يصل العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، الخميس، إلى تونس للمشاركة في القمة العربية في دورتها الثلاثين التي ستنعقد في الـ31 من شهر مارس/آذار الحاليّ، ليكون بذلك أول الزعماء العرب الواصلين، إلا أن الملاحظ أن سلمان وجماعته أعدوا كل شيء حتى لا يتكرر ما حصل لولي عهده عندما زار تونس لساعات قليلة نهاية السنة الماضية من احتجاجات ورفض وتنديد بالزيارة، فصور الملك وأعلام السعودية في كل مكان بالعاصمة تونس.

حملة دعائية

قبل أيام من الزيارة المرتقبة للعاهل السعودي، بدأت العديد من الشركات (أغلبها وكالات أسفار)، في التنافس أيها يعبر عن ترحيبه بالملك أفضل من غيره، حيث علقت اللافتات الترحيبية بالملك سلمان من طرف الشركات في كبرى الشوارع التونسية.

أغلب هذه اللافتات، وصفت الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بـ"سلمان الخير"، وتم توزيعها بطريقة محكمة حتى تظهر للجميع، خاصة أنها بأحجام كبيرة، ما جعلها حديث التونسيين هذه الأيام، الأمر الذي خطط له "مريدو الملك".

تعتبر زيارة العاهل السعودي إلى تونس الثالثة لملك سعودي منذ استقلال البلاد

فاقت اللافتات المرحبة بالملك سلمان، اللافتات التي تروج للقمة العربية، كأن الحدث المنتظر تحول من قمة عربية ستبحث القرارات المصيرية للدولة العربية، إلى مجرد زيارة لملك سعودي إلى أرض تونس مهد الثورات العربية.

ومن المنتظر أن يأتي الملك سلمان إلى تونس على رأس وفد ضخم يضم عشرات رجال الأعمال والسياسيين ومئات المرافقين من عدة اختصاصات، من بينها وفود إعلامية وثقافية ومالية واقتصادية وأمنية كبيرة، تلبية لدعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لحضور الدورة الـ30 للقمة العربية المرتقبة نهاية الشهر الحاليّ.

ومن المتوقع أن يمدد الملك زيارته لتونس بعد انتهاء القمة العربية، وكانت الخارجية التونسية قد أعلنت أن وفدًا يضم أكثر من 1000 شخص سيرافقون الملك سلمان من أجل حضور القمة العربية التي ستليها ندوة اقتصادية عربية - صينية في الـ2 من شهر أبريل المقبل.

لافتة ترحيبية بالعاهل السعودي في أحد شوارع تونس

تعتبر زيارة العاهل السعودي إلى تونس الثالثة لملك سعودي منذ استقلال البلاد، وقبل الزيارة تم حجز عدة فنادق في ضاحية قمرت الشمالية للعاصمة التونسية لمدة تفوق الأسبوع، لفائدة الوفود السعودية المرافقة للملك سلمان ومستشاريه.

بدوره قال الصحفي التونسي كريم البوعلي في تصريح لنون بوست تعليقًا على الانتشار الكثيف لصور سلمان وعبارات الترحيب التي رافقتها: "هذه الصور المنتشرة لا تمثل إلا أصحابها ممن لديهم مصالح اقتصادية مع المملكة السعودية".

استياء كبير

انتشار هذه اللافتات التي تحمل صور العاهل السعودي وعبارات الترحيب به، خلفت استياءً كبيرًا لدى التونسيين، تقول الصحفية التونسية شذى الحاج مبارك: "رفع صورة ملك السعودية يثير استياء التونسيين باعتبارهم قطعوا مع زمن تمجيد الساسة والحكام حتى باتوا اليوم يشمئزون من التطبيل الذي يطفو من حين لآخر في الحملات الانتخابية السابقة لأوانها لأحزاب معينة".

أضافت الصحفية التونسية في تصريح لنون بوست "لم يكن مألوفًا أن يرى التونسيون عبارات الترحيب ترتفع في واجهات إشهارية عملاقة تمولها جهات راعية معينة، من أجل الاحتفاء برئيس دولة معين، خصوصًا قبل القمة أو الاجتماعات السياسية الكبرى التي تحتضنها البلاد"، وتابعت "كانت ترفع أعلام الدول الضيفة، طبعًا إلى جانب أعلام الدولة التونسية".

وأشارت شذى الحاج مبارك إلى أن "رفع صورة ملك السعودية تذكر برفع صورة المخلوع بن علي في مثل هذه الأحداث السياسية"، وقالت "كما خلع التونسيون صورة بن علي فإنهم لن يقبلوا برفع صورة ملك السعودية".

الخشية من تكرر ما حصل مع ولي عهده

يرى العديد من التونسيين أن المراد من هذه الحملة الدعائية، عدم تكرر ما حصل مع ولي العهد محمد بن سلمان، وتقول شذى الحاج مبارك في هذا الشأن: "هي حملة تستبق وصول ملك السعودية على اعتبار أن ابنه محمد بن سلمان المتهم في قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي جوبه بحملة رفض واسعة واحتجاجات عارمة".

