لم يكن «الدب الروسي» في حاجة إلى شهادة البروفيسورة الدولية جودي تويغ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فرجينيا الأمريكية، التي أكدت أنه انتصر في حرب العقوبات المفروضة على روسيا من أمريكا وبعض حلفائها الغربيين، خلال تصريحات نقلتها الصحف، عن مجلة National Interest قبل أيام، فما تربحته موسكو من مكاسب سياسية واقتصادية على مدار سنوات، يهدد ببقاء السيطرة الأمريكية على العالم، إذا ما استمرت في فرض عقوبات لانهائية دون شرط أو قيد.

ماذا تعني العقوبات للصراع الأمريكي الروسي ؟

تعتمد الولايات المتحدة في حربها الوجودية مع روسيا على العقوبات، هي الأداة الأساسية الفعالة لضمان الإجهاز على أسد جريح، يسعى لإستعادة مملكته المتداعية في غابة لاترحم، وما يجعله على درجة كبيرة من الأمل، الأخطاء الغريبة لبرامج العقوبات الأمريكية، التي دائما ما تكون ضعيفة التصميم والتنفيذ، فتعود على الولايات المتحدة بالكثير من الأزمات والمشاكل.

أكثر العقوبات وضوحا وشهرة، كانت تلك المتعلقة بأزمة أوكرانيا، وما اعتبرته أمريكا عدوانا روسيًا على حليفتها الأوروبية، في ظل تشجيع موسكو العلني على انفصال «القرم»

بحسب المعلن على ألسنة الساسة، وصناع القرار في أمريكا، تهدف عقوبات الولايات المتحدة ضد روسيا، إلى تغيير سلوك الأخيرة في العالم، والابتعاد عن الدوران الدائم في فلك معادي للقيم الغربية التي تشكل حجر الزاوية للإلتزامات الدولية، ومن أجل ذلك، فرضت الولايات المتحدة خلال الـ 6 سنوات الماضية، أكثر من 60 نمطًا من العقوبات على الأفراد والشركات والوكالات الحكومية الروسية.

أكثر العقوبات وضوحا وشهرة، كانت تلك المتعلقة بأزمة أوكرانيا، وما اعتبرته أمريكا عدوانا روسيًا على حليفتها الأوروبية، في ظل تشجيع موسكو العلني على انفصال «القرم»، مرورا بضمها إليها بعد إستفتاء شعبي مثير للجدل، ورغم امتثال روسيا لاتفاق مينسك لوقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا، إلا أن الولايات المتحدة استمرت في وضع المزيد من العقوبات على الأفراد والشركات الروسية.

اتفاق مينسك لحل أزمة أوكرانيا

في أبريل من عام 2018، فرضت أمريكا ما سمى بـ«عقوبات القلة» على روسيا، كان لافتا أنها تستهدف الأنشطة الروسية على الإنترنت، وعمليات نقل الأسلحة إلى سوريا، كما هدفت إلى تحييد روسيا عن الاستفادة من نظام بشار الأسد، وبعبارات شبه مطاطية، وضعت بندًا آخر للعقوبات، يستهدف منع موسكو من ممارسة «أنشطة خبيثة» بجميع أنحاء العالم، لتمنح الولايات المتحدة لنفسها حق اتخاذ القرار نيابة عن الكوكب في اتخاذ تهذيب روسيا وردعها على جميع المستويات .

بشكل أو بأخر، يمكن القول أن قائمة العقوبات الأمريكية على روسيا لا حصر لها، والمبرارات لها لاحصر لها أيضا، موسكو من وجهة نظرها، لاتمتثل جيدًا للعقوبات الأمريكية المفروضة على مناطق مختلفة من العالم، وتتدخل في الانتخابات الأمريكية، وتخترق كياناتها، ولابد من دفع ثمن مناسب، يضاف إليه تكاليف ردع ضرورية، للأعمال العدوانية المستقبلية للاتزام بالمعايير الدولية.

