في أثناء توقيع ترامب على قرار الاعتراف بسيادة "إسرائيل" على الجولان

110 يومًا هي المدة الفاصلة بين قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل سفارة بلاده للقدس والاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيوني وقراره بسيادة دولة الاحتلال على هضبة الجولان السورية العربية، في ظل موقف عربي مترنح لا يجيد إلا لغة الشجب والاستنكار وصمت دولي فاضح.

القرار على عكس ما يحاول البعض أن يروج لم يكن مفاجئًا، فالحديث عن هذه الخطوة ليس بالأمر الجديد، غير أن إرهاصاتها الأولى كانت خلال أول اجتماع جمع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي في البيت الأبيض فبراير2017، وقبل خمسة أيام من الآن ألقى ترامب بقنبلته عبر تويتر مغردًا: "بعد 52 عامًا، حان الوقت لاعتراف الولايات المتحدة الكامل بسيادة "إسرائيل" على هضبة الجولان التي لها أهمية إستراتيجية وأمنية حيوية لدولة "إسرائيل" والاستقرار الإقليمي"!

ورغم أن القرار ربما لم يغير كثيرًا من معطيات الواقع المذري، فإنه بلا شك سيعيد تشكيل ملامح الخريطة السياسية للمنطقة، ويغير الكثير من المفاهيم بشأن عملية السلام ومدى نزاهة الوسيط الأمريكي، ويزيد من اشتعال الوضع المتفاقم بطبيعته في الشرق الأوسط، وهو ما يدعو للتساؤل عن توقيت إصدار مثل هذا القرار وتداعياته الإقليمية فضلاً عن الرابحين والخاسرين من وراء تلك الخطوة التي تجمع الكثير من التناقضات فوق مائدة واحدة.

ليست مفاجأة

ترامب منذ مجيئة وهو يحمل على عاتقه خدمة المشروع الصهيوني إلى أبعد حد، تجاوز في ذلك أسلافه من الرؤساء الأمريكيين، وبات الأكثر شعبية لدى اليهود والصهاينة مقارنة بأي شخصية سياسية أخرى، فهو في نظر البعض أصبح "بلفور" القرن الحادي والعشرين.

دعم دولة الاحتلال، الحليف الأقرب بلا شك للأمريكان منذ زرعها في المنطقة العربية، أحد أبرز المرتكزات التي استند إليها الرئيس الأمريكي في حملته الانتخابية، البعض حينها كان يعتبرها مغازلة سياسية من قبيل الدعاية لكسب أصوات اليهود، لكن مع مرور الوقت تبين أن الأمر لم يكن حديثًا دعائيًا.

يمكن للأسد استغلال هذا الموقف لتحويل الأنظار عن الاتهامات الموجَّهة إلى نظامه بارتكاب جرائم حرب ضد معارضيه طوال السنوات الثمانية الماضية، محولاً الاهتمام إلى الجولان وما يحدث فيها

البداية حين لوح لنقل سفارة بلاده إلى القدس والاعتراف بها عاصمة للكيان المغتصب، آنذاك تعامل الكثيرون بمن فيهم الأمريكان واليهود أنفسهم مع هذا العهد كحلم صعب التحقيق، لكن سرعان ما تحول إلى كابوس وواقع عملي في الـ6 من ديسمبر الماضي، ليستيقظ حكام العرب المهرولين لواشنطن لأداء فريضة الحج هناك على هذه الكارثة دون رد فعل اللهم إلا بيانات إدانة وشجب واستمالات لإعادة النظر في هذه الخطوة.

الأمر ذاته يتكرر مرة أخرى، لكن هذه المرة الوضع أكثر سوءًا، ففي الأيام القليلة الماضية، اصطحب نتنياهو وفدًا من الكونغرس الأمريكي كان يزور "إسرائيل" إلى الجولان، ووقف يشرح لهم الأهمية الإستراتيجية للهضبة بالنسبة لأمن دولة الاحتلال، مرددًا المزاعم عن كونها جزءًا من "إسرائيل التاريخية"، ليعود الوفد إلى الولايات المتحدة ويطالب أفراده باتخاذ الخطوة التي أعلنها ترامب.

مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، خلال زيارته لـ"إسرائيل" قبل أيام، ناقش هذا الملف، وعبر عن دعمه الكامل لتلك الخطوة والإسراع لحلها، تزامن ذلك مع بعض التلميحات الأمريكية التي تأتي في إطار تعزيز هذا الموقف، على رأسها تغيير وزارة الخارجيّة وصفها لمرتفعات الجولان من "المحتلّة" إلى "التي تسيطر عليها إسرائيل"، وهو ما كان مؤشرًا واضحًا على قرب الانتهاء من هذا الأمر، فالقرار لم يكن مفاجئًا كما كشفت ردود فعل البعض.

نتنياهو والسيناتور ليندسي جراهام والسفير الأمريكي لدى "إسرائيل" ديفيد فريدمان في الجولان

الرابحون من القرار

لكل قرار، أيًا كان حجمه وتداعياته وأطرافه، رابحون وخاسرون، كل حسب توظيف مضمون القرار لصالح أجنداته ومصالحه، وكثيرًا ما تكون النقم نعمًا لآخرين، والعكس صحيح، فخطوة كهذه لا شك أنها ستمنح إيران وجناحها العسكري اللبناني جماعة حزب الله ما قد يعتبراه مبررًا لهجمات جديدة على "إسرائيل"، وهو الأمر الذي طالما قوبل برفض شديد من العديد من الأطراف والكيانات، الإقليمية والدولية، بعضها يحمل الجنسية العربية.

فبعيدًا عن الموقف المتأزم لطهران في الداخل السوري جراء الضغوط الروسية والأمريكية المدعومة سعوديًا وإماراتيًا لحماية الأهداف الإسرائيلية من الصواريخ الإيرانية، فإن هذا القرار ربما يعيد للميليشيات التابعة لإيران في سوريا بعضًا من قوتها ونفوذها مرة أخرى، فالمبرر جاهز ومقاومته هنا ستفسر على أنها خيانة للقضية وموالاة للصهيونية.

نتنياهو الذي يواجه انتقادات واتهامات فساد وعلاقات مشبوهة، خرجت على إثرها عشرات التظاهرات طيلة السنوات الثلاثة الأخيرة تطالب بإقالته وتقديمه للمحاكمة، وساهمت في تراجع شعبيته في الآونة الأخيرة، يعد الأكثر استفادة من هذا القرار

الأمر ذاته بالنسبة لنظام بشار الأسد، فالقرار جاء بمثابة تعزيز لمكانة نظامه وترسيخ لأركانه في ظل النجاحات التي حققها في الآونة الأخيرة بفضل الدعم الروسي الإيراني وتراجع الدور الأمريكي، إذ تفتح له هذه الخطوة الباب أمام تكوين حالة من الزخم السياسي والإعلامي، عربيًا ودوليًا، تمكنه من تسليط الأضواء عليه وكسب التعاطف العربي في بعض الأحيان خاصة إذ أعلن مقاومته للقرار والدفاع عن تراب الجولان.

علاوة على ذلك يمكن للأسد استغلال هذا الموقف لتحويل الأنظار عن الاتهامات الموجَّهة إلى نظامه بارتكاب جرائم حرب ضد معارضيه طوال السنوات الثمانية الماضية، محولاً الاهتمام إلى الجولان وما يحدث فيها، وهو ما قد يعيد تشكيل العديد من المفاهيم والنظريات بخصوص ملفات المنطقة الساخنة.

غالب دالاي، وهو زميل زائر في جامعة أوكسفورد وزميل في مركز بروكنجز الدوحة، علق على القرار بأنه "سيعطي مزيدًا من القوة لمحور المقاومة الإيراني بين إيران وحزب الله والأسد ضد "إسرائيل" والولايات المتحدة.. حصل هذا المحور على انتصار رمزي قوي جدًا وسيوفر هذا لهم اليد العليا".

