دعا رئيس أركان الجيش الجزائر الفريق أحمد قايد صالح الثلاثاء المجلس الدستوري إلى التدخل وإعلان حالة شغور منصب رئيس الجمهورية  بتطبيق المادة 102 من دستور البلاد، استجابة للحراك الشعبي الذي بدأ في 22 من فبراير/شباط الماضي ضد الولاية الخامسة للرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، وبعدها ضد ما اتخذه الأخير بشأن تمديد ولايته كخريطة طريق طرحها للخروج من الأزمة الحالية، أزمة يبقى التساؤل عما إن كانت نهايتها ستكون برسالة الجيش أم أن القرار المتعلق بها لم يحسم في البلاد بعد مطروحًا إلى حين.

وبعد أيام من رسائل الغزل التي وجهها قايد صالح للجزائريين وسياسية مسك العصا من الوسط، قرر بعد 24 يومًا من الحراك الشعبي إعلان موقفه والمؤسسة التي يمثلها بالتخلي عن بوتفليقة حتى إن كان يفوقه في سلم الترتيب السياسي، فالرئيس يشغل أيضًا منصب وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وقائد الأركان يشغل منصب نائب وزير الدفاع.

قرار

منذ الساعات الأولى لصباح الثلاثاء، وصلت تسريبات للصحفيين مفادها أن قائد الجيش سيعلن خلال زيارة العمل والتفتيش التي تقوده إلى الناحية العسكرية الرابعة بورقلة جنوب البلاد عن قرار وُصف بالمهم والمفصلي في تاريخ البلاد، وسيكون ذلك على التليفزيون العمومي بعد يوم فقط من تعيين لطفي شريط مديرًا عامًا لهذه المؤسسة التي كانت لسنوات بوقًا لنظام الرئيس بوتفليقة، خلفًا للمقال توفيق خلادي المقرب من محيط الرئيس، الذي لا يلق ثقة لدى قيادة الأركان، مثلما نقل موقع "كل شيء عن الجزائر".

قبل الوصل إلى الدعوة لتطبيق المادة 102 من الدستور، أكد قايد صالح على أن "الوضع في بلادنا يظل حاليًا يتميز بمسيرات شعبية سلمية، تنظم عبر كامل التراب الوطني وتطالب بتغييرات سياسية"

وعند الساعة الثالثة مساءً (الثانية بالتوقيت العالمي"، بث التليفزيون الحكومي مقتطفًا من كلمة قائد أركان الجيش جاء فيه "وفي هذا الإطار سبق لي في العديد من المرات أن تعهدت أمام الله والوطن والشعب، ولن أمل أبدًا من التذكير بذلك والتأكيد على أن الجيش الوطني الشعبي، بصفته جيش عصري ومتطور قادر على أداء مهامه بكل احترافية، وبصفته كذلك الضامن والحافظ للاستقلال الوطني والساهر على الدفاع عن السيادة الوطنية والوحدة الترابية وحماية الشعب من كل مكروه ومن أي خطر محدق، قلت إن الجيش الوطني الشعبي سيظل وفيًا لتعهداته والتزاماته ولن يسمح أبدًا لأي كان بأن يهدم ما بناه الشعب الجزائري، وفي هذا السياق يتعين بل يجب تبني حل يكفل الخروج من الأزمة، ويستجيب للمطالب المشروعة للشعب الجزائري، وهو الحل الذي يضمن احترام أحكام الدستور واستمرارية سيادة الدولة، حل من شأنه تحقيق توافق رؤى الجميع ويكون مقبولاً من كافة الأطراف، وهو الحل المنصوص عليه في الدستور في مادته 102".

وقبل الوصول إلى الدعوة لتطبيق المادة 102 من الدستور، أكد قايد صالح على أن "الوضع في بلادنا يظل حاليًا يتميز بمسيرات شعبية سلمية، تنظم عبر كامل التراب الوطني وتطالب بتغييرات سياسية، ورغم أن هذه المسيرات قد اتسمت، إلى غاية الآن، بطابعها السلمي والحضاري، مؤكدة بذلك المستوى الرفيع للشعب الجزائري ووعيه ونضجه، الذي حافظ على السمعة الطيبة التي تحظى بها الجزائر بين الأمم، إلا أنه وجب التنبيه إلى أن هذه المسيرات قد تستغل من قبل أطراف معادية في الداخل والخارج، ذات النوايا السيئة، والتي تلجأ إلى القيام بمناورات مشبوهة بهدف زعزعة استقرار البلاد، لكن الشعب الواعي واليقظ والفطن سيعرف كيف يفشل كافة مخططاتها الدنيء".

