يتواصل الإضراب منذ بداية شهر مارس

بدأت السلطات المغربية، في تنفيذ تهديداتها ضدّ المعلمين المتعاقدين في المملكة، وذلك بإقرار فصل عدد منهم ممن قالت السلطات إنهم حرضوا على إضراب استمر أربعة أسابيع. قرار من شأنه أن يزيد من حدّة الأزمة التي يعاني منها قطاع التعليم في البلاد.

العزل بدأ وتراجع عنه؟

وزير التربية الوطنية المغربي سعيد أمزازي، قال إنه "تقرر فصل المعلمين الذين حرضوا على إضراب مستمر منذ أربعة أسابيع مع متدربين انضموا إليهم"، ولم يشر الوزير إلى عدد الذين شملهم القرار ولا كيفية تنفيذه، خاصة وأن المعلمين المتقاعدين غير معنيين بقانون الوظيفة العمومية في المغرب.

وقال الوزير المغربي خلال مؤتمر صحفي "على الأساتذة المضربين التوقف عن عرقلة الدراسة، والعودة إلى عملهم وإلا واجهوا الفصل". ويمكن أن يشمل هذا القرار الآلاف من المعلمين المضربين عن العمل منذ مطلع مارس للمطالبة بإدماجهم في الوظيفة العمومية بعقود عمل دائمة.

وأوضح سعيد أمزازي أن إجراءات قانون "العزل عن العمل بدأت ولا تراجع عنها (...) ما لم يتراجع المنقطعون عن العمل في أجل أقصاه 60 يوما". وقال الوزير أن "التعاقد سقط ولا يوجد حاليا سوى موظفون عموميون لدى الوزارة أو الأكاديميات الجهوية" التابعة لها.

وبرر وزير التربية قرار بدء العزل عن العمل بأن "التوقف عن العمل لأربعة أسابيع ليس إضرابا بل إخلالا بالمرفق العام لا يمكن السماح به وفق القانون".وتابع أن المدرسين المضربين الذين ما يزالون في فترة التدريب، سيتم فصلهم ما لم يتراجعوا عن الإضراب في أجل خمسة أيام. وأن حوالي 300 ألف تلميذ تضرروا من هذا الإضراب، واصفا ذلك بأنه "غير مقبول".

يخوض الأساتذة المتعاقدين وعددهم حوالي 55 ألفا، إضرابا عن العمل منذ مطلع آذار/مارس

الوزير قال إن المدرسين المحتجين يعملون بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في وظائف دائمة ويحصلون على نفس الرواتب والامتيازات التي يتمتع بها المدرسون الآخرون بما في ذلك عضوية النقابة والترقيات.

من جهته، أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، الذي كان حاضرا في المؤتمر الصحفي، أن "نظام المعاشات الذي يطالبون بتعديله سيصبح موحدا بين المدرسين الموظفين وفق كلا النظامين". ووجه الخلفي "نداء" للمضربين كي يستأنفوا العمل.

وتقول الحكومة المغربية إنها استجابت لمطالب المضربين، وذلك على أساس إدماجهم كموظفين في "الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين"، وهو ما يرفضه المعلمين مصرين على الإدماج على مستوى الوزارة نفسها والاستفادة من الحقوق نفسها التي يتمتع بها نظراؤهم.

ومن بين 240 ألف معلم إجمالا، قامت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بتشغيل 55 ألفا بنظام العقود قابلة التجديد منذ عام 2016 وذلك لمعالجة مشكلة التكدس بمدارس الريف. ولتهدئة الاحتجاجات تبنت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في 13 مارس/آذار نظام تشغيل يعتمد على الدمج التلقائي في ما وصفه الوزير بالوظيفة العمومية الجهوية بدلا من العقود القابلة للتجديد.

قرار غير قانوني

قرار طرد الأساتذة الذي تعتزم الوزارة اتخاذه، يقول الأستاذ والباحث بمركز الدكتوراه التخطيط الجهوي والتنمية الترابية، عبد الوهاب السحيمي، إن "لا أساس قانوني له أبدا، وهو شطط كبير في استعمال السلطة"، أضاف في تصريح لنون بوست، "أنا جد متأكد لو كنا نملك في المغرب قضاء تتوفر فيه الحدود الدنيا من الاستقلالية والنزاهة لتم إسقاط جميع هذه القرارات في أول جلسة."

