أكثر من خطوة سريعة اتخذتها حماس مؤخراً باتجاه مؤسساتها الإعلامية، "وقف بث قناة القدس التابعة لها وتحويلها عبر الانترنت، ووقف طباعة صحيفة الرسالة أول طلائعها الورقية وتحويلها إلى إلكترونية، إضافة لتقليص مساحة عمل فضائية الأقصى التي تبث من غزة باستديوهات صغيرة، والحديث عن انشاء قسم خاص يركز على الإعلام الرقمي لحماس بشكل واسع ومركزي....".

وإن كان السبب الأهم للتحولات الجديدة هو الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها حماس، وتشتت مؤسساتها الإعلامية وكثرتها مع مجالس إدارتها ومدرائها في ظل مصادرها المالية الجيدة سابقاً، إلا أن هناك قناعة جديدة لدى المتحكم في السياق المالي والإعلامي لحماس تُظهر أهمية الإعلام الجديد أكثر من الإعلام التقليدي بوسائله التي أبقت حماس عليها على مدار 22  عام وهي تراكم موظفين على حساب المعلومات والمعرفة، وكمثال تضم شبكة الأقصى الفضائية والإذاعة والمرئية والتي جميعها تبث من غزة  قرابة 400 موظف براتب شهري لا يقل عن 200 ألف دولار في حين كان المركز الشبابي الإعلامي الذي يعتبر المؤسسة الإعلامية الرقمية الرسمية لحماس في غزة يضم سبعة موظفين فقط منهم ثلاثة فقط متخصصون في الاعلام الجديد، تكشف هذه المعلومات عن عجز حماس لتحديث مؤسساتها وفق ما تفتضيه المرحلة الإعلامية التي تمر بها، مع تحديثاتها السياسية واختلاف ميادين القتال بالنسبة لها، أما وكالة شهاب فقد أنشأت على أساس ربحي في البداية.

هنا تظهر المشكلة بتساؤل بسيط، لماذا لم تراكم حماس عمل المركز الفلسطيني للإعلام معرفياً، وتجعله ذاكرة توعوية جمعية كشاهد تاريخي بدل من أن تفتتح عدد مختلف من المؤسسات الإعلامية وتزيد حالة التشتت وعبئها المالي؟ وما حاجة حماس للإعلام التقليدي  والاعلام الرقمي؟

الاستقطاب الداخلي العنوان الأكثر انتشاراً

سؤال المادة الرئيسي عن مدى حاجة حماس للانتقال إلى الاعلام الجديد وقدرتها على الخروج من مأزق القبيلة الرقمية، وتكمن مشكلة المادة في أن الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس منذ ارهاصات الانقسام الفلسطيني عام 2006 حتى اليوم تخوض في تبرير مواقفها الفلسطينية للشارع الفلسطيني  وردة فعلها محصورة في محاولة اقناع الخصوم الداخلية أن الطرف الداخلي الآخر هو المخطئ ضمن ما يمكن أن نسميه مأزق الاستقطاب الحاد في السوشيال ميديا، وكيف صنع كل فصيل قبيلة رقمية خاصة به، أدى هذا لإبقاء فعالية بعض القنوات الإعلامية التقليدية من ناحية، وتعطيل خاصية العالمية عن السوشيال ميديا فيما يتعلق بالدبلوماسية الرقمية الرسمية وغير الرسمية الفلسطينية.

عملت حماس على افتتاح مؤسسات إعلامية ومواقع الكترونية لمناصرة أفكارها، لكن هذه المواقع تشتد وطأتها في الاستقطاب الداخلي أكثر من الاستقطاب الخارجي

إغلاق المركز الفلسطيني للإعلام لمكتبه في غزة وانهاء عمل الموظفين فيه، يعكس أزمة صانع القرار الإعلامي، حيث يعتبر المركز أول موقع استطاع التقدم بلغات مختلفة في السياق العالمي، وواجهة حماس الالكترونية الأولى، وكان واسع الانتشار وبوابة فلسطينية مهمة قبل أن يتغير في سياسته تدريجياً، ثم يتقوقع على نفسه ويجاري الأحداث اليومية، وبين افتتاح المكتب في غزة وإغلاقه أربع سنوات فقط.

لم تستطع حماس من خلال اعلامها الجديد المراكمة على ما سبق، بل عملت على افتتاح مؤسسات إعلامية ومواقع الكترونية لمناصرة أفكارها، لكن هذه المواقع تشتد وطأتها في الاستقطاب الداخلي أكثر من الاستقطاب الخارجي، وقد شهدت الأعوام الأخيرة السابقة للأزمة ظهور شخصيات شبابية من داخل حماس تقدموا في المشهد الإعلامي الرقمي لكن بمبادرات فردية، وأصبحت المنصات الالكترونية التابعة لحماس تشبه منصات الأخبار السريعة والخفيفة، غائبة عنها التحقيقات والفيديو والصورة والمقابلات والتفرد بالمعلومات حتى من طرف حماس، فإن المواقع الخاصة بالحركة تتأخر دوماً في نشر ما يخص الحركة، حتى بدأت تغلق في مؤسساتها الإعلامية وتقييم حاجتها للعاملين فيها،  تقليلاً لحدة أزمتها المالية.

