السينما هي نافذة للمجتمع والبشر بشكل عام، وطالما قدمت الأعمال السينمائية نماذج إنسانية لا نستطيع التعرف عليها في الواقع، مثل الحياة في دول بعيدة عنا ومختلفة لا يمكننا السفر إليها بسهولة، كما قدمت لنا أشياء أخرى لا نعرف تفاصيلها، كشكل الحياة  في السجون أو حتى الحياة في طبقات اجتماعية معينة، بجانب الجوانب النفسية للشخصيات البشرية.

فقد قدمت لنا السينما ما يعّرفنا على صفات الإنسان الخّير وطبائع الشخص الشرير، رأينا كيف يمكن للدوافع الصغيرة أن تقود إلى نتائج كارثية وأعمال مخيفة، وكل ذلك مهما امتزج بالخيال فهو مرتبط إلى حد كبير بالواقع وأحداثه، كل ذلك نشاهده سواء كان في السينما العالمية أم المحلية، وما أذكره مشابه تمامًا لما قدمه لنا المسلسل التايلاندي المعروض العام الماضي "Girl from no where" أو صاحبة اللغز كما هو مسمى بالعربية على شبكة نتفلكس السينيمائية.

جسد لنا المسلسل بشكل عميق ومتأصل صورة الفتاة السيكوباتية، عن طريق بطلة المسلسل الفتاة الذكية والممثلة البارعة "تشيتشا أماتاياكول" المدعاة في المسلسل بـ"نانو"، لم تكن نانو مجرد فتاة تقليدية في بيئة عادية تمارس أدوار الشر على أصدقائها وأقرابها، بل كانت طالبة جديدة في مدرسة، كل حلقة من حلقات المسلسل المنفصل، هي صورة جديدة لوجودها  كطالبة في مدرسة جديدة ومختلفة، تعلن براءتها الطفولية وتكسب ود الآخرين حولها، والحقيقة ما هي إلا شيطان يدبر المكائد والخبائث باستمرار.

الشخص السيكوباتي هو شخص مضطرب نفسيًا غير سوي، لديه الرغبة في الشعور بالسيادة على غيره، يرغب في إيذائهم والتصدي لهم، بشكل غير مباشر، فيمكن أن يضحي بأي شيء ويُقدم على أفعال خطيرة، لا عن رغبة في فعل الشيء نفسه، بل ليدمر بها مستقبل الآخرين، فيمكن أن يسرق شيئًا ثمينًا من أحدهم، ليس لأنه يحتاج هذا الشيء ولكن ليرى الحيرة والألم في عيون الآخرين، ومهما حاولنا وصفه أو تمييزه بين الآخرين لن نتمكن من ذلك بسهولة، لأنه يظهر دائمًا بشكل الشخص الذكي البريء والبعيد تمامًا عن أي شبهات.

في مسلسل صاحبة اللغز كانت نانو الفتاة الأكثر شهرة في المدرسة، هي من رسمت لنا سمات تلك الشخصية، فهي مُحبة للظهور والتباهي أمام زميلاتها ومعلمات المدرسة، كانت تتودد وتتعرف على غيرها بدافع الحب واللطف ظاهريًا، ولكنها في الحقيقة كانت تقترب لأسباب أخرى

إن حاولنا التحدث عن الشخص السيكوباتي بوصف نفسي بحت، يمكننا وصفه بأنه شيطان يمشي على الأرض، فالشيطان دائمًا يضع لنا "السم في العسل" ويغرينا بفعل الأشياء التي تبدو رائعة ومليئة باللذة والمتعة وبعد إنهائها يتخبطنا الندم والحسرة ولا نعرف لماذا أغوانا بتلك الأفعال، وكذلك الشخص السيكوباتي هو تجمع لعدة صفات وأنماط شخصية في وقت واحد، فهو نرجسي وهستيري وسادي ولا يمكن السيطرة عليه، وغالبًا ما نجد أنه شخص منطقي وحاد الذكاء يقنعك بالأفعال ويتملق منها ببساطة، لا تعرف معه كيف تستخدم المنطق أو كيف تتراجع عن قراراتك لأنه يعرف كيف يُثنيك عن ذلك.