وفي الناحية الأخرى فإن تحرك كهذا من شأنه أن يعيد تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية، لصالح نتنياهو، قبل الانتخابات العامة في "إسرائيل" والمقرر إجراؤها في الـ9 من أبريل القادم، وهو ما عبرت عنه الصحافة العبرية ذاتها، حيث وصفت "هآرتس" الرئيس الأمريكي بـ"سانتا كلوز" الذي هب لإنقاذ نتنياهو قبل الانتخابات.

نتنياهو الذي يواجه انتقادات واتهامات فساد وعلاقات مشبوهة، خرجت على إثرها عشرات التظاهرات طيلة السنوات الثلاثة الأخيرة تطالب بإقالته وتقديمه للمحاكمة، وساهمت في تراجع شعبيته في الآونة الأخيرة، يعد الأكثر استفادة من هذا القرار، فهناك إجماع في الصحافة الإسرائيلية على أن هذه الخطوة تمثل أقوى دعم علني يقدمه ترامب لمساعدة نتنياهو في سباق انتخابي محتدم قبل الانتخابات العامة.

رئيس الوزراء الصهيوني لم يخف سعادته البالغة مما يفعله ترامب، وهو الذي تجاوز سقف الأحلام والتوقعات، ففي تغريدة له علق قائلاً: "في وقت تسعى فيه إيران لاستخدام سوريا منصة لتدمير "إسرائيل"، يقْدم الرئيس ترامب بشجاعة على الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، شكرًا الرئيس ترامب".

لم يكن نتنياهو وحده المستفيد من القرار دعائيًا قبيل الانتخابات، فالأمر ذاته ينطبق على صاحب القرار، الرئيس الأمريكي ترامب، إذ إن هذا الإعلان سيساعده في تحسين موقفه بالمعسكر المؤيد لـ"إسرائيل" داخل الولايات المتحدة، خاصة بين أعضاء قاعدته من المسيحيين الإنجيليين قبل المؤتمر السنوي لـ"أيباك" (أقوى جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل) الأسبوع المقبل.

وكما يواجه نتنياهو انتقادات حادة، كذلك حال ترامب، ومن ثم يأتي هذا الإعلان كالقشة التي يتمسك بها كلا الطرفين لإنقاذ نفسيهما والدفاع عن كرسيهما ومستقبلهما السياسي في مواجهة موجات من الإدانة جراء سياساتهما المتبعة، فمن لا يملك يعطي من لا يستحق، في وقت يقف فيه أصحاب القضية في موقف المتفرج.

ترامب ومحمد بن سلمان خلال زيارة الأخير لواشنطن

حلفاء ترامب وعملية السلام الخاسر الأكبر

موقف حرج وضع ترامب فيه حلفاءه العرب بقراره هذا، فكيف لهم التصدي له في وقت يهرولون فيه إلى واشنطن بين الحين والآخر لنيل البركة والحصول على ضمانات البقاء فوق كراسيهم، فالمناهضون للمقاومة المشككون في نواياها باتوا اليوم في موقف لا يحسدون عليه، فكيف لهم أن يواصلوا العزف على أوتار سلامهم المزعوم في ظل فقدان حليفهم نزاهة الوساطة.

بيانات الإدانة والشجب الصادرة عن العواصم الحليفة لترامب وعلى رأسها القاهرة وأبو ظبي والرياض لا تعدو كونها حفظًا لماء الوجه في ظل سخط شعبي ومطالب بقطع العلاقات مع واشنطن وتل أبيب، في وقت يكاد قطار التطبيع فيه أن يصل إلى محطاته الأخيرة في بعض الدول.

رد الفعل العربي كان أقل من المتوقع حتى داخل الأوساط الأمريكية، وربما بات هذا هو المعتاد، حسبما أشار مساعدو ترامب في أحاديث غير رسمية إلى أنهم يعتقدون أن تحركاته بشأن القدس أثارت رد فعل أقل حدة في العالم العربي مما توقع الخبراء، وفق ما ذكره شخص مطلع على الأمر طلب عدم نشر اسمه.

