نُفي مسلمو التتار بأمر من ستالين في عربات القطارات المخصصة نقل الحيوانات والبضائع

شبه جزيرة القرم، المكان جغرافيا رائعة لتاريخ مليء بالأحداث، والشهود ما زال بعضهم أحياء، لكن الزائرين الغرباء لا يكترسون إلا لأثر عتيق أو لشواطئ خلابة، فمن هناك يبدو كل شيء رائعًا، هو كذلك أيضًا إذا اقحمت نفسك بين التفاصيل، وهو غير ذلك إذا سمعت الحكاية من البداية.    

القرم في كنف الإمبراطورية العثمانية

يقال إنّ أصل التتار يعود إلى قبائل المغول التي هاجرت إلى المنطقة واعتنقت الإسلام، ولكن ما لا خلاف عليه هو أنهم كانوا عرضة للتجاذبات السياسية والحربية على مدى قرون، نجحوا عدة مرات بإنشاء دولة خاصة بهم، فكان تأسيس أول دولة لهم سنة 1441، وقد نجحت بفضل تفاهم مع الإمبراطورية العثمانية التي وصل نفوذها إلى أطراف المنطقة.

حكم 47 ملكًا إمبراطورية تتار القرم، تنمو أعشاب النسيان فوق قبورهم، لكن اعتناقهم للإسلام بقي محفوظًا، وما زال يثقل هوية تتار القرم إلى اليوم كما كانت على امتداد فترات الرخاء والشدة في تاريخهم، وكما فعلوا على مدار قرون بقي نداء المؤذن للصلاة إلى يومنا هذا.

جلب نفوذ الإمبراطورية العثمانية خلال عهد تتار القرم الإسلام إلى القرم، واستمد الحكام العثمانيون شرعيتهم من مبدأ الحرب المقدسة التي كانت تهدف لتوسيع حدود الإسلام

كانت بختشي سراي، عاصمة خانات تتار القرم التابعة لدولة الخلافة العثمانية في أجزائها الشمالية، وعندما انتهى حكم المغول هيمنوا على القرم وأجزاء من أوكرانيا، وفي عام 1571 تقدم محاربو تتار القرم نحو موسكو وأضرموا النيران في المدينة، وما زال قصر الخان يُذَّكر بقوة أمجاد الماضي.

يعتبر قصر الخان الأثر الوحيد الكامل المتبقي من حضارة تتار إقليم شبه جزيرة القرم المسلمين الذي حكموا الإقليم وعدة مناطق مجاورة مدة 4 قرون، وهو واحد من بين 5 قصور ضمها الإقليم، لكن 4 منها هُدمت وأُزيلت خلال القرنين الثامن والتاسع عشر من القيصرية الروسية.

في الساحة الداخلية لقصر الخان توجد نافورة الدموع، جعلها الكاتب الروسي ألكسندر بوشكن مشهورة في إحدى قصائده، وهي نافورة بختشي سراي، حيث تنساب قطرات الماء من وإلى حوض زهور من نبع بارد، تقول الأسطورة إنها "دموع ملك تتاري ذرفها بعد وفاة حبيبته الخادمة من الشمال، التي ماتت قبل أن تتعلم حب خان التتار".

جلب نفوذ الإمبراطورية العثمانية خلال عهد تتار القرم الإسلام إلى القرم، واستمد الحكام العثمانيون شرعيتهم من مبدأ الحرب المقدسة التي كانت تهدف لتوسيع حدود الإسلام، وبالمحصلة، وفي مطلع القرن الـ17، كان المعماريون الأتراك مَن بنوا مسجدًا في إيفباتوريا.  

تُعرف إيفباتوريا بأنها "القدس الصغير" في القرم، حيث يعيش المسلمون واليهود والميسيحيون الأرثوذكس معًا في تناغم، ويهتم الأرثوذكس الروس بالولاء الثقافي أولاً، فيما يأتي الالتزام الديني في المرتبة الثانية، لكن في هذا المكان أيضًا تقول الأسطورة إن تحول روسيا إلى الميسيحية بدأ في القرم.  

