بعد 3 أشهر من الاحتجاجات الأسبوعية يبدو أن الحراك الشعبي المتصاعد ضد الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش يدخل منعطفًا جديدًا، فالأمر تجاوز المسيرات والتجمعات السلمية في الميادين والشوارع العامة إلى القصر الرئاسي نفسه ووضع الرئيس قيد الاحتجاز ولو لساعات قليلة.

اليومان الماضيان أحاط آلاف الأشخاص بالقصر، مطالبين بإعادة النظر في السياسات الحكومية الخانقة التي يعتبرها المتظاهرون سببًا رئيسيًا في تردي الأوضاع الاقتصادية والحقوقية في البلاد، فيما انتشرت عناصر القوات الخاصة على أسطح القصر، استعدادًا للتصدي لأي هجوم محتمل.

ورغم ما يثار بشأن تهدئة الأجواء خلال الساعات الماضية، فإن آخرين يؤكدون استمرار الغضبة الشعبية لحين نزول الرئيس وحكومته على مطالب المحتجين خاصة بعدما وصل الأمر إلى التخلي عن السلمية في بعض الأحيان وصلت إلى السيطرة على مبنى التليفزيون.. فماذا يحدث في صربيا؟

3 أشهر من الحراك

في ليلة الـ8 من ديسمبر الماضي، ووسط أجواء شديدة البرودة، جاب آلاف الصربيين شوارع بلغراد وميادينها في الطريق المؤدي للقصر الرئاسي، حيث ردد المتظاهرون الهتافات المنددة بـ"السياسات الاستبدادية" لفوتشيتش، والمطالبة بإقالته فورًا وفتح الباب أمام المزيد من الحريات.

التظاهرات انطلقت بدعوة رسمية من عدد من المنظمات المدنية على رأسها "تحالف من أجل صربيا" المؤلف من عشرات الأحزاب المعارضة التي تنتمى إلى اليسار واليمين المتطرف، التي وصفت الحزب التقدمي الصربي (الحزب الحاكم) بأنه فاسد ويجب اقتلاع جذوره السياسية ومحاكمة رموزه.

تصدر التنكيل بالحريات الإعلامية وغلق الفضاء أمام التعبير عن الرأي قائمة الدوافع التي أشعلت التظاهرات التي دخلت السبت الماضي أسبوعها الـ15 على التوالي

لقي هذا الحراك ردود فعل شعبية واسعة النطاق، حيث انضم له عدد من السياسيين والرموز الوطنية البارزة في صربيا في مقدمتها وزير الخارجية السابق فوك ييريميتش ورئيس بلدية بلغراد دراغان دييلاش، اللذين شاركا في بعض التظاهرات التي رفعت لافتات كتب عليها "إلى متى يُكتب على صربيا أن تتحمّل الشر؟" و"إنهم يكذبون، يسرقون.. أنا جائع جدًا"، وهتفوا "فوتشيتش.. لص".

أحزاب المعارضة في البلاد تتهم فوتشيتش الذي أصبح مواليًا للاتحاد الأوروبي، بالاستبداد والتحكّم بالإعلام واستخدامه لشن حملات ضد خصومه، علمًا بأن كثير من الفعاليات جاءت كرد فعل على التنكيل ببعض المعارضين، كما حدث في تظاهرات الـ5 من ديسمبر، تلك التي صنفت كواحدة من أكبر الفعاليات التي شهدها الشارع الصربي على مدار الأشهر الثلاث الأخيرة.

وكانت أحزاب المعارضة قد دعت لتلك التظاهرة بعد تعرض أحد قادتها للضرب في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قبيل تجمع سياسي في وسط العاصمة، وبينما اتهم ائتلاف "تحالف من أجل صربيا" مناصري الحزب الحاكم بالقيام بهذا الاعتداء إلا أن الحكومة نفته من الأساس.

الحريات.. كلمة السر

تصدر التنكيل بالحريات الإعلامية وغلق الفضاء أمام التعبير عن الرأي قائمة الدوافع التي أشعلت التظاهرات التي دخلت السبت الماضي أسبوعها الـ15 على التوالي، وسط إصرار على التصعيد حال عدم الاستجابة للمطالب المقدمة في هذا الشأن على وجه الخصوص.

المشاركون في المظاهرات طالبوا بتوفير وسائل إعلام حرة وشروط عادلة لانتخابات نزيهة منددين باحتكار النظام الحاكم لوسائل إعلام الدولة للترويج لوجهة النظر الرسمية وتسويق سياسات الرئيس وحكومته في الوقت الذي تغلق فيه منافذ التعبير كافة أمام المعارضة.

فوتشيتش تعهد بالدفاع عن القانون والنظام في بلاده، واصفًا قادة المعارضة بأنهم "فاشيون ومثيرو شغب ولصوص"

وعلى إثر تصعيد الحراك في هذا الشان اقتحم عدد من المتظاهرين من بينهم بوسكو أوبرادوفيتش رئيس الحزب اليميني الراديكالي "دفيري"، الأحد الماضي، مبنى قناة تليفزيون "آر تي إس" الحكومي، في رسالة رمزية لسياسات الدولة في التعاطي مع الإعلام، لكن سرعان ما تم إخراج المتظاهرين من المبنى، واستئناف البث، بعد تفريقهم من رجال الشرطة.

