بعض البلدان العربية شهدت درجات حرارة تخطت الخمسين درجة مئوية خلال الأعوام الماضية

وصلت درجات الحرارة في شهر مايو/أيار من عام 2018 إلى 45 درجة مئوية في العاصمة المصرية القاهرة، وفي يوليو/تموز من العام نفسه وصلت درجة الحرارة في بغداد إلى 50 درجة مئوية، وفي نفس الشهر من العام نفسه تخطت درجة الحرارة في الكويت حاجز الـ50 درجة، وكذلك في مكة، بحسب موقع "AccuWeather" المعني بأحوال الطقس.

بالتأكيد شعر الجميع بدرجات الحرارة هذه، فقد شهد العام الماضي صيفًا حارًا شعر به جميع سكان الأرض، وكان عام 2018 هو رابع أكثر الأعوام سخونة منذ بدء السجلات عام 1880، بحسب تقييم مشترك لوكالة ناسا والأرصاد الجوية البريطانية والأمريكية والأمم المتحدة، لكن هذه ليست سوى البداية، فصيف 2019 سيكون أشد حرارة من ذلك.

المزيد قادم

هذا ما أكده العلماء في الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء "ناسا" والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي "نوا" في تقريرٍ نُشر في 6 فبراير/شباط 2019، وذكر التقرير أن التوقعات تشير إلى أن ارتفاع الحرارة يقترب من مستويات تعتبرها معظم الحكومات خطيرة على كوكب الأرض.  

يمكن رؤية نتائج الاحترار السريع في موجات الحر في أستراليا وموجات الجفاف واختفاء الجليد في القطب الشمالي وتقلص الأنهار الجليدية

وتشير كل البيانات إلى استنتاج واحد، وهو أن عام 2018 كان أحرّ من كل عامٍ بين عامي 1880 و2014، ولكن الثلاث سنوات التي سبقته كانت أكثر حرارةً؛ أي أن عام 2018 كان رابع أعلى مستوى منذ حوالي 140 عامًا من حفظ السجلات واستمرارًا لاتجاه الاحترار الذي لا لبس فيه.

هذه البيانات تعني أن السنوات الخمس الأكثر دفئًا في التاريخ المسجل كانت السنوات الخمس الأخيرة، وأن 18 من الـ19 عامًا الأكثر دفئًا حدثت منذ عام 2001، وتتعدى درجات الحرارة المتصاعدة بسرعة على مدار العقدين الماضيين اتجاه ارتفاع درجات الحرارة الموثقة من قبل الباحثين وتتوافق مع الإجماع العلمي بأن تغير المناخ ناجم عن النشاط البشري.

في يناير/ كانون الثاني 2018، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن أعوام 2015 و2016 و2017 شهدت أعلى درجات حرارة تم تسجيلها، وأن عام 2016 كان الأعلى حرارة على الإطلاق، ولكن عام 2017 سجل أعلى درجات حرارة في سنة لم يحدث فيها ظاهرة "النينيو"، التي يمكن أن تزيد درجات الحرارة العالمية سنويًا.

كان العالم في عام 2018 أكثر دفئًا بنسبة 0.83 درجة مئوية من المتوسط ​​المحدد بين عامي 1951 و 1988- المصدر - الجارديان البريطانية

البيانات التي أظهرها تحليل موحد أجرته المنظمة لخمس مجموعات من البيانات الدولية الرائدة، تشير إلى أن متوسط ​​درجة حرارة سطح الأرض في عام 2017 زاد  بنحو 1.1 درجة مئوية عن معدل عصر ما قبل الثورة الصناعية، فيما كانت الزيادة في عام 2016 (أحر سنة مسجلة) 1.2 درجة مئوية.  

يمكن رؤية نتائج هذا الاحترار السريع في موجات الحر في أستراليا وموجات الجفاف الممتدة إلى الفيضانات الساحلية في الولايات المتحدة، وفي اختفاء الجليد في القطب الشمالي وتقلص الأنهار الجليدية، كما ربط العلماء بين تغير المناخ والأعاصير المدمرة مثل إعصاري مايكل وفلورنس العام الماضي، ووجدوا روابط لظواهر مثل الدوامة القطبية، مما يعني أن المناطق الشمالية الشرقية ستعاني من طقس شديد البرودة.