القياصرة ومحو هوية القرم

منذ قديم الزمان كان القياصرة الروس على قناعة بأن من يحكم القرم يحكم البحر الأسود، فعملوا على ذلك، وبعد حكمهم المستقل الذي استمر ما يزيد على 3 قرون، نجحت الإمبراطورة كاثرين الثانية، ملكة روسيا العظيمة، في النصف الثاني من القرن الـ18 في هزيمة العثمانيين وأحكمت سيطرتها على القرم، وضمتها إلى الإمبراطورية الكبيرة.

منذ ذلك الحين، سعى القياصرة إلى محو هوية القرم، وتغيير التركيبة الديموغرافية عبر عمليات الترحيل القسري للتتار، ومع أن الحكم الجديد حافظ على مكانة الطبقة النافذة ورجال الدين التتار الذين اعترفوا بدورهم بالسلطة الروسية، إلا أنّه دفع الكثيرين للهجرة بأعداد كبيرة إلى أرجاء الإمبراطورية العثمانية.

كان عدد تتار القرم قد تناقص من نحو 6 ملايين مع غزوة الملكة كاترين إلى أقل إلى 300 ألف نسمة مع اندلاع الثورة البلشفية

تجددت موجات هجرة التتار من شبه جزيرة القرم بسبب الحرب التي اندلعت بين عامي 1853 و1865، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى تغير كل شيء، وانتهت تلك الحقبة، وسرعان ما تحولت روسيا القيصرية إلى محض تاريخ، وشهدت الحرب تحويل القصور في القرم إلى مستشفيات عسكرية، ومن الحرب اندلعت الثورة البلشفية في أكتوبر/تشرين الأول 1917.

تلك الثورة التي منحت تتار القرم 6 أعوام من الاستقلال الذاتي لشبه جزيرة القرم، وحصلت المرأة التتارية على حق التصويت في نفس العام (1917)، وكان بذلك أول بلد مسلم يحقق تلك الخطوة، وكان عدد تتار القرم قد تناقص من نحو 6 ملايين مع غزوة الملكة كاترين إلى أقل إلى 300 ألف نسمة مع اندلاع الثورة البلشفية.

لكن حلم الاستقلال الذاتي لم يدم طويلاً وسرعان ما قضى عليه قائد الحزب البلشفي فلادمير لينين والثوار في روسيا، وامتدت الثورة عبر البلاد، ومن ثم جاء الجيش الأحمر الذي شيده البلاشفة بعد ثورة أكتوبر، وتحولت القرم إلى جمهورية سوفيتية ذاتية الحكم، بعد التوصل إلى اتفاق ناجح اعترف خلاله لينين بالتتار كسكان أصليين لشبه جزيرة القرم، وخلال هذه الفترة كان للتتار برلمان ولغة رسمية ومدارس خاصة بهم.

عاش التتار فترة ذهبية خلال حكم لينين، إلا أنّ ذلك لم يدُم، فلم تكن الثورة قد انتصرت بعد، حتى دخلت القوات الألمانية إلى القرم، خلال الحرب العالمية الثانية، وتلاهم البريطانيون ثم الفرنسيون، وفي النهاية وصلت بقايا الجيش القيصري (الجيش الإمبراطوري الروسي)، ونالهم ما نال كل شعوب الاتحاد السوفيتي من قمع جوزيف ستالين، قبل أن يُضطروا إلى تلك الرحلة الطويلة.

في الدعاية النازية صُورت القرم كمنطقة جرمانية قديمة غزاها القوطيون في الماضي واستوطنوها، وبقيت القصور مهجورة خلال معارك القرم إلى أن أممها النظام السوفيتي، وتحت رعاية أول دولة للعمال والمزارعين تحولت الشواطئ التي كانت حكرًا على النخبة إلى جنة عطلات للجميع.   

مأساة شعب.. رحلة العذاب في عهد ستالين

شهدت القرم كمنطقة متعددة الأعراق في الاتحاد السوفيتي الكثير من الإيجابيات وكذلك الكثير من السلبيات، وكان مصير تتار القرم تحديدًا لا نظير له، فبعد الثورة الشيوعية حظي تتار القرم بالعديد من الفرص للمشاركة في تشكيل الدولة السوفيتية حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية حيث اكتسح الألمان شبة جزيرة القرم في أواخر السنة الثانية للحرب.