وأوضح السحيمي، أن "وزارة التربية الوطنية، تقول بأن وضعية أساتذة التعاقد المضربين مماثلة لوضعية الأساتذة المرسمين، بل قالت أن هناك مطابقة للوضعيتين في الحقوق والواجبات. وبالتالي، وجب على مسؤولي الوزارة، مماثلة مسطرة التأديب كذلك إن وجد فعل يستحق التأديب، وهذه المسطرة المنصوص عليها في المادة 75 مكرر من قانون الوظيفة العمومية المغربي، لا تعطي الحق للإدارة أبدا لطرد أو عزل أي أستاذ."

أضاف، "هذا الفصل يخول للإدارة فقط حق توقيف الموظف عن العمل وحجب أجرته في انتظار إحالته على المجلس التأديبي، وهذا الأخير الذي يتكون من اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء (4 أعضاء يمثلون النقابات و 4 أعضاء يمثلون الإدارة)، هو من له الحق في اتخاذ العقوبة الملائمة للأستاذ المعروض على أنظاره وذلك بناء على ما هو متضمن من وثائق في الملف. "

وأكّد عبد الوهاب السحيمي في حديثه، أن "أي قرار يمكن أن يتخذه الوزير اليوم أو من ينوب عنه في الأكاديميات الجهوية أو المديريات الإقليمية في حق الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، لا سند قانوني له البتة، وسيكون قرارا تتوفر فيه جميع صفات التعسف والشطط في استعمال السلطة."

من جهته، قال أستاذ متعاقد يدعى "سعيد الجرايفي"،  تهديد الحكومة والوزارة بطرد المضربين مخالف للقانون، فنحن لسنا متغيبين، بل مضربون ونطالب بحقنا العادل والمشروع في الوظيفة العمومية نرفض التعاقد بشكل مطلق." وأضاف، "لا تخيفنا تهديداتهم أو استفزازاتهم لنا بل حتى قمعهم لنا في مبيتاتنا الليلية."

إجراءات لتعقيد الوضع

تهديد الوزارة بالفصل، يأتي في ضلّ تواصل إضراب المعلمين المتعاقدين (غير المثبتين بعقود دائمة)، و ويخوض هؤلاء وعددهم حوالي 55 ألفا، إضرابا عن العمل منذ مطلع آذار/مارس. وسبق لهم التظاهر في عدة مدن لأشهر للمطالبة بإدماجهم في الوظيفة العمومية بعقود عمل دائمة.

هذا التهديد وقبله استعمال العنف، اعتبره العديد من الأساتذة المتعاقدين تصعيدا من قبل الوزارة، وقال عبد الوهاب السحيمي، "وزارة التربية الوطنية المغربية، وبعدما جربت جميع الوسائل السابقة لضرب معركة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد التاريخية، ولم تفلح في ذلك، من قبيل إطلاق تصريحات مفادها أن هؤلاء المحتجين يخدمون أجندات سياسية، وبأنهم مدفوعون من طرف منظمات معارضة للدولة. انتقلت  اليوم لأساليب ماضوية كنا نعتقد بأن الزمن قد عفا عنها في المغرب."

وأضاف السحيمي في تصريحه لنون، "الوزارة اليوم اختارت إطلاق رزنامة تهديدات تستهدف المحتجين، والإدعاء بأنها ستتخذ في حقهم عقوبات زجرية في حالة عدم توقيفهم للإضراب والتحاقهم الفوري بالأقسام. وهذه الأساليب طبعا تبقى أساليب مكشوفة ومفضوحة، ولا تزيد الوضع إلا تأزما واحتقانا وللأسف تفتح باب مستقبل السنة الدراسية على المجهول."

الوزارة في ورطة؟

يرى عبد الوهاب، أن "وزارة التربية الوطنية اليوم في ورطة حقيقية في هذا الملف، ونهجها سياسة التصعيد والوعيد بدل الحوار والتفاوض يزيد من تعميق الأزمة، ومن تقويض أي حل ممكن لهذا الملف. فللأسف فإن الوزير الوصي على القطاع لا حنكة سياسية له، حيث نعلم أن الوزير لا تاريخ سياسي ولا نضالي له، وإنما هو شخص ألبس جبة حزب سياسي معروف تاريخيا بولائه للسلطة في المغرب ليلة تعيين الحكومة، وأسقط على القطاع في آخر لحظة."

وأشار إلى أن "غياب الحنكة السياسية للوزير، زادت من تعميق الأزمة، حيث أن التصريحات التي أطلقها الوزير مع بداية نضالات التنسيقية وقسمه بأغلظ الأيمان بأن لا يعقد أي حوار مع ممثلي التنسيقية جعل أي تقارب اليوم بين الوزارة والمحتجين أمر صعب."