ومن بين الأحوال الجوية المتطرفة التي شهدها عام 2018 حرائق الغابات في كاليفورنيا واليونان، والجفاف في جنوب أفريقيا والفيضانات في ولاية كيرالا الهندية. وتتسبب المستويات القياسية من انبعاثات الغازات الناجمة في الأساس عن حرق الوقود الأحفوري في حبس مزيد من الحرارة داخل الغلاف الجوي.

ما الذي يحدث بالفعل؟

نحن الآن في منتصف ما قد يكون أكثر 10 سنوات حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة في القرن الـ19، فقد كان عام 2016 هو الأعلى حرارة في التاريخ المسجَّل حتى الأن، بسبب ظاهرة النينيو في المحيط الهادي، تليه سنوات 2015 و2017 و2018.

بحسب ما ذكره موقع "إف بي ري" الروسي، يبدو أن سنة 2019 ستحطم الأرقام القياسية من حيث ارتفاع درجات الحرارة

وبحسب تقييم مشترك لوكالة ناسا والأرصاد الجوية البريطانية والأمريكية والأمم المتحدة، سترتفع درجات الحرارة في السنوات الـ5 المقبلة مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهذا يعني أن الفترة بين 2014 و2023 ستكون الأكثر دفئًا خلال 150 عامًا.

وقد بدأ عام 2019 أيضًا بارتفاع في درجات الحرارة، وكان شهر يناير/كانون الثاني الأكثر دفئًا في أستراليا على الإطلاق، وعلى عكس الاتجاه العالمي شهدت أجزاء من الولايات المتحدة في فبراير/شباط الماضي موجة قارسة البرودة جراء عاصفة قادمة من القطب الشمالي.  

وبحسب ما ذكره موقع "إف بي ري" الروسي، يبدو أن عام 2019 سيحطم  الأرقام القياسية من حيث ارتفاع درجات الحرارة، وأرجع الخبراء ذلك إلى أن زيادة انبعاث الغازات الدفينة في الغلاف الجوي، التي وصلت إلى مستوى قياسي خلال السنة الماضية، يسرع من الاحتباس الحراري المتمثل في ارتفاع درجة الحرارة السطحية المتوسطة في العالم مع ارتفاع كمية ثاني أكسيد الكربون، وبعض الغازات الأخرى في الجو.

بعض البلدان العربية شهدت درجات حرارة تخطت الخمسين درجة مئوية خلال الأعوام الماضية

وبيَّن الموقع أنه كل بضع سنوات أو أشهر، تحدث تقلبات في درجات حرارة المياه السطحية، الأمر الذي يعرف بظاهرتي "النينو" و"النينيا" في علم المحيطات وعلم المناخ، وتُعرف ظاهرة "النينيا" بانخفاض درجات الحرارة عن معدلاتها في المحيط الهادئ، وترجع إمكانية ارتفاع درجة الحرارة عام 2019، إلى احتمال حدوث ظاهرة "النينو"، وذلك بحسب ما توصل إليه خبراء الأرصاد الجوية.

وشهدت بداية عام 2018 ظاهرة "النينيا" بأوضاع ضعيفة استمرت حتى آذار/ مارس، وبسببها سجلت درجات الحرارة لهذا العام انخفاضًا مقارنة بعام 2017، لكن بحلول تشرين الأول/ أكتوبر، أشارت درجات حرارة سطح البحر في شرقي المحيط الهادئ المداري إلى العودة إلى أوضاع ظاهرة "النينيو"، على الرغم من أن الغلاف الجوي لا يتجاوب حتى الآن، وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، إذا أخذت أوضاع ظاهرة النينيو في التطور، فيرجح أن يكون عام 2019 أحر من عام 2018.

يتوقع المعهد أن ترتفع درجات الحرارة خلال الفصول الحارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل درامي بأكثر من ضعف المعدل العالمي بحلول عام 2050

ويدعم ذلك ما نُشر في عام 2017، حيث أفادت دراسة نشرتها مجلة ""Geophysical Research Letters بأن حرارة الأرض يمكن أن تصير أدفأ بمقدار 1.5 درجة مئوية عما كانت عليه أواخر القرن الـ 19، وذلك خلال 9 سنوات فقط، وذكرت الدراسة أن التغيرات المناخية الطبيعية بمنطقة المحيط الهادي والتي تغيرت على مدى عقود من الزمن ربما وفرت "حاجزًا مؤقتًا" ضد آثار انبعاثات غازات الدفيئة، مما يقلل من الظواهر المتطرفة مثل موجات الحر.