عندما انتهى الاحتلال الألماني اتهم ستالين تتار القرم بالتعاون الجماعي مع النازيين، ورحلهم إلى وسط آسيا

تتوالى أحداث الحرب، ليبدأ الجيش السوفيتي هجومه المعاكس ويلحق الهزيمة بالألمان ويسيطر على القرم، وفورًا، يباشر الشيوعيون في تنفيذ أحكام الإعدام بحق كل من اُشتبه به التعاون مع الألمان، فكانت أحكام الإدانة بالجملة، وأقرت الثورة التي رفعت شعارات الحرية والمساوة والعدل مبدأ العقاب الجماعي لشعب بأكمله.

في مايو/آيار من عام 1944 غادر آخر جندي ألماني شبة الجزيرة وتم تحرير القرم، وبعد وقت قصير من وصوله إلى سدة حكم الدولة السوفيتية، قام جوزيف ستالين بإنهاء المكانة الخاصة التي منحها سلفه للقرم، واعتقل قادة التتار والمفكرين والشعراء، وهجَّر منهم الآلاف إلى إلي أكبر صحراء جليدية في العالم وهي سيبيريا، وجاء ذلك بتهمة تعاون التتار مع الألمان، أعداء الاتحاد السوفيتي في الحرب.

كان ذلك أسلوبًا سياسيًا وقع التتار ضحيته، وعندما انتهى الاحتلال الألماني اتهم ستالين تتار القرم بالتعاون الجماعي مع النازيين، ورحلهم إلى وسط آسيا، وكانت حجة التعاون مع النازيين مبررًا للقرار الشهير الذي أصدره ستالين في مايو/أيار بحق التتار في القرم، حين اختار التهجير كعقاب لمن تعامل مع الألمان وهكذا حكم جماعيًا على ما يقارب الـ190 ألفًا من التتار في القرم.

انتشر الجنود الروس وعناصر الوحدات الخاصّة الروسية ليلة 18 مايو/أيار 1944 في شبه جزيرة القرم بعد تصديق ستالين على قرار التهجير، وعلى مدى 3 أيام متتالية قام الجنود، الذين كانوا يملكوا عناوين ومراكز التتار، بتجميعهم في الساحات ومن ثم استقداموا قطارات وناقلات لتهجير الأغلبية الساحقة من تتار القرم إلى آسيا الوسطى وتحديداً إلى أوزباكستان.

وبعد أن كانت هذه الجمهورية من أهم مناطق العمران البشري تحوّلت إلى أطلال بعد أن أبادها الروس وقد بلغ عدد المساجد التي هدمها الروس في شبه جزيرة القرم 1500 مسجد، ونُفي التتار يومها في عربات القطارات المخصصة نقل الحيوانات والبضائع التي لم تكن تتوقف إلا لأجل الاستزادة بالوقود وإلقاء جثث الموتى حيث مات الشيوخ والأطفال من شدّة تكدس العربات التي ظلت تسير ليلاً ونهارًا مدّة شهر كامل.

وتسببت عملية الترحيل تلك في مقتل الكثير من تتار القرم، بسبب الجوع وسوء التهوية في عربات القطار التي نقلوا بها، ولمدة عشر سنوات لم يسمح للتتار المهجرين بالابتعاد ولو لعدة كيلو مترات عن المناطق التي نفوا إليها، وتم التفريق بين أبناء العائلة الواحدة، وتعرضوا لمعاملة قاسية غير إنسانية.

صحيح أن بعض التتار والروس انضموا إلى صفوف الألمان عداءً للشيوعية وسعيًا إلى الخلاص منها، إلا أن أعدادًا كبيرة من التتار انخرطت في المقابل في الجيش السوفيتي دفاعًا عن الوطن وطمعًا في تقدير الرفاق، الذين لا بد أن يمنحوهم شيئًا من الحرية.

بعد 45 عامًا، وفي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، عاد تتار القرم إلى موطنهم، لكن الفترة التي سبقت عودتهم إلى موطنهم شهدت زيادة في عدد السكان الأوكرانيين بعد منح الرئيس السوفيتي نيكيتا خروتشيف القرم إلى أوكرانيا عام 1954، وبذلك تغيرت مرة أخرى تركيبة شبه الجزيرة، وازداد فيها العنصرين الروسي والأوكراني، مما حجّم حضور التتار إلى حد كبير.