وأضاف المصدر حسبما نقلت "رويترز" أنهم على وجه الخصوص لم يقطعوا فيما يبدو الاتصالات الأمنية التي تطورت خلف الكواليس في السنوات الأخيرة بين "إسرائيل" وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج بشأن عدوهم المشترك إيران، قائلاً إن نصيحة المساعدين لترامب بشأن الاعتراف بسيادة "إسرائيل" على هضبة الجولان كانت تتمثل في أن واشنطن ستتغلب مرة أخرى على العاصفة.

الزعماء العرب لا يمكنهم أن يدعموا علنًا قرارات ترامب بشأن القدس وهضبة الجولان لأن ذلك سيهدد شعبيتهم المنخفضة بالفعل في بعض الحالات، مكتفين ببيانات لا تساوي الحبر الذي كتبت به حسبما ذهب دينيس روس المفاوض المخضرم في الشرق الأوسط، الذي يرى أنه من وجهة النظر العربية، فإن هذا "يجعلهم أكثر ترددًا في تقديم الدعم لأن المساحة السياسية التي يحتاجون إليها للمناورة قد تآكلت، كل خطوة اتخذتها هذه الإدارة وضعت الدول العربية في موقف دفاعي".

ذروة الاستخفاف بالعرب تضمنتها لحظات التوقيع على هذا الإعلان، حين أهدى ترامب القلم الذي وقع به قرار الاعتراف بالسيادة الصهيونية على الجولان لنتنياهو، والأخير يقدم له صندوقًا من قوارير النبيذ الذي صُنع في مرتفعات الجولان كهدية

عملية السلام هي الأخرى ربما تدفع ثمن هذا الإعلان الذي جاء بعد أقل من أربعة أشهر على الاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، هذا الأمر قد يغري الكيان المحتل بضم المزيد من الأراضي الفلسطينية مستقبلاً، ما يعني انهيار عملية السلام التفاوضية، لا سيما بعدما فقد الوسيط الأمريكي نزاهته التي كان يروج لها.

بعض المحللين ذهبوا إلى أنه وعكس ما يتوقع البعض فإن هذا القرار سيضع "إسرائيل" في حالة حرب دائمة مع جيرانها العرب لعقود عديدة قادمة، وهو ما أشار إليه فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، الذي أكد قائلاً: "ما فعله ترامب دق مسمارًا قاتلاً في نعش عملية السلام والمصالحة العربية الإسرائيلية، هذه نقطة تحول أساسية، لم يعد هناك أي شيء لمناقشته بعد الآن".

آخرون شككوا في نوايا ترامب وسياساته تجاه الشرق الأوسط، معتبرين أن الهدف منها ليس حلاً سلميًا للصراع العربي الإسرائيلي قدر ما هو مكافأة الحلفاء، وذلك بحسب روبرت مالي الذي عمل مستشارًا لباراك أوباما لشؤون الشرق الأوسط، الذي توقع في تصريحات لـ"الغارديان" أن يتسبب إعلان ترامب في تعقيد خطط إدارته لطرح خطته للسلام بالشرق الأوسط -المعروفة بصفقة القرن - التي طال انتظارها وربما ترى النور رسميًا بعد الانتخابات الإسرائيلية.

ذروة الاستخفاف بالعرب تضمنتها لحظات التوقيع على هذا الإعلان، حين أهدى ترامب القلم الذي وقع به قرار الاعتراف بالسيادة الصهيونية على الجولان لنتنياهو، والأخير قدم له صندوقًا من قوارير النبيذ الذي صُنع في مرتفعات الجولان كهدية، لكن تبقى الأيام القادمة خاصة بعد الانتخابات الإسرائيلية هي المحك الحقيقي لتداعيات هذه الخطوة وتأثيرها على المشهد السياسي الدولي بصفة عامة وعلى منطقة الشرق الأوسط بملفاتها الساخنة بصفة خاصة.