متأخرون دوماً.. القضية الفلسطينية أولاً

من ناحية الفعالية هناك فعالية كبيرة للخطاب الفلسطيني الداخلي الموجه للداخل في العالم الرقمي يعني "من الداخل للداخل"، وفجوة كبيرة في فعالية هذا الخطاب للعالم الخارجي مع الأخذ بالاعتبار أهمية القضية الفلسطينية في سياقاتها المختلفة، خصوصاً أن ما يطرحه الاعلام الرقمي الفلسطيني يقدم باللغة العربية في مجمله وجزء مهم منه باللهجة الدارجة الفلسطينية، هذا يكشف غياب الرؤية الاستراتيجية والتنفيذية عند صانع القرار الإعلامي لدى الفصائل وعلى رأسها حماس، أو عدم خبرته في توجيه المسار للخارج.

ما يقدم اليوم ضمن منصات التواصل الجديدة سواء أون لاين أو من خلال المؤتمرات التجمعية التشاركية، تتعارض مع فرضية الانتشار

وفي الوقت الذي سارع فيه الاحتلال الإسرائيلي لفتح صفحات عبر الاعلام الرقمي متخصصة بلهجات معينة يشرف عليها خبراء متخصصون باللغة وموجهون جيداً، ويعرفون تماماً كيف يعيدون توجيه المعلومات والبيانات، مثل "إسرائيل بالعربية، أو إسرائيل باللهجة العراقية، لم يقدم الفلسطينيون شيئاً رسمياً مدعوماً يشبه صفحات العدو، بل ظلوا يزيدون مؤسساتهم التي أثرت على السياق السياسي الفلسطيني ككل.

وما يقدم اليوم ضمن منصات التواصل الجديدة سواء أون لاين أو من خلال المؤتمرات التجمعية التشاركية، تتعارض مع فرضية الانتشار، حيث حصرت حماس نفسها في أماكن محددة، أو تأخرت في عرض محتواها الجديد بطريقة أكثر سرعة وفعالية، فلم تواكب الحداثة الجديدة في شكل الصحافة والإعلام المرئي العالمي.

ولكن هل يعني ذلك أن حماس لن تنجح في العالم الرقمي أو من الممكن أن تحقق اختراق على الصعيد الإقليمي والدولي؟

مشكلة عدم البناء التراكمي وعدم التحديث السريع للأدوات والتشتيت الذي توافق مع رغبة بعض صناع القرار في حماس أن يكون لهم منصاتهم الخاصة وسيطرتهم الخاصة عليها، لكن في النهاية ظلت هذه المنصات الإعلامية الحمساوية الأكثر عدداً مقارنة بالفصائل الفلسطينية الأخرى، ما عدا محمد دحلان قائد تيار فتح الإصلاحي والمفصول من فتح بقرار لجنة مركزية، قد بدأ تصاعده الإعلامي بشكل واضح، لكنه يقع في نفس المأزق التي تقع فيه حماس، التشتت والاستقطاب الداخلي.

لم تستطع حماس صناعة رموزها الإعلاميين النشطين في العالم الرقمي برغم محاولاتها المتكررة، ولم تستطع شراء نجوم مشهورين لها في الساحة الرقمية الجديدة عبر العالم الرقمي

يمكن اعتبار المشكلة الأبرز لدى حماس في صانع قرارها الإعلامي الذي بقي على حاله لسنوات طويلة، في حين قطع الشباب ضمن جيل الرقمنة الجديد أشواطاً طويلة دون الاستعانة برأيهم، كما أن حالة الاستقطاب الداخلي الفلسطيني أفشلت تجربة الجميع في الاعلام الرقمي وليس حماس فقط، فلو ركز الكل الفلسطيني على توحيد خطاب اعلامي ذو محتوى يشارك فيه الكل الفلسطيني وبلهجات ولغات مختلفة خير من حالة التشتت الحاصلة، وضعف التقاطعات الثقافية والتاريخية والأدبية  مع شعوب العالم.

ولم تستطع حماس صناعة رموزها الإعلاميين النشطين في العالم الرقمي برغم محاولاتها المتكررة، ولم تستطع شراء نجوم مشهورين لها في الساحة الرقمية الجديدة عبر العالم الرقمي، وقد ظلت تحت عباءة أن منصات التواصل الاجتماعي مؤامرة حتى فترة عام 2010، ولن تستطيع مستقبلاً أن تتقدم لشرح أفكارها أو معتقداتها للناس أو فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية في ظل صانع قرار اعلامي موجود في مكانه قبل ظهور الاعلام الرقمي حتى وقد شارك في تعزيز الانقسام الحاصل ضمن قراراته، ، وهو ما يجب إعادة النظر فيه أولاً "صانع القرار الإعلامي".