤتمرات الشباب التي يعقدها النظام المصري بشكل صارخ عن التناقض بين الواقع الذي يعيشه المواطنون وتصريحات المسؤولين التي تبدو مضحكة، ففي حين يخيَّر رئيس الدولة – خلال إحدى المؤتمرات التي يعقدها - المواطنين بين توفير البطاطس بعد ارتفاع أسعارها وبناء دولة فهذا يعني أن التصريح لا يتعدى مزحة تستدعي الضحك.   

يحرص السيسي في تلك المؤتمرات على الارتجال والخروج عن النص، عبر الحديث عن حياته الشخصية ورواية قصص من ماضيه وإلقاء بعض الدعابات وسط ضحكات الحضور

هذه السلسلة من المؤتمرات تستنسخ بعضها بصورة تكاد تكون متطابقة، إذ تشهد حضور السيسي ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب بالإضافة إلى عدد من الوزراء والمحافظين والمسؤولين في الدولة، كما يحضر المؤتمر عدد من الشباب المؤيدين للنظام، الذين تختارهم الأجهزة المنية بعناية فائقة.

وغالبًا ما تشهد تلك المؤتمرات عدة ساعات من المناقشات حول موضوعات إنشائية عامة، تتخللها مداخلات مطولة من السيسي، يتحدث فيها عن قضايا عادة ما تكون اقتصادية يبرر فيها السيسي قراراته المستمرة برفع أسعار الخدمات المختلفة، ويخاطب فيها عددًا من المسؤولين ليعطيهم عدد من التكليفات بطريقة مسرحية وسط تصفيق الحضور.

حدث ذلك خلال تكليف رئيس الأركان محمد حجازي بالقضاء على الجماعات المسلحة في سيناء خلال 3 أشهر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وترقية وزير الدفاع محمد زكي إلى رتبة فريق أول، مع تكليف عدد من الشباب بوضع شارة الرتبة الجديدة أمام المشاركين في مؤتمر الشباب.

كما يحرص السيسي في تلك المؤتمرات على الارتجال والخروج عن النص، عبر الحديث عن حياته الشخصية ورواية قصص من ماضيه وإلقاء بعض الدعابات وسط ضحكات الحضور، وهي حكايات عادة ما تثير سخرية المتابعين على مواقع التواصل، منها على سبيل المثال تصريح السيسي أنه قضى 10 سنوات من عمره لا تحتوي ثلاجته فيها سوى على المياه فقط.

هذا بالإضافة إلى العشرات من الحكايات والقصص الأخرى التي أصبح المصريون يتندرون بها وتحولت إلى نكات ورسومات ساخرة "كوميكس" يتداولونها فيما بينهم، وفي النهاية يتم إصدار عدد التوصيات والتكليفات لا يلمس المواطنون أي وجود لها على أرض الواقع لتطويها النسيان حتى يأتي موعد المؤتمر الذي يليه.

على سبيل المثال، خلال المؤتمر الوطني الأول بشرم الشيخ، تمثلت أهم التوصيات في تشكيل لجنة من الشباب لفحض قضايا المحبوسين، في حين يعكس الواقع مدى ازدياد عدد المسجونين كل يوم، وفي المؤتمر التالي في أسوان، كانت أبرز القرارت تشكيل هيئة عليا لتنمية جنوب مصر باستثمارات 5 مليار جنيه، لكن الإهمال المستمر الذي يعاني منه أهالي الصعيد من سواء كان على المستوى الأمني أم الاجتماعي أم الاقتصادي يزداد يومًا بعد الآخر، وكأن هذه المنطقة لا تُذكر إلا في المناسبات.