ويتبع ذلك نمطًا أوسع من التغير المناخي الذي يحدثه الإنسان، والذي يعزز موجات الحر التي تزداد معاقبة، وارتفاع مستوى سطح البحر والطقس القاسي، وحينها تصبح بلدان المنطقة العربية أكثر عرضة للخطر، بسبب موقعها الجغرافي.

ماذا ينتظر سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

يمكن أن يؤدي ارتفاع طفيف في متوسط درجات الحرارة العالمية إلى حدوث كوارث بيئية على مستويات مختلفة، ولا يهدد ارتفاع درجات الحرارة الإنسان فحسب، بل جميع الكائنات الحية. من هذا المنطلق، يؤدي الاحتباس الحراري إلى زيادة معدل درجات الحرارة في الهواء وفي المحيطات أيضًا، ما يشكل خطرًا على الجزر المرجانية المسؤولة على حياة الآلاف من النباتات والحيوانات البحرية.

ستصل درجة حرارة الخليج إلى 50 درجة مئوية، لتتضاعف درجات الحرارة الرطبة - وهي مقياس للرطوبة والحرارة -  10 مرات عن الوقت الراهن، وتصبح بلدان الخليج غير صالحة للعيش بحلول عام 2100

وبحسب العالم بالمنظمة العالمية للأرصاد الجوية عمر بدور، فإن بلدان المنطقة العربية أكثر عرضة للخطر، لا سيما خطرالجفاف والتصحر، فالمنطقة العربية تعاني بشكل عام من نقصان المياه، وتواتر ظاهرة الجفاف سيكون للأسف أشد مع ارتفاع درجات الحرارة، مما يؤدي إلى صعوبة كبيرة في إيجاد موارد مائية قابلة للاستعمال في المجالات المختلفة كالزراعة والمياه الصالحة للشرب، حسب قوله لموقع "أخبار الأمم المتحدة".  

لكن اللامبالاة تجاه تغير المناخ أمر شائع في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حتى مع تفاقم المشاكل المرتبطة به، فبحسب معهد "ماكس بلانك" الألماني ستزداد حرارة المنطقة بمعدل ضعفي سرعة المعدل العالمي، وهذا يعني حدوث فترات جفاف أطول وموجات حر أكثر سخونة وعواصف ترابية أكثر تواترًا من الرباط إلى طهران.

معدلات الإنتاجية تراجعت في العام 2018 بسبب ارتفاع درجات الحرارة

ويتوقع المعهد أن ترتفع درجات الحرارة خلال الفصول الحارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل درامي بأكثر من ضعف المعدل العالمي بحلول عام 2050، ففي العام الماضي، اقتربت إيران من تخطي أعلى درجة حرارة سُجلت بشكل موثوق، وهي 54 درجة مئوية، والتي وصلت إليها الكويت في العام السابق.  

كما يتوقع المعهد أن سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد يعيشون 200 يوم حر في السنة مقارنة بـ16يومًا قبل عام 2005، وخلال النهار لن تقل درجة الحرارة عن 46 درجة مئوية، وخلال الليل لن تقل عن 30 درجة مئوية.    

وبحلول عام 2100، ستصل درجة حرارة الخليج إلى 50 درجة مئوية، لتتضاعف درجات الحرارة الرطبة - وهي مقياس للرطوبة والحرارة - في دول الخليج 10 مرات عن الوقت الراهن، وتصبح بلدان الخليج غير صالحة للعيش بحلول عام 2100، وفقًا لدراسة أجرتها مجلة ""Nature، على الرغم من أن أكثر تنبؤاتها كارثية تستند إلى افتراض أن الانبعاثات لم تخف.   

السياسة تجعل مُناخ المنطقة أكثر تقلبًا

يمثل الماء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مشكلة أخرى، فمن المتوقع أن ينخفض ​​هطول الأمطار بسبب تغير المناخ، وفي بعض المناطق مثل المرتفعات المغربية، قد ينخفض بنسبة تصل إلى 40٪، في حين قد يؤدي تغير المناخ إلى هطول أمطار إضافية على البلدان الساحلية مثل اليمن، ولكن من المحتمل أن يقابل ذلك تبخر أعلى.