ذكرت تسريبات إعلامية أن رئيس الأركان اتخذ القرار دون إعلام ناصر والسعيد بوتفليقة شقيقي الرئيس المطالب بالرحيل، وذلك في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام محلية عن تقديم رئيس المخابرات بشسر طرطاق استقالته لاحقًا

وتابع يقول "وبغية حماية بلادنا من أي وضع قد لا تحمد عقباه، يتعين على الجميع العمل بوطنية ونكران الذات وتغليب المصالح العليا للوطن، من أجل إيجاد حل للخروج من الأزمة، حالا، حل يندرج حصرًا في الإطار الدستوري، الذي يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على وضع سياسي مستقر".

وذكرت تسريبات إعلامية أن رئيس الأركان اتخذ القرار دون إعلام ناصر والسعيد بوتفليقة شقيقي الرئيس المطالب بالرحيل، وذلك في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام محلية عن تقديم رئيس المخابرات بشسر طرطاق استقالته لاحقًا.

وما يلاحظ على خطاب قايد صالح الذي يبقى مجرد مقترح كون المؤسسة العسكرية لا تملك السند الدستوري لتنفيذ ما دعا إليه قايد صالح أنه حمل عبارات أمر موجهة من مسؤول أقل رتبة (نائب وزير الدفاع ) إلى آخر أعلى رتبة (وزير الدفاع)، ومنها "يجب بل يتعين" و"حالاً"، ما يعني أن المؤسسة العسكرية رفعت يدها عن دعم الرئيس الذي يحكم البلاد منذ 1999.

لكن التساؤل الذي طرح بعد خطوة الفريق أحمد قايد صالح تعلق بأسباب تأخر دعوته لتطبيق المادة 102 حتى اليوم، والجميع في البلاد كان يتحدث عن شغور منصب الرئيس منذ نحو 7 سنوات، ما جعل الدولة رهينة قرارات القوى غير الدستورية التي تحدث عنها الناطق الرسمي باسم التجمع الوطني الديمقراطي ثاني حزب في السلطة الجزائرية.

حل خطر

جاء في المادة 102 من الدستور أنه إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبًا، وبعد أن يتثبت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع".

لا يتمنى جميع الجزائريين أن يرفض المجلس الدستوري هذا الطلب كونه يقود الجزائر إلى منطقة خطرة تتمثل في التعارض بين مؤسستي الجيش والمجلس الدستوري

وتضيف المادة ذاتها أن يُعلِن البرلمان، المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معًا، ثبوت المانع لرئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي (2/3) أعضائه، ويكلف بتولي رئاسة الدولة بالنيابة مدة أقصاها خمسة وأربعون (45) يومًا رئيس مجلس الأمة الذي يمارس صلاحياته مع مراعاة أحكام المادة 104 من الدستور، وفي حالة استمرار المانع بعد انقضاء خمسة وأربعين (45) يومًا، يُعلَن الشغور بالاستقالة وجوبًا حسب الإجراء المنصوص عليه في الفقرتين السابقتين وطبقًا لأحكام الفقرات الآتية من هذه المادة، ولا يَحِق لرئيس الدولة المعين بهذه الطريقة أن يترشح لرئاسة الجمهورية".

ورغم أن المعارضة وناشطي الحراك الشعبي يرون في قرار قائد أركان الجيش خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، تبقى مجرد مقترح لأن المجلس الدستوري الذي يرأسه الطيب بلعيز الرجل المقرب من الرئيس بوتفليقة هو الوحيد المخول باتخاذ قرار إعلان حالة شغور منصب الرئيس.

ولا يتمنى جميع الجزائريين أن يرفض المجلس الدستوري هذا الطلب كونه يقود الجزائر إلى منطقة خطرة تتمثل في التعارض بين مؤسستي الجيش والمجلس الدستوري.