تخوف التتار من الحكم الروسي المباشر، والعلاقة التاريخية السيئة بين السلطة الروسية وشعب التتار، خاصة قرار ستالين، شجعت التتار أن يقفوا معارضين للاستفتاء الذي أُجري يوم الـ16 من شهر مارس/آذار 2014

ومع قرار السلطات السوفيتية عام 1989 بحق التتار إلى شبه جزيرة القرم، عاد عشرات الآلاف من التتار من أوزباكستان وتركيا وأوروبا إلى القرم، وبعد ذلك أُنشأ كونغرس خاص بهم، ولجنة تنفيذية أو ما سمي بـ"المجلس"، وانتُخب السياسي الأوكراني التتاري مصطفى جميلوف رئيسًا له.

مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، حقق التتار نصرًا آخر عندما أصبحت شبه جزيرة القرم تابعة لأوكرانيا، وعاش التتار حياة مستقرة نسبيًا، بنوا فيها علاقات جيدة مع جيرانهم إلا أن الثورة التي عاشها الأوكرانيون عام 2014 ضد الرئيس فيكتور يانوكوفيتش لم تحمل في طياتها ما اختاره تتار القرم.

الهروب من القرم.. تاريخ اضطهاد يعيد نفسه

قبل 5 سنوات تقريبًا، وتحديدًا في 27 من فبراير/شباط 2014، غزت روسيا شبه جزيرة القرم، وتمّ انتخاب رئيس حزب الوحدة سيرغي أكسيونوف رئيسًا لحكومة القرم، اعتبر التتار أنّ ما جرى تزويرًا وأن الانتخابات لم تكن صحيحة، ففي الجلسة الاستثنائية التي جرت لانتخاب رئيس الحكومة صوت البرلمانيون لصالح إجراء استفتاء في القرم بشأن الانضمام إلى روسيا.   

تخوف التتار من الحكم الروسي المباشر، والعلاقة التاريخية السيئة بين السلطة الروسية وشعب التتار، خاصة قرار ستالين، شجعت التتار أن يقفوا معارضين للاستفتاء الذي أُجري يوم الـ16 من شهر مارس/آذار 2014، لكنهم باتوا يخشون من تعرض حقوقهم للانتهاك وممارسة الأعمال التعسفية ضدهم بعدما جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح روسيا.  

 الرئيس السابق لبلدية خاتشي سبراي إيلمي أوميروف: "في غضون عام واحد غادر ما بين 10 آلاف و20 ألفًا منهم شبة الجزيرة"

عندما قامت القوات الروسية باحتلال شبه جزيرة القرم وضمها في عام 2014، أطلقت السلطات الجديدة وعودًا كثيرة بشان حماية مواطني شبه الجزيرة،  وتعهد الرئيس الروسي فلادمير بوتين بالسعي إلى تحسين حياة كافة المواطنين بمن فيهم تتار القرم. لكن حواورات ونقاشات عديدية أجرتها وسائل الإعلام مع مواطني القرم الذين يعيشون في كييف تؤكد أن الكثير منهم قد غادر بسبب الخوف.

حول أسباب هروبه، يقول المواطن إيرفان كودوسوف في أحد اللقاءات التليفزيونية: "إنني أشعر أن القرم قد أصبحت سجنًا، ما زلت أتلقى اتصالات من أقاربي تفيد باختفاء أشخاص دون إطلاع الصحافة على ذلك، لماذا؟ لأنه عند اختفاء الأشخاص، لا سيما المسلمين منهم، يخشى الأقارب من إبلاغ السلطات".

إن ذلك أشبه بإبلاغ المجرمين بالجرم الذي يقترفونه، يقول إيرفان، مضيفًا "أنه أمر لا طائل منه"، وتشير الإحصائيات الرسمية إلى حوالي 18 إلى 19 حالة، ولكن في الواقع فإن هناك عددًا أكبر من الحالات، يتم التكتم على تلك الحوادث، بسبب خوف الناس من أن الإبلاغ عن هذه الحالات لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأمور.

بمرور الأيام، يشعر آلاف التتار المسلمين في شبه جزيرة القرم بقلق عميق، ويخشى هؤلاء من أن يكونوا ضحية لتجاوزات محتملة من الغالبية المنحدرة من أصول روسية في حال اندلعت حرب، كما يشعر أفراد من تتار القرم المسلمين القاطنين في المنفى داخل تركيا بخشية كبيرة من سلطة بوتين وأنصاره.  