يقوم المزارعون الذين يكافحون من أجل ري المحاصيل العطشى بحفر المزيد من الآبار، واستنزاف طبقات المياه الجوفية التي تعود إلى قرون، وكشفت دراسة أجريت باستخدام أقمار صناعية تابعة لناسا أن أحواض دجلة والفرات فقدت 144 كيلو متر مكعب (حوالي حجم البحر الميت) من المياه العذبة من عام 2003 إلى عام 2010، ويُعزى معظم هذا الانخفاض إلى ضخ المياه الجوفية لتعويض انخفاض هطول الأمطار.

في كثير من الأحيان تعيق السياسة حل المشكلات، في حين من النادر أن تكون الدول قادرة على الاتفاق حول كيفية مشاركة الأنهار والمياه الجوفية

من الناحية السياسية، يجعل تغير المناخ المنطقة أكثر تقلبًا، فعندما اجتاح شرق سوريا الجفاف من عام 2007 إلى عام 2010، فر 1.5 مليون شخص إلى المدن، حيث عانى الكثيرون منهم، وفي إيران، تسببت موجة الجفاف الشديد منذ التسعينيات في هجر الآلاف من المزارعين المحبطين الريف، وقد غذت هذه الأحداث الحرب التي اندلعت في سوريا في عام 2011 والاضطرابات الأخيرة في إيران، وأضاف المحتجون ما حدث إلى المظالم التي يشعرون بها في كلا البلدين.

ليس هذا فحسب بل إن مجرد احتمال نقص المياه يمكن أن يؤدي إلى صراعات، حيث تتنافس الدول على تأمين إمدادات المياه على حساب دول المصب، على سبيل المثال، عندما بدأت إثيوبيا في بناء سد ضخم على نهر النيل، يُحتمل أن يحد من التدفق، هدَّدت مصر - التي تعتمد على النهر للحصول على كل مياهها تقريبًا – بالحرب، كما أثارت السدود التركية والإيرانية على امتداد نهر دجلة والفرات والأنهار الأخرى غضبًا مماثلًا في العراق الذي قد يحاصره الجفاف.

ومع ظهرة هذه الخلافات إلى السطح، وضع العلماء خطوات يمكن أن تتخذها الدول العربية للتكيف مع تغير المناخ، حيث يمكن تحويل الإنتاج الزراعي إلى محاصيل متحِملة للملوحة والحرارة والجفاف، كذلك يمكن استخدام الري بالتنقيط الذي تستخدمخ "إسرائيل" لتوفير المياه، كما يمكن تعديل المدن لتقليل " الجزر الحرارية الحضرية" ، حيث تجعل الحرارة من المباني والسيارات المدن أكثر دفئًا من المناطق الريفية القريبة.  

مخاوف من ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية بسبب ارتفاع مستوى البحار

القليل من هذه الجهود قد جُربت من قبل الحكومات العربية، التي غالبًا ما تكون مشغولة بمشاكل أخرى، وفي كثير من الأحيان تعيق السياسة حل المشكلات، في حين من النادر أن تكون الدول قادرة على الاتفاق حول كيفية مشاركة الأنهار والمياه الجوفية، ففي غزة مثلاً، يؤدي تسرب المياه المالحة والصرف الصحي إلى طبقة المياه الجوفية إلى زيادة خطر الإصابة بالأمراض، ورغم ذلك يؤدي الحصار الذي تفرضه "إسرائيل" ومصر إلى زيادة صعوبة بناء وتشغيل محطات تحلية المياه.

في لبنان، هناك أمل ضئيل في أن تفعل الحكومة، المنقسمة على أسس طائفية، أي شيء لمنع تراجع إمدادات المياه الذي تنبأت به وزارة البيئة، كذلك هناك دول مثل العراق وسوريا، حيث دُمرت الحرب البنية التحتية، ستكافح من أجل الاستعداد لمستقبل أكثر دفئًا وجفافًا.

تحاول بعض الدول، على الأقل، الحد من الانبعاثات، حيث يقوم المغرب ببناء محطة ضخمة للطاقة الشمسية في الصحراء، وكذلك دبي، في حين لن تتوقف السعودية عن تصدير النفط، لكنها تخطط لبناء محطة للطاقة الشمسية تبلغ حوالي 200 ضعف حجم أكبر منشأة تعمل اليوم، رغم ذلك لا يمكن لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فعل الكثير من تلقاء نفسها للتخفيف من تغير المناخ.