كما أن تطبيق المادة 102 تواجه إشكالاً آخر يتمثل في الجنسية الأصلية لرئيس مجلس الأمة التي ليست جزائرية كما ينص الدستور لمن يترأس البلاد، بالنظر إلى أن الجنسية الأصلية لرئيس الغرفة العليا للبرلمان عبد القادر بن صالح مغربية.

تنص المادة 7 على" الشعب مصدر كل سلطة، والسيادة الوطنية ملك للشعب وحده"، ما يعني أن تفعيلها قد يسمح بتعديلات في الدستور تتعلق في الأساس بالسماح لرئيس المرحلة الانتقالية بتشكيل حكومة تصريف أعمال وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لمراقبة الانتخابات

 وللخروج من ورطة الجنسية يتم اللجوء إلى الفقرة التي تشير إلى مانع في تقلد رئيس مجلس الأمة منصب الرئيس بالنيابة، ما يعني إسناد المهمة لرئيس المجلس الدستوري.

 غير كاف

التخوف من مساوئ المادة 102 التي تؤدي إلى تنظيم انتخابات رئاسية دون وجود هيئة حقيقية مستقلة لمراقبة الانتخابات جعلت معظم أقطاب المعارضة ترحب بحذر بخطوة قائد الأركان، فقد دعا رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله إلى تفعيل المادة 7 أيضًا مع المادة 102.

وتنص المادة 7 على "الشعب مصدر كل سلطة، والسيادة الوطنية ملك للشعب وحده"، ما يعني أن تفعيلها قد يسمح بتعديلات في الدستور تتعلق في الأساس بالسماح لرئيس المرحلة الانتقالية بتشكيل حكومة تصريف أعمال وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لمراقبة الانتخابات تسمح بإجراء اقتراع خال من التزوير ومصادرة حق الشعب في الاختيار.

من جانبها، اعتبرت حركة مجتمع السلم أكبر حزب إسلامي في البلاد أن تطبيق المادة 102 "غير كاف"، ودعت إلى أن يسبق ذلك تشكيل حكومة توافقية وتنصيب لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات، وقال بيان للحركة "الاكتفاء بالمادة 102 لا يتيح تحقيق الإصلاحات بعد الشروع في تطبيقها ولا يسمح بتحقيق الانتقال الديمقراطي والانتخابات الحرة والنزيهة".

 حزب جبهة التحرير الحاكم الذي يرأسه الرئيس بوتفليقة اكتفى بالتأكيد على أن موقفه سيكون مطابقًا للموقف الذي سيتخذه الرئيس المطالب بالتنحي، على عكس حليفه التجمع الوطني الديمقراطي الذي لم يتردد في تأييد قرار الجيش

ودعت الحركة إلى "ضرورة إضافة الإجراءات التي تحقق مطالب الشعب الجزائري في حالة تطبيق المادة 102 والأخذ باقتراحات الطبقة السياسية"، حاثة الجزائريين على مواصلة الحراك الشعبي مع المحافظة على سلميته وبعده الحضاري الوطني من أجل ضمان تجسيد الإصلاحات ومطالب الشعب.

أما حزب جبهة التحرير الحاكم الذي يرأسه الرئيس بوتفليقة فاكتفى بالتأكيد على أن موقفه سيكون مطابقًا للموقف الذي سيتخذه الرئيس المطالب بالتنحي، على عكس حيلفه التجمع الوطني الديمقراطي الذي لم يتردد في تأييد قرار الجيش.

ومهما اختلفت هذه الآراء مع قرار الجيش أو اتفقت معه يبقى موقفها غير مجد من الناحية القانونية، في ظل استئثار المجلس الدستوري بقرار إعلان حالة شغور منصب رئيس الجمهورية، وهو القرار الذي قد يعرف في الساعات القادمة في حال تأكد أن بوتفليقة ومحيطه قد صارا من الماضي، أما إن كان العكس فمهما كان القرار الذي قد يتخذه معسكر الرئيس فإنه سيصب في وضع البلاد في طريق مسدود عنوانه مواجهة بين المؤسسة العسكرية والرئاسة.