ثمان سنوات من النزاع المسلح بين حكومة مالي والجماعات المتطرفة

في هجوم هو الأكثر دموية في وسط مالي خلال الأونة الأخيرة قُتل 134 شخصا على الأقل في هجوم شنه مسلحون على قبائل الفولاني، أمس السبت، فيما أصيب العشرات لتعمق جراح تلك المنطقة التي تعاني من الصراعات العرقية والعنف بين العديد من الفصائل القبلية.

المسلحون كانوا يرتدون الزي التقليدي لقبائل عرقية الدونزو، وحاصروا أوجوساجو قبل الهجوم عليها في حوالي الساعة الرابعة صباحا بالتوقيت المحلي (0400 بتوقيت جرينتش)، بحسب ما أفاد مولاي جيندو رئيس بلدية مدينة بانكاس، الذي أضاف أن قرية ويلينجارا القريبة من الحدث، والتي يعيش فيها أيضا منتمون لقبائل الفولاني، تعرضت أيضا لهجوم مما أسفر عن وقوع ”عدد“ من القتلى، مشيرا إلى أن عددهم ليس معروفا حتى الآن.

الهجوم تزامن مع زيارة لبعثة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى مالي لمحاولة إيجاد سبل لوقف العنف الذي أودي بحياة مئات المدنيين العام الماضي، فيما أفاد بعض سكان القرية أن الهجوم كان ردا على ما يبدو على إعلان جماعة تابعة لتنظيم القاعدة يوم الجمعة مسؤوليتها عن هجوم الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل 23 جنديا.. فما الذي يحدث في مالي؟

انقلاب 2012.. كلمة السر

التمرد أو الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي في مارس 2012 كان النقطة الفاصلة في انزلاق البلاد إلى مستنقع الدم طيلة السنوات الست الماضية، هذا ما أكد عليه كابيرو سينجا، الصحفي المتخصص في الشأن الإفريقي، كاشفا أن سيطرة العسكريين الماليين على السلطة جاء بمثابة الشرارة الأولى لاندلاع أعمال العنف.

سينجا في حديثه لـ "نون بوست" كشف أن سيطرة مجموعة من العسكريين على القصر الرئاسي في العامة باماكو قبل 5 أسابيع فقط  من الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، اعتبره كثير من المسلمين الذين يشكلون 90% من سكان الدولة ليس سوى عداء لهم من قبل مجموعة العلمانيين الذي ينتمي إليهم جنرالات الجيش هناك.

هذا التحرك العسكري جاء بعدما سيطر الإسلاميون على الأجزاء الشمالية من الدولة، الأمر الذي أثار حفيظة العسكريين ما دفعهم للانقلاب في محاولة لإزاحة حكم الإسلاميين، وهو ما قوبل برفض شديد من قبل الإسلاميين ومن ثم كان الدفاع عن مكتسباتهم في تلك المنطقة.

يعاني الماليون من أزمات اقتصادية طاحنة، فالبلد الفقير في موارده الاقتصادية إلا من بعض المعادن يعمل الغالبية العظمى من شعبه في الزراعة، ومع ذلك تتعرض في كثير من الأوقات لسنوات من الجفاف تؤدي إلى موت البشر والحيوانات بأعداد كبيرة

وتزامنا مع هذا الانقلاب، فقد أعلن عدد من الجماعات الإسلامية استقلال منطقة أزواد"شمال" عن البلاد خوفا على الهوية الإسلامية لسكان تلك المنطقة بحسب الصحفي المتخصص في الشأن الإفريقي، الذي أشار إلى أنه منذ ذلك الحين أعلنت حركة "أنصار الدين" التي تسيطر على مدينة تمبكتو في شمال مالي آنذاك أنها تخوض حربًا من أجل الإسلام في مالي، وأنها ضد أي ثورة لن تندلع باسم الإسلام.

ونتاجا لذلك دخلت السلطات المالية في حروب متواصلة مع تلك الجماعات في الشمال أسفرت في نهاية المطاف على اتفاق سلام غير أنه لم يحترم من قبل بعض الأطراف، الأمر الذي سمح لبعض القوى الخارجية على رأسها فرنسا للتدخل العسكري لمحاربة تلك الجماعات، بخلاف إرسال المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس) مقاتلين لها إلى مالي لمساعدة الحكومة في وقف مد الإسلاميين.

قائد الانقلاب في مالي الكولونيل أمادو سانوغو

مالي.. الحلقة الأضعف إفريقيًا

تعد دولة مالي الواقعة في غرب إفريقيا (الجزائر من الشمال، النيجر من الشرق، بوركينا فاسو وساحل العاج من الجنوب، غينيا من الجنوب الغربي، والسنغال وموريتانيا من الغرب) وتبلغ مساحتها 1.240.000 كم²، وعدد سكانها 14.5 مليون نسمة، الحلقة الأضعف في الساحل الإفريقي والجزء الشمالي من القارة حيث أنها الأكثر عرضة لزعزعة الاستقرار.

