بينما يقترب من يومه المئة يواصل المحتجون في السودان حراكهم الشعبي متمسكين بمطالبهم المرفوعة منذ بداية انتفاضتهم في الـ19 من ديسمبر الماضي على رأسها إسقاط نظام الرئيس عمر البشير وتشكيل حكومة انتقالية وإجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية.

ورغم جهود التهدئة ومحاولات الإجهاض لا يزال الشارع السوداني مشتعلاً بالتظاهرات التي أعطت الحراك زخمًا سياسيًا وإعلاميًا ليس على المستوى الداخلي فحسب بل امتدت لخارج الحدود الجغرافية للدولة، الأمر الذي وضع الحكومة في موقف حرج، عززه فشلها في التعاطي مع المطالب التي وصفت من كثير من القوى السياسية بالمشروعة.

أول أمس وبعد صلاة الجمعة خرجت عدة مظاهرات في خمسة مواقع بولاية الخرطوم على الأقل، البداية كانت بمسجد الأنصار حزب الأمة بود نوباوي في أم درمان حيث خرج المصلون وهم يلوحون بأعلام الحزب ويهتفون بـ"حرية سلام وعدالة.. الثورة خيار الشعب".

كما شهدت أحياء الشعبية وشمبات بالخرطوم بحري والرميلة والطائف بالخرطوم والمهندسين بأم درمان، خروج عشرات المصلين من المساجد للمطالبة بتنحي البشير، من بينهم نساء وأطفال، فيما أحرق محتجون الإطارات في الشوارع الداخلية لشارع السواحلي بحي الطائف (شرقي الخرطوم).

وفي المقابل شهدت تلك التظاهرات مناوشات مع بعض رجال الأمن التي أطلقت الغاز المسيل للدموع على المحتجين، وحاولت اقتحام المسجد لدى احتماء المصلين بأسواره، إلا أنه لم تصدر بيانات بشأن وقوع ضحايا أو مصابين في صفوف المتظاهرين أو قوات الشرطة.

المقاطعة الاقتصادية.. أحدث الأسلحة

اللافت للنظر في التصعيد الأخير اللجوء للمقاطعة الاقتصادية كأحد وسائل الضغط، حيث دعت بعض القوى المعارضة المشاركة في الانتفاضة إلى تعزيز سبل المقاطعة كخطوة مهمة في طريق المقاوة السلمية، والعمل على إنجاحها بالمشاركة الفعالة والإعلام والترويج لها على نطاق واسع.

تجمع المهنيين السودانيين وعلى صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أكد أن "المقاطعة الاقتصادية الشعبية إحدى وسائل المقاومة السلمية الفعالة في تجفيف موارد النظام، ويصعب تحجيمها بأي شكلٍ من أشكال القمع، وهي مبنية على الرفض الجماعي السلمي، والامتناع طوعًا والتوقف عن استخدام أو شراء أو التعامل مع منتجات شركة ما أو دولة ما أو إقامة أي علاقة اقتصادية معها، وتكون بأهدافٍ معلنةٍ مُسبقًا للضغط عليها أو إرغامها على الاستجابة لتلك المطالب وتغيير مواقفها أو سياساتها المرفوضة".

المقاطعة الاقتصادية ببساطة هي عملية التوقف الشعبي الطوعي وبشكل جماعي عن استخدام أو شراء أو التعامل مع أي سلعة أو خدمة تنتجها أو تقدمها مؤسسة أو شركة تدعم النظام وأجهزة قمعه ماليًا أو سياسيًا أو تسيء لشعبنا العظيم وثواره

وأطلق التجمع حملة واسعة محرضًا أنصاره على مقاطعة عدد من الشركات الخاصة والمصارف والمشافي التي قال إنها تابعة لمؤيدين للحكومة، معتبرًا أنها "أداة جديدة ومجربة من أدوات المقاومة السلمية، وحان أوان إشهارها".

وعن كيفية تفعيلها، وفي بيان له أوضح أن "المقاطعة الاقتصادية ببساطة هي عملية التوقف الشعبي الطوعي وبشكل جماعي عن استخدام أو شراء أو التعامل مع أي سلعة أو خدمة تنتجها أو تقدمها مؤسسة أو شركة تدعم النظام وأجهزة قمعه ماليًا أو سياسيًا أو تسيء لشعبنا العظيم وثواره"، محددًا مقاطعة صحيفتي "المجهر السياسي" و"ألوان" لناشريها الهندي عز الدين وحسين خوجلي، وفضائية "سودانية 24" التي يديرها الطاهر حسن التوم "لتأييدها الحكومة ضد المحتجين".

كما طلب من أنصاره مقاطعة بنك أم درمان الوطني التابع للجيش وشركة سين للغلال التابعة لجهاز الأمن ومستشفيات الزيتونة ويستبشرون وعلياء، باعتبار أن بعضها تعود ملكيته لوزير الصحة بولاية الخرطوم مأمون حميدة، مصدرًا ملصقات توضح أسماء الشركات والمرافق التي دعا لمقاطعتها والجهات التي تملكها وكيفية مقاطعتها.

وتهدف حملة المقاطعة وفق التجمع إلى تحقيق حزمة من النتائج منها: تعرية الأفراد والمؤسسات المالية والتجارية التي تدعم النظام الفاسد التي تتبع له وتحجيم دور الأفراد والمؤسسات الداعمة للنظام بإدخالها في مشكلات مالية متتابعة وتجفيف مصادر التمويل الداخلي للنظام التي يعتمد عليها في قمع جماهير شعبنا.