يذكر أن صربيا الطامحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تعرضت العام الماضي لانتقادات المفوضية بالنسبة لحرية الصحافة بها، والتهديدات التي يتعرض لها الصحفيون، وفي تقريره الأخير ناشد البرلمان الأوروبي السلطات الصربية بتحسين الأوضاع فيما يتعلق بحرية الإعلام.

الاحتجاجات ضد الرئيس الصربي تدخل شهرها الرابع

تهديد حكومي

وفي أول رد فعل على تصاعد وتيرة الاحتجاجات رفض الرئيس الصربي الاتهامات التي وجهها المتظاهرون له بـ"السلطوية"، مدشنًا حملة مضادة للرد على المعارضين حملت اسم "مستقبل صربيا" وذلك للترويج للنتائج الإيجابية لسياساته التي تنفيها كل أطياف المعارضة في البلاد.

فوتشيتش تعهد بالدفاع عن القانون والنظام في بلاده، واصفًا قادة المعارضة بأنهم "فاشيون ومثيرو شغب ولصوص"، وذلك في خطاب متلفز ألقاه بمقر الرئاسة بوسط العاصمة بلغراد، حيث يحتشد الآلاف من أنصار المعارضة لمطالبته بالتنحي، مؤكدًا "لن يكون هناك المزيد من العنف، صربيا بلد ديمقراطي وبلد القانون والنظام، وسنرد على الأحداث الجارية".

في آخر استطلاعات للرأي جرت في أكتوبر الماضي حظي حزب الرئيس على نسبة تأييد بلغت 53% من الناخبين، متراجعًا عما كانت عليه قبل عامين

الرئيس في لقاء متلفز له عبر عن استعداده لمناقشة مطالب المعارضة، وأضاف بعد تعرضه للسخرية من مجموعة من المحتجين لدى دخوله مبنى التليفزيون: "أنا مستعد للنظر في الأسباب التي دفعت الناس للمعارضة"، هذا في الوقت الذي تشن الأخيرة هجومًا عليه لاستبعاده لها من المفاوضات التي أجراها مع بعض الفصائل والأحزاب لبحث الأزمة وسبل علاجها.

فيما ندد وزير الداخلية نيبويشا ستيفانوفيتش بتلك الاحتجاجات قائلاً: "لا يوجد شيء اسمه غوغاء يخرجون إلى الشارع ويسقطون النظام، هذه المعارضة عبارة عن مجموعة تتسم بالعنف والتخريب"، مستطردًا: "أي محاولة من المتظاهرين لعرقلة الشرطة فسيتم إطلاق الرصاص الحي، والمتظاهرون الذين سيطروا على مبنى الإذاعة بطريقة غير قانونية سيتم محاكمتهم، الأمن الصربي ذاهب لاستعادة السيطرة على مبنى الإذاعة، من يلمس منكم رجل أمن واحد فلا يلوم إلا نفسه".

بعض الأصوات كانت قد نادت بإجراء انتخابات مبكرة يختبر فيها النظام الحاكم شعبيته، وهو ما لم يعترض عليه الحزب والرئيس قبل هذا الحراك حينما كانت شعبيتهم في تزايد منذ فوزهم الكاسح في انتخابات 2016، إلا أن الأمر تغير خلال الأشهر الأخيرة الماضية، فبعد تراجع الشعبية بات من الصعب القبول بهذا الخيار.

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش

يذكر أنه في آخر استطلاعات للرأي جرت في أكتوبر الماضي حظي حزب الرئيس على نسبة تأييد بلغت 53% من الناخبين، متراجعًا عما كانت عليه قبل عامين، الأمر الذي دفع فوتشيتش إلى التراجع عن فكرة إجراء أي انتخابات مبكرة، مؤكدًا "لن تكون هناك انتخابات شرعية في صربيا بمشاركة المعارضة إلا بعد تهيئة الأوضاع الطبيعية للانتخابات والمعيشة".

وعلى المستوى الدولي لم تشهد الاحتجاجات المندلعة منذ ديسمبر الماضي رودو فعل قوية من العواصم والكيانات الدولية، فيما اكتفت دول أخرى باعتبار المسألة شأن داخلي لا قبل لهم بها، وهو ما أكدت عليه موسكو في بيان صادر عن المتحدث باسم قصر الرئاسة الروسي (الكرملين) ديمتري بيسكوف، أمس الإثنين.

بيسكوف عبر عن رغبة بلاده في رؤية صربيا دولة مستقرة ومتنامية، مُرجحًا أن تبذل قيادة البلاد قصارى جهدها من أجل إيجاد تسوية سياسية على خلفية المظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها بلغراد الأسبوع الماضي في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين اللذين يرتبطان بعلاقات شراكة طويلة الأمد.