يعاني الماليون من أزمات اقتصادية طاحنة، فالبلد الفقير في موارده الاقتصادية إلا من بعض المعادن يعمل الغالبية العظمى من شعبه في الزراعة، ومع ذلك تتعرض في كثير من الأوقات لسنوات من الجفاف تؤدي إلى موت البشر والحيوانات بأعداد كبيرة، هذا بخلاف العمل في رعي الماشية وغيرها من مصادر الرزق الشحيحة.

مما ساعد على تعميق تلك المشلكة اتساع مساحة الدولة وقلة عدد ساكنها، هذا بخلاف التوزيع الديموغرافي غير المتجانس وغياب العدالة في توزيع الثروات والسلطة بين الشمال والجنوب

عانت مالي التي كانت تسمى فيما قبل "السودان الفرنسي" كونها أحد مستعمرات الحكم الفرنسي آنذاك من مغبة الاستعمار الأجنبي الذي نهب خيراتها وابتز شعبها وتركها فيما باتت عليه الآن، فقيرة لا تملك قرارها السياسي، في ظل أزمة طاحنة حولت البلاد بعد ذلك إلى ساحة ثرية لنمو الجماعات المتطرفة.

ورغم جهود الاحتواء التي بذلت إفريقيًا ودوليًا لاستعادة مالي جزءًا من استقرارها إلا أن انتشار الكيانات المتشددة والتي تنتمي في كثير منها إلى الجماعات المسلحة المصنفة كجماعات إرهابية أجهض الكثير من تلك الجهود ليتحول التراب المالي إلى ملعب كبير للعديد من القوى والكيانات السياسية والدينية.

قوات فرنسة مشاركة في مواجهة الجماعات المسلحة

الإرهاب.. الأزمة الأكثر حضورًا

تتلخص مشكلة الدولة الرئيسية في الارهاب، إذ تحتضن مالي خليطا من التنظيمات الارهابية المتطرفة، والتي تسيطر على ما يقرب من ثلثي البلاد منذ أزمة الانقلاب العسكري عام  2012م والذي كان نقطة  الانطلاق الرئيسية نحو بزوغ فجر العديد من التنظيمات والجماعات المتطرفة.

ومما ساعد على تعميق تلك المشلكة اتساع مساحة الدولة وقلة عدد ساكنها، هذا بخلاف التوزيع الديموغرافي غير المتجانس وغياب العدالة في توزيع الثروات والسلطة بين الشمال والجنوب، أضف إلى هذا فشل الاستراتيجيات التي اتبعتها الحكومة لاحتواء الأزمة من جذورها، والتي أدت في كثير منها  الي تفاقم الوضع سوءا بدلا من العلاج.

الكثير من التنظيمات التي نشطت في مالي لاسيما في مناطق الشمال والوسط خرجت من رحم تنظيم القاعدة، إما ولادة أو تبعية، على رأسها جماعة التوحيد والجهاد، والتي برز دورها إبان الانقلاب العسكري الذي وقع في 22 مارس 2012 ونجحت في إحكام السيطرة على مناطق شاسعة في الشمال

كذلك كتيبة الملثمين المرابطين، والتي تعتبر أحد أبرز الجماعات التابعة للقاعدة في منطقة الصحراء  الكبري لكنها انفصلت عنه بعد ذلك، ويكثر نشاطها في محافظة غاوة بالشرق الشمالي للبلاد ولا يعرف العدد الحققي لافراداها بالتحديد ولكن تنشر وبعض التقارير الي انها اكثر مجموعات التابعة للتنظيم واكثرها تسليحا

تنتشر الجماعات المسلحة في مالي بصورة مكثفة

ثم تأتي جماعة انصار الدين ( الطوارق )، والتي انبثقت من حركة تحرير ازواد الشمالية، وهي واحده من اقوي التنظيمات المسلحة التي سيطرت علي شمال مالي وتعرف نفسها بانها حركة شعبية جهادية سلفية تأسست علي يد الزعيم الطوارقي اياد غالي الذي اخذ من جبال اغارغا مقرا لها، وتتراوح أعدادها ما بين 5000  الي 10000 الف مقاتل.

أما جماعة أنصار الشريعة، والتي تقيم عناصرها في مدينة غاوة، أكبر مدن الشمال، فتعد الأقل عددا وعتادا وقوة بين نظيراتها من التنظيمات الأخرى، وينحدر اغلب قادتها من قبيلة البرايبش المنتشرة في منطقة تمكتو واسسها عمار ولد حماها.

وهكذا يواصل الماليون نزيف الدماء التي يبدوا أنها لن يتوقف في القريب العاجل في ظل إصرار كل طرف على مواصلة النزاع بما يمتلكه من أجندات ومعتقدات خاصة، الأمر الذي يعززه التدخلات الخارجية التي تزيد الوضع سوءًا وتسكب الزيت فوق النار المشتعلة، ليدفع الشعب المالي لاسيما المسلمين منهم الثمن.