ما الذي انتهت إليه .. هل حققت أهدافها ؟

تختلف التقييمات بحق العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا، وخاصة منذ إندلاع أزمة أوكرانيا، فالأصوات المؤيدة لأمريكا، ترى أن عقوباتها عرقلت روسيا اقتصاديا، وطوقت غريزتها الراغبة في ابتلاع الأراضي الأوكرانية، في المقابل تتحدث الأصوات المعارضة عن صعوبة إثبات هذه الفرضية، في ظل عدم حاجة روسيا إلى غزو أوكرانيا، سواء لتكلفتها العالية، أو لعدم رغبتها في الظهور كقوة استعمار جديدة، وهذا الطرح يؤيده بشدة ضعف قدرة العقوبات الأمريكية، على إزام موسكو باتفاقيات مينسك، فلاتزال القوات الروسية في شرق أوكرانيا حتى الآن منذ 4 سنوات، بل وواصلت التصعيد قبل أشهر قليلة، باعتقال بحارة أوكرانيين في البحر الأسود، ومارست سياسة التحشيد العسكري في المنطقة، بإرسال مظمة صواريخ أرض جو، من طراز إس 400 إلى شبه جزيرة القرم لتأكيد سيطرتها على الإقليم

للخبر بقية│روسيا وأوكرانيا .. تحشيد عسكري

استهدفت العقوبات الأمريكية الأفراد والشركات الروسية، التي اتبعت حكومتها في عدم الامتثال لبرامج العقوبات على البلدان والمؤسسات الدولية، وقيدت وصولها إلى النظام المالي، ولكنها لم تفلح في هدفها الأكبر، بتقويم سلوك موسكو، التي أشارت تقاريت عدة إلى تصاعد نشاطها المخابراتي في الغرب، توجته بتسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في سالزبوري ببريطانيا، والتدخل بشكل كبير، في الانتخابات التي جاءت بترامب رئيسا، وهي اتهامات لازالت منظورة أمام الجهات المعنية بأمريكا.

ويبدو أن روسيا تعلم جيدا، ما تهدف إليه العقوبات الأمريكية، المصممة لإرباكها في الساحة العالمية وتحجيم طموحها، فالعقوبات المتزايدة بالنسبة لها ذات طبيعة تعسفية، وتستند في هذه النتيجة على السعي الدائم لمعاقبة الشركات الروسية على سياسة بلادها، بغض النظر عما تفعله روسيا على الساحة العالمية، لهذا تتحرك لإفشال العقوبات، بل وتحويلها إلى مسارات تأتي بنتائح عكسية على أمريكا ومن يؤيدها.

كيف استفادت روسيا من العقوبات الأمريكية ؟

أفرطت أمريكا بشكل مثير في استخدام العقوبات على الشركات الروسية، بما يتنافى مع القيم الأمريكية نفسها، الداعية إلى السوق الحرة، وهو السلاح الذي استخدمته الحكومة الروسية لتدشين صندوق للأزمات بمليارات الدولارات بداية من 2015، قدمت من خلاله مساعدات للشركات المتضررة من العقوبات، ما يعني زيادة اعتماد شركاتها عليها، وبدلا من تقليص الدعم لها، لإضعافها أمام المنافسيين الغربيين، أصبح هناك مساندة حكومية مفتوحة، بما تحمله من أرباح للدولة نفسها، وتسبب خللا كبيرًا للمنافسين، الذين أصبحوا في مواجهة تنافسية صريحة مع دولة بحجم روسيا.

موسكو، نجحت في دفع البيت الأبيض لتوريط الكونجرس في توقيع عقوبات عليها، مما يعني أن رفعها سيستلزم أيضا موافقته على الانسحاب وفق آليات معقدة

ورغم مشاركة بعض الدول الأوروربية في العقوبات على روسيا، إلا أن الأخيرة، نجحت في الاستفادة من التأثير الضار على شركائها الأوربيين، بسبب عدم هندسة العقوبات الأمريكية مع بروكسيل، ما وضع البلدان الحليفة لأمريكا نفسها، تحت طائلة العقوبات على موسكو، التي تشارك بقوة بالسوق الأوروبية، وتعتمد عليها أكثر من السوق الأمريكية، وهو مايحقق منافع اقتصادية كبيرة لأوروبا، تستدعي إشعال توترات بين واشنطن وبروكسل، رفضا للإفراط في العقوبات التي تآكلت فعاليتها واقعيا، ودفعت روسيا والصين وغيرهم من خصوم الولايات المتحدة، لتطوير حلول وآليات بديلة تتجاوز النظام المالي الأمريكي.

