قد لا تستطيع الكلمات وصف هول ما حدث في الموصل، ففي الساعة الثالثة وتسع دقائق من عصر يوم الخميس 21 من مارس/آذار، شهدت الموصل كارثة إنسانية لم يسبق لها مثيل مشابه في تاريخ المدينة.

عبّارة بدائية انقرضت منذ عشرات السنين، كانت تستخدم للتنقل بين شاطئ نهر دجلة من الجانب الأيسر وشاطئ جزيرة أم الربيعين السياحية وسط النهر، انفلتت العبارة من عقالها بسبب الحمولة الزائدة وفقدانها لشروط السلامة، ليؤدي انفلاتها خلال دقائق إلى مقتل 100 موصلي جلهم من النساء والأطفال، وفقدان ما لا يقل عن 70 آخرين لم يعثر على رفاتهم حتى اللحظة.

وبحسب مدير عام صحة نينوى فلاح الطائي الذي تحدث لـ"نون بوست"، فإن عدد الضحايا بلغ قرابة المئة منهم 64 امرأةً و10 أطفال من الإناث و8 أطفال من الذكور و17 رجلاً.

قصص ومآس

من تحت الجسر القديم (الحديدي)، وعلى الرغم من مرور قرابة الـ48 ساعة على الحادثة، إلا أن عائلة الحاج عيدان أبت إلا أن تأتي بمن تبقى من أفرادها، علهم يصادفون لحظة العثور على جثث ذويهم.

الحاج عيدان

هول المشهد لم يدع فرصة للحديث إلى الحاج عيدان مباشرة، فكان الحديث مع أحد أقاربه ممن حضروا معه علهم يجدون جثث أبنائهم، يقول قريب الحاج عيدان لـ"نون بوست" ويدعى محمد إن العائلة فقدت شابًا وامرأتين مع طفلين، ولم يعثر على جثثهم حتى اللحظة، فقد كانوا على متن العبارة وقت غرقها، ويبدو أن تيارات الماء جرتهم إلى قاع النهر، أما عائلة الحاج عيدان ذاتها فالصورة تكفي للتعبير عن هول ما يعايشوه، مع تراجع الأمل بقرب العثور على مزيد من المفقودين.

الحاج بشار الذي يقف منذ غرق العبارة أمام الطب العدلي، يبدو أن هول الصدمة حبس دموعه ولم يعد يستطع ذرف دمعة على من فقدهم، فهو الذي فقد ولديه في غرق العبارة، وعثر على جثة أحدهما وما زال ينتظر علّه يُبشر بخبر العثور على جثة ولده الثاني، يقول الحاج بشار لـ"نون بوست" إنه لا يريد أي شيء من أي مسؤول، مضيفًا: "يا ناس كل ما أريده جثة ولدي، حتى أستطيع زيارة قبره".

عائلتان ناجيتان فقط

جميع العوائل التي كانت على متن العبارة فجعت بكل أو أحد أفرادها، إلا عائلتين فقط ولعل القدر لم يكتب على أفراد العائلتين الموت، بل جعلهم شهودًا على مدى الاستهتار بحياة الأبرياء.

ركب محمد إبراهيم مع زوجته وطفليه العبارة، وظل فيها قرابة الخمس دقائق قبل انطلاقها نحو رحلتها الأخيرة، يقول إبراهيم لـ"نون بوست" إنه بعد أن صعد وعائلته إلى العبارة بغية الوصول إلى الجزيرة السياحية، لاحظ مدى اكتظاظ الناس على متنها ومدى جشع المستثمر، وبسبب الازدحام الشديد والتدافع الذي حصل بين الشباب وعدم قدرته وعائلته على الحركة على متن العبارة، قرر أن ينزل منها ويذهب إلى محل آخر وهو كازينو القبطان المقابل للجزيرة.

جزيرة أم الربيعين السياحية التي وقعت فيها الكارثة

يضيف إبراهيم أنه وبعد أن نزل مباشرة، لاحظ أن عائلة أخرى حذت حذوه ونزلت، مضيفًا: "لم تكد تمر عشر دقائق على نزولنا من العبارة، ووصولنا إلى بوابة كازينو شاطئ القبطان المواجهة للجزيرة، حتى بدأنا بسماع صراخ الناس أن العبارة تغرق بمن فيها".

وعندئذ كانت الصدمة، يقول إبراهيم إنه لم يستطع التكلم طيلة يومي الخميس والجمعة من الصدمة التي عايشها والمنظر الذي رآه والناس تغرق أمامه، مضيفًا أن أحلامًا في يقظته باتت تراوده "ماذا لو لم أنزل مع عائلتي من العبارة، مصيبة والله".

جهود محلية للإنقاذ

قصص العبارة لا تتوقف عند من فقدوا محبيهم، بل إنها تمتد لتشمل معظم من كان شاهدًا عليها، أحد عمال الكازينوهات في منطقة الغابات ويدعى مهند وهبي تحدث لـ"نون بوست" عن هول ما عايشه في الساعة الأولى لغرق العبارة.

يقول وهبي إنه فور أن غرقت العبارة وبعد قرابة دقيقتين على الحادثة بدأ يشاهد العوائل وهي تحاول النجاة من تيارات المياه السريعة، فقفز من فوره إلى الماء واستطاع سحب إحدى النساء إلى الشاطئ بعد صراع طويل مع تيارات المياه التي تحاول جره بعيدًا.

المنقذ مهند وهبي

فرحة وهبي لم تكتمل، إذ إن المرأة التي استطاع إنقاذها وإيصالها إلى الشاطئ وهي على قيد الحياة، لفظت أنفاسها الأخيرة بعد قرابة الثلاث دقائق، ورغم أنه فعل ما بوسعه من أجل استعادتها للحياة، فإن جهوده لم تفلح.

لا تقف قصة وهبي عند هذا الحد، فبعد نصف ساعة على الحادثة، قفز مرة أخرى إلى الماء بعد أن شاهد جثة امرأة أخرى، ويضيف أنه استطاع ومجموعة من الشباب سحبها إلى جزيرة صغيرة وسط النهر بعد أن علقت على حافتها، ولم يستطع انتشال الجثة من الجزيرة إلا بعد ساعة كاملة بسبب قوة تيارات دجلة، وعدم توافر زوارق فارغة، فجميعها كانت محملة بجثث الأطفال والنساء، بحسبه.

إهمال يفوق الوصف

جمع كبير من شباب الموصل خرجوا في مسيرة سلمية أمام موقع الحادث، جل شعارات الموصليين كانت تنادي بمحاسبة الفاسدين ومعاقبتهم في موقع الحادث.

مظاهرات شباب الموصل

إذ يبدو ومن خلال كاميرات المراقبة التابعة للجزيرة السياحية، أن العبارة لم تكن تضم أيًا من وسائل السلامة، فلا نجادات ولا طوافات ولا زوارق إنقاذ ولا أي شيء، وبحسبة بسيطة فإن العبارة التي تبلغ مساحتها 50 مترًا، لم تكن تحتمل أكثر من 100 شخص في حالة الذروة القصوى على اعتبار أن لكل متر مربع شخصين.

يبدو أن كارثة العبارة لن تنسى، فالموصليون الذين لم يستفيقوا بعد من كارثة المعركة الطاحنة التي سحقت مدينتهم، فجعوا في أولى أيام الربيع بغرق العشرات وفقدان مثلهم، في ظل بلد يفتقر لأبسط وسائل السلامة ولا قيمة فيه لحياة الإنسان.