هذا بخلاف إفقار الشركات والمؤسسات الربحية التي تتبع للنظام، وبناها بخصخصة مؤسسات القطاع العام وبيعها لمنسوبيه، التي تستمد أرباحها على حساب شعبنا الحبيب وقوته بالاحتكارات المحمية من النظام، بجانب إدخال السلطة القمعية في دائرة العجز عن التمويل لأسلحة القمع والقتل والتعذيب والانتهاكات ومنصرفات جهاز أمن النظام ومليشياته وكتائب ظله المأجورة.

تجارب ناجحة

المقاطعة كخيار سلمي للضغط على الحكومات لتحقيق مطالب شعبية أثبت التاريخ نجاحها في العديد من التجارب وفي مناطق مختلفة من العالم، وهو ما استند إليه التجمع في دعوته التي راهن في نجاحها على المشاركة الواسعة للجماهير فيها وإيمانها بجدواها، ولا يقتصر دور الفرد فيها على المشاركة فقط، بل يمتد إلى الإعلام والإعلان عنها بكل الوسائل مما يزيد من قوتها وتأثيرها وصولاً لأهدافها المعلنة.

ففي عام 1920 دعا الزعيم الهندي المهاتما غاندي إلى حملة مقاطعة شعبية لكل البضائع القماشية المصنوعة من المستعمر البريطاني للتسويق في الهند، وأطلقها بجملته المشهورة "احمل مغزلك واتبعني"، وقد كانت هذه الحملة خطوة مهمة في إشعال فتيل المقاومة الشعبية الهندية ضد الاستعمار البريطاني وإجباره على الرحيل من الأراضي الهندية.

نجحت حملة المقاطعة الشعبية في المغرب العام الماضي لبعض منتجات الشركات المحتكرة للأسواق في المملكة في رضوخها لمطالب الجماهير وخفض أسعار منتجاتها

وفي عام 1955 نجح المعارضون لقانون الفصل العنصري في تدشين حملة لمقاطعة حافلات النقل العام بمدينة مونتغومري في ولاية ألباما الأمريكية، التي أتت بمناشدةٍ من قيادات حركة الحقوق المدنية بالولايات المتحدة الأمريكية وعلى رأسهم مارتن لوثر كينغ، وقد أدت هذه الحملة لإلغاء القانون المجحف بأمر محكمة أمريكية.

وعربيًا نجحت حملة المقاطعة الشعبية في المغرب العام الماضي لبعض منتجات الشركات المحتكرة للأسواق في المملكة في رضوخها لمطالب الجماهير وخفض أسعار منتجاتها وذلك بعدما تكبدت الكثير من الخسائر جراء المقاطعة التي لاقت ترحيبًا ومشاركة كبيرة من أبناء المغرب.

تنوع وسائل المقاومة

منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية في السودان في ديسمبر الماضي لجأ الغاضبون إلى العديد من وسائل المقاومة التي اتخذت من السلمية شعارًا لها، وهو الأمر الذي ربما ساعد على بقاء الحراك على أشده حتى اليوم رغم المحاولات والجهود المبذولة لاحتوائه والسيطرة عليه من الحكومة والموالين لها.

الكثير من الإستراتيجيات اعتمد عليها المحتجون للضغط على نظام البشير، على رأسها الإضراب والعصيان المدني، وهو ما التزم به قطاع كبير من الشعب السوداني، في مقدمتهم الأطباء والصيادلة والمعلمين، ما كان له أبلغ الأثر في إحداث هزة في المجتمع السوداني غير أن عدم الاستمرار فيه بجانب عدم التزام  قطاع كبير من المؤيدين للحكومة ساهم في عدم تحقيق تلك التكتيكات لأهدافها كاملة وإن نجحت في بعض الأوقات في ذلك.

يتوقف نجاح سلاح المقاطعة في تحقيق أهدافه على حجم المشاركة في الحملة، خاصة أنه ولأول مرة تصدر القوى الشعبية السودانية المشاركة في الانتفاضة جدولاً للاحتجاجات يمتد لمدة أسبوعين كاملين

في كل الأحوال يمكن القول إن الحراك نجح في تحقيق العديد من المكاسب في الصراع مع النظام، بأقل مجهود، علاوة على اكتسابه ثقة كسر بها حاجز الخوف من السلطة، الأمر الذي يعني أن سلاح العصيان سيكون خيارًا في أي مواجهة قادمة، ومن الممكن إحداث بعض التكتيات الجديدة التي تزيد من فعاليته.

وفي المقابل تكبدت السلطات العديد من الخسائر التي ربما لم تكن في حساباتها، منها إجهاض الجهود الدبلوماسية المبذولة للتقارب مع الغرب على رأسه الولايات المتحدة في ظل فشل التسويق للعامل الأبرز في هذا الاتجاه وهو استقرار الأوضاع في السودان، إضافة إلى فقدان الثقة في قدرة النظام على فرض السيطرة وحماية الأمن في الدولة، بجانب إسقاط نظرية تمثيل المعارضة السياسية للشارع السوداني الذي انتفض بتلقائية دون قيادة أو توجيه.

ويتوقف نجاح سلاح المقاطعة في تحقيق أهدافه على حجم المشاركة في الحملة، خاصة أنه ولأول مرة تصدر القوى الشعبية السودانية المشاركة في الانتفاضة جدولاً للاحتجاجات يمتد لمدة أسبوعين كاملين، إذ إنه من المقرر أن تتواصل وبحسب الجدول المعلن حتى الـ6 من أبريل/نيسان القادم، الذي يوافق الذكرى السنوية لانتفاضة أبريل/نيسان 1985 التي أطاحت بالرئيس الأسبق المشير جعفر نميري.