المثير أن موسكو، نجحت في دفع البيت الأبيض لتوريط الكونجرس في توقيع عقوبات عليها، مما يعني أن رفعها سيستلزم أيضا موافقته على الانسحاب وفق آليات معقدة،  مما يكسبها حافزًا وشرعية في رد الهجوم لأمريكا، وشن حملة عليها لتوسيع نطاق تحالفتها، انطلاقا من الهدف النهائي للسياسة الأمريكية، التي تستعى العقاب بشكل دائم على معارضي سياساتها، بما يتطلب الحاجة إلى نظام عالمي جديد.

وتعتمد الثقة الروسية في السعي لتدشين نظام عالمي، في قدرتها على مواجهة البطش الأمريكي، وما يسمى بالحرب التجارية، التي حققت نتائج معاكسة تماما، فعلى المستوى العملي، تنمو روسيا وتحقق نتائج غير مسبوقة على مختلف الأصعدة، من نجاح كبير في تنظيم كأس العالم 2018، الذي سبقه مقاطعات أمريكية وأوروبية، ومحاولات لفرض عزلة دولية عليها، مرورا بفرض منطقها ونفوذها كلاعب أساسي في الحرب السورية، بجانب المضي في الإنجازات العسكرية والعلمية، نهاية بالتفوق الاقتصادي الذي رصدته وكالة التصنيف الدولية Fitch، وأشادت بحفاظ الاقتصاد الروسي على اتزانه وعدم تأثره بالعقوبات، رغم التقلبات الابتدائية، والارتفاع في سعر صرف العملات الأجنبية، وخاصة الدولار الأمريكي أمام الروبل الروسي.

خلقت روسيا تحالفات استراتيجية في قضايا السياسة الخارجية​​​ والاقتصادية بينها وبين هذه الدول، وربطتهم معها في مصير مشترك

حققت روسيا توازن مالي قوي، واستطاعت الحفاظ على تدفق التمويل الخارجي، بجانب الثبات في السياسة الاقتصادية للبلاد، التي مكنتها من كسب أوراق ضغط كثيرة على واشنطن، في القلب منها، العلاقات التجارية المنفتحة مع الصين، وكوريا الشمالية، وإيران، وتركيا ومجموعة الاوراسية، ومجموعة البيركس، والعراق، وسوريا، بجانب إعادة الاعتبار للأسلحة الروسية انطلاقا من الحرب السورية، ما فتح لها أسواق عدة بالعديد من الدول، استخدمتها في عمل توزان استراتيجي مع الأسلحة الأمريكية والغربية.

خلقت روسيا تحالفات استراتيجية في قضايا السياسة الخارجية​​​ والاقتصادية بينها وبين هذه الدول، وربطتهم معها في مصير مشترك، لذا تضع نفسها بشكل دائم في خدمة حلفائها، وكان ذلك واضحا من فتح مخازن الجيش الروسي للعراق في 2014، وتزويده بمروحيات صياد الليل الحديثة، وطائرات سوخوي لمواجهة تنظيم داعش، في الوقت الذي كانت تراوغ أميركا، وترفض تسليم العراق طائرات أف 16، إلا بعد الموافقة على شروط قاسية لاستعمالها، تنال من استقلاله وكرامته الوطنية .

أعادت روسيا توظيف القطاع الزراعي بعدما كان يعاني من إهمال كبير، واستخدمت القمح والنفط والغاز والإعلام في المواجهة الساخنة مع أمريكا، وأدارت الحرب التجاربة بتسليط الضوء على ثغرات الاقتصاد الأمريكي، وسعت من البداية ألا تقترب العقوبات الأمريكية من المواطن الروسي، وفي مقابل تقليل سعر صرف الروبل أمام الدولار، لجأت إلى تزويد المواطنين بما يحتاجون من مواد، بأسلوب الدفع بالأجل، وعبر آليات ميسرة، لا تسمح للمواطن بإرهاق كاهله بالدين، لتربح موسكو معركة العقوبات المفروضة عليها بشكل شبه كامل حتى الآن.