يشكل تتار القرم المسلمون ثالث أكبر مجموعة سكانية في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا، بعددهم البالغ نحو 250 ألف نسمة، لكن منذ أن ضمت موسكو شبه جزيرة القرم بدأت هذه الأعداد في التناقص، حيث يعيش التتار حالة من الذعر، فهؤلاء يواجهون عمليات خطف وقتل بالجملة ويتهمون السلطات الروسية بتلفيق التهم والاعتقالات التعسفية، وكأن اليوم يعيد التاريخ نفسه.

وبحسب الرئيس السابق لبلدية خاتشي سبراي إيلمي أوميروف، في غضون عام واحد (العام الذي تلى انضمام القرم لروسيا) غادر ما بين 10 آلاف و20 ألفًا منهم شبة الجزيرة واختفى الكثيرون في الأشهرة التالية كما لقى 4 منهم مصرعهم في ظروف غامضة.  

آلاف التتار والأوكرانيين تجمعوا في ميدان الاستقلال وسط العاصمة الأوكرانية كييف لإحياء ذكرى التهجير

جذور الماضي تثقل المستقبل

يوافق هذا الأسبوع، 18 مارس/آذار، الذكرى الخامسة لانتزاع روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وهي خطوة أدخلت روسيا في خلافات كبيرة مع الغرب بزعامة الولايات المتحدة، وكان عنوانها عقوبات اقتصادية كبيرة فرضت على موسكو، وتداعياتها مستمرة حتى اليوم.

تغيرت الأجواء كثيرًا منذ ضم القرم لروسيا، ففي إستديوهات قناة التتار الوحيدة "ATR"، هددت السلطات القناة بالإقفال عدة مرات، ولا تتردد في استخدام القوة، فبعد أشهر قليلة من انتزاع القرم، احتل عشرات من عناصر شرطة مكافحة الشغب الملثمين والمدججين بالأسلحة مبنى القناة، لمصادرة مشاهد مظاهرة لدعم أوكرانيا شارك فيها التتار.

منذ ذلك الحين تلعب الرقابة دورها، حيث يُمنع في وسائل الإعلام القول إن القرم مُحتل، ويُمنع أيضًا إعطاء الكلمة لأشخاص يدعون لمظاهرات غير مرخصة من السلطات كما يُمنع تمرير مثل هذه المظاهرات على الشاشة.   

رغم الضغوطات والاضطهادات التي يعانون منها يرفض التتار مغادرة شبه جزيرة القرم ومحاولات تهجيرهم عن أرض أجدادهم

وفي كل عام يُمنع تتار القرم من التجمع في الساحات لإحياء ذكرى ترحيلهم، وتبرر السلطات الروسية ذلك بالوضع المتوتر بين القوميات في القرم، لكن لا يوجد مكان آخر لهم، أي لمن عارض عام 2014 انضمام القرم لروسيا، فيأتي الحدث أشد وقعًا في نفوسهم بعدما حظرت الدولة الجديدة القديمة العديد من كتبهم الدينية ووسائل إعلامهم وأغلقت مجلسهم ورحلت زعيمهم.

وعلى الرغم من ذلك يتم تنظيم العديد من الفعاليات التي يتضامن فيها أبناء الشعب التتري ويعبرون من خلالها عن وآلامه وطموحاته، وتحيي الغالبية هذه الذكرى في الجبال بعد مقاطعة ما تم تنظيمه رسميًا، وبعدما حظرت السلطات التظاهر والتجمع على التتر، بينما يجد بعض ممن رضي بالأمر الواقع مكانًا له في الدولة الجديدة وجاء إلى ساحة البرلمان ليضيء الشموع.

إذًا هما قطبان أحدهما مؤيد لانضمام القرم إلى روسيا وراضٍ عن الوضع، وآخر رافض لما يجري، لكن شيئًا واحدًا يجمعها دون خلاف ألا وهو الذكرى المأساوية لترحيل شعبه، ورغم الضغوطات والاضطهادات التي يعانون منها يرفض التتار مغادرة شبة جزيرة القرم ومحاولات تهجيرهم عن أرض أجدادهم، أرض ترعرعوا في ربوعها وكتبت صفحات تاريخهم منذ القدم.