إعلان مسلسل "صاحبة اللغز"

في مسلسل صاحبة اللغز كانت نانو الفتاة الأكثر شهرة في المدرسة، هي من رسمت لنا سمات تلك الشخصية، فهي مُحبة للظهور والتباهي أمام زميلاتها ومعلمات المدرسة، كانت تتودد وتتعرف على غيرها بدافع الحب واللطف ظاهريًا، ولكنها في الحقيقة كانت تقترب لأسباب أخرى، وقد جاءت طريقة عرض المسلسل مساعدة لظهور هذه التفاصيل، فالمسلسل منفصل وبطلته الرئيسية والمتكررة دائمًا فقط هي نانو.

وفي كل حلقة يظهر لديها البطل الضحية، الشخص الذي سيتأذى بسبب نانو هذه المرة وتدور قصة الحلقة عنه، وهذا يعني أنها كانت تتبع في كل حلقة من حلقات المسلسل شخصية بعينها تقنعها بفعل شيء ما أو تستغل حاجتها لرغبة معينة، سواء في الحب أم الشهرة، في الغرائز أم العاطفة، أي أنها، دائمًا، تعرف المدخل المناسب للشخص الذي تحدثه، تتقرب منه وتمنحه الجنة التي يشتهيها ثم تسقطه في الهاوية وحده، وبعدها تنتهي الحلقة بضحكتها الشريرة الساخرة. 

بعيدًا عن المسلسل واستنادًا إلى الدراسات النفسية، فإن حل مشكلة الشخصية السيكوباتية أمر سهل وغير معقد، وهو أن تتجنب التعامل معه، بكل بساطة، وأن تبتعد عنه قدر المستطاع، ولكن اللغز الأصعب هنا، هو كيف تكتشف الشخصية السيكوباتية؟

لم تترك نانو شخصًا في المدرسة إلا ولحقته بأذيتها، كما كانت تؤدي أفعالًا خطيرة في كل حلقة، بجانب أنه قد ذُكر في بداية المسلسل أن طرق التعذيب تلك مستوحاة من أخبار حقيقية لجرائم حدثت لعدد من الضحايا النسائية، تقربت نانو من معلمها في المدرسة ومن صديقاتها، تمكنت من إفساد الطلبة الفقراء وتدمير حياتهم، شوهت وجه أجمل طالبة في المدرسة وسيطرت على المعلمة المميزة واستغلت أعصابها المتوترة في حياتها الاجتماعية، كانت نانو هي العقل المدبر لكل ما يحدث في المدارس التي تذهب إليها من مصائب، وفي كل حلقة كانت لها ضحكة شريرة تؤديها بعد إتمام مهماتها السيكوباتية، إلى أن أتت الحلقة الأخيرة التي عاد فيها الطلاب بالزمن إلى عشر سنوات ماضية ليتذكروا أحداثهم المدرسية، ورغم أن نانو لم تكن فتاة محبوبة دائمًا وكانت غامضة ومريبة في أوقات كثيرة فإنها لم تفوت الحفل، لتُفجر لهم مفاجأتها غير المسبوقة (لن أحرقها عليكم).

بعيدًا عن المسلسل واستنادًا إلى الدراسات النفسية، فإن حل مشكلة الشخصية السيكوباتية أمر سهل وغير معقد، وهو أن تتجنب التعامل معه، بكل بساطة، وتبتعد عنه قدر المستطاع، ولكن اللغز الأصعب هنا، هو كيف تكتشف الشخصية السيكوباتية؟ فهذا هو الجانب الأصعب على الإطلاق.

لا أريد القول إنك لن تتعرف على هذه الشخصية إلا بعد أن تُخذل منها أو يصابك مكروه، ولكن الحذر في علاقاتك مع الآخرين دائمًا هو الأساس، أي لا تثق في أي شخص أو تفترض حسن النية في كل الناس، راقب سلوك الأشخاص الغريبين حولك دائمًا، خاصة عند الذهاب إلى مكان جديد، سواء كان عمل أم دراسة أم حتى تجمع بشري لأي سبب كان، لأن تلك الشخصيات موجودة بيننا وبكثرة، ليست شخصية غيورة أو حاقدة بل هم أفاعي ماكرة يلتفتون حول الآخرين بنعومة.