وزار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تونس في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لساعات قليلة، في زيارة هي الأولى لعضو في الأسرة المالكة السعودية لتونس منذ ثورة 2011 التي فر على إثرها الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ولجأ إلى السعودية، إلا أنه واجه فعاليات شعبية كبرى رافضة لزيارته.

منذ بدء عملياته باليمن في مارس/آذار 2015، اتهمت منظمات حقوقية التحالف الذي تقوده السعودية بالتسبب بمقتل مئات المدنيين بغارات أصابت أهدافًا مدنية

في تلك الزيارة القصيرة، خرجت المظاهرات في مناطق عدة من البلاد، كما نظمت مسرحيات صامتة تندد بالزيارة، ورفع عدد من الإعلاميين والمثقفين والمحامين والشخصيات الوطنية دعوى قضائية لدى المحكمة الابتدائية بتونس لمنع تلك الزيارة نتيجة الشبهات التي تحوم حول تورط ابن سلمان بالعديد من الجرائم في اليمن وسوريا والعراق.

وتواجه المملكة العربية السعودية سيلاً من الإدانات الدولية منذ مقتل خاشقجي الصحفي المتعاقد مع صحيفة "واشنطن بوست" الذي كان مقربًا من العائلة الحاكمة في المملكة قبل أن يصبح من منتقديها، بقنصلية بلاده في إسطنبول في الـ2 من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وترى الصحفية التونسية شذى أن "شراء مساحات إعلانية يفترض توافر خط تمويل وخطة معدة مسبقًا تستبق خطى الملك السعودي من أجل تفادي أي تحرك ضد الملك الذي تلاحق مملكته تهم انتهاك حقوق الإنسان وقمع حرية التعبير".

مظاهرة ضد زيارة ولي العهد السعودي لتونس

أضافت "لا يرغب أي رئيس في أن يحظى بحملة رفض قبل قدومه للمشاركة في حدث سياسي كالقمة العربية، لذلك فالأكيد ومن خلال تلك اللوحات الإعلانية أن إدارة مملكة الحكم بالسعودية قررت استباق أي احتجاجات من شأنها إرباك مشاركة الملك سلمان في القمة".

وتتهم السعودية بالقيام بجرائم حرب في اليمن، ومنذ بدء عملياته باليمن في مارس/آذار 2015، اتهمت منظمات حقوقية التحالف الذي تقوده السعودية بالتسبب بمقتل مئات المدنيين بغارات أصابت أهدافًا مدنية، وتشير تقديرات دولية إلى أن تلك الحرب - التي تدور منذ أكثر من ثلاث سنوات - أودت بحياة أكثر من عشرة آلاف إنسان، بينهم أكثر من ألفي طفل.

تبييض صورة المملكة

يقول كريم البوعلي في هذا الشأن: "هي حملة استقبال رديئة لرأس نظام دأب على الحملات الدعائية والترويج لصورة ناصعة تخفي قتامة نظام سياسي استبدادي يقمع المعارضين ويكمم الأفواه بل ويلاحق أي صوت معارض".

وأضاف البوعلي في حديثه لنون بوست "جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي تعتبر الشجرة التي تخفي غابة التنكيل والتعذيب الذي يطال العديد من المعتقلين في السجون السعودية، ومن الواضح أن هذا النظام أراد التضليل بعد صعود ولي العهد محمد بن سلمان بحزمة إجراءات قيل إنها تحررية خاصة فيما يتعلق بحقوق النساء لكن الحقيقة عكس ذلك".

وأشار الصحفي التونسي إلى أن "المرأة السعودية ما زالت مضطهدة لأبعد حد وقد تتالت حوادث هروب النساء من سوء المعاملة والقمع حيث فجرت حادثة الشقيقتين قنون انتقادات واسعة جدًا للمملكة التي تسعى من خلال القمة العربية بتونس ترميم صورتها المهتزة للغاية لدى الرأي العام التونسي".

خلف التحالف العربي في اليمن مئات القتلي

تقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" التي تعني بالشأن الحقوقي إن السلطات السعودية صعدت حملة قمع منسقة ضد المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان، منذ استلام محمد بن سلمان ولاية العهد في يونيو/حزيران 2017، ويوجد في السجون السعودية المئات من سجناء الرأي.

ويرى كريم البوعلي أن هذه الصورة السلبية مردها أيضًا إلى "ما يقوم به النظام السعودي من دور مشبوه في التطبيع مع الكيان الصهيوني تجلى في قيادة السعودية للمشاركين في اجتماع وارسو وتنازلها عن الثوابت العربية والإسلامية الداعمة لخيارات الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه والالتفاف حول مقاومته".

هذه الصورة السلبية لدى التونسيين تجاه العاهل السعودي وأسرته الحاكمة، كانت نتاج تراكمات كبرى من الصعب أن يتم محوها ببعض اللافتات والصور والعبارات الترحيبية الموزعة في بعض شوارع العاصمة، فهي أعمق من ذلك بكثير، ولمحوها على المملكة أن تحسن من سياستها الخارجية بما يخدم القضايا العربية والإسلامية.