يخشى العديد من المغاربة من مستقبل العام الدراسي في البلاد، خاصة في ضلّ تواصل الأزمة وعدم وجود بوادر لحلّها

أضاف عبد الوهاب السحيمي، "زد على ذلك، أن العقلية القديمة التقليدية لمسؤولي وزارة التربية الوطنية تملي عليهم، بأن أي استجابة للمحتجين اليوم، يمكن تفسيره من طرف المتابعين بأنه بمثابة لي لذراع الحكومة وللدولة، وهذا تفسير تقليدي خاطئ، والحكومات الديمقراطية هي التي تصغي وتسمع لنبض الشارع وتتفاعل معه بشكل ايجابي بغض النظر عن من هو الطرف الفائز أو الخاسر."

في عام 2016، أطلقت الحكومة المغربية نظام التعاقد، وقالت إنه مكن من توظيف 70 ألف معلم في أربع سنوات مقارنة بحوالي 60 ألفا خلال الأعوام الثمانية السابقة. لكن المعلمين المغاربة يرون أن النظام مُجحف في حقهم ويجعلهم دائما خائفين من المستقبل وغير مستقرين مما قد ينعكس على أدائهم في وظائفهم.

مرحلة دقيقة

يؤكّد ، عبد الوهاب السحيمي، أنه في حال تنفيذ وزارة التربية الوطنية تهديداتها بشأن فصلها للأساتذة المضربين، فإن قطاع التعليم في البلاد سيكون أمام كارثة ، فـ "الوضع اليوم جد خطير والمرحلة جد دقيقة وأي تصرف طائش من جانب الوزارة الوصية سيؤجج النضال وسيكون بمثابة صب للزيت على النار."

وقال السحيمي، " يجب أن نعلم أن الأساتذة المتعاقدين في المغرب ليسوا وحدهم في المعركة، فكذلك الأساتذة المرسمون يدعمون نضالات زملائهم المتعاقدين من أجل تحقيق الترسيم والإدماج، فيوميا، هناك إضرابات ووقفات للأساتذة المرسمين تضامنا مع المتعاقدين، وهم على أهبة الاستعداد للالتحاق بهم في الإضراب المفتوح، وفي تقديري أي قرار يمكن أن تتخذه الوزارة يهم زجر أي مضرب سيعجل بهذا الالتحاق وآنذاك سنكون أمام كارثة تعليمية حقيقية."

بدوره أكّد سعيد الجرايفي أن في حال طردهم سيفترشون الأرض وقال، "الخطوات القادمة تسطر من طرف المجلس الوطني الذي ينعقد كل أسبوع لكن القرارات تكون عن طريق القواعد، سنصعد في نضالاتنا، وفي حالة طردنا سنفترش الأرض ليل نهار أمام الوزارة والبرلمان، لن نتنازل عن حقنا فنحن أطر تربوية طاقات شبابية من مختلف ربوع الوطن."

يطالب المضربون بترسيمهم في الوظيفة العمومية

تشهد المغرب، مظاهرات تكاد تكون يومية للأساتذة المضربين، للمطالبة بعقود دائمة وحقوق مماثلة لتلك الممنوحة لزملائهم المعلمين الدائمين. وليلة السبت حاول بعض المتظاهرين الاعتصام، إلا أن السلطات فرقتهم مستخدمة الهراوات وخراطيم المياه. ومنذ أشهر، ينظم المعلمون المتعاقدون مظاهرات أملا في إسماع أصواتهم للسلطات المغربية.

عام دراسي على كف عفريت

يخشى العديد من المغاربة من مستقبل العام الدراسي في البلاد، خاصة في ضلّ تواصل الأزمة وعدم وجود بوادر لحلّها، ويقول الأستاذ المتعاقد بمركز الدكتوراه التخطيط الجهوي والتنمية الترابية، عبد الوهاب السحيمي، إن "العام الدراسي في المملكة أصبح على كف عفريت"

وأضاف السحيمي، "إذا لم تحتكم الوزارة للعقل وتنهج أسلوبا جديدا مغايرا تماما لما هو معمول به اليوم في تدبير هذه الأزمة، سنكون أمام سنة دراسية بيضاء للأسف، فاليوم هناك عشرات آلاف من الأساتذة والمعلمين في إضراب، ومن المتوقع أن يلتحق بهم زملاؤهم المرسمون لدعمهم في معركتهم، خاصة إذا استمر مسؤولو الوزارة في نهج الأساليب القمعية الزجرية، وبالتالي فالوضع جد خطير. "

السحيمي أكّد أن "على مسؤولي وزارة التربية الوطنية المغربية، التحلي بروح المسؤولية ونهج اساليب ديمقراطية في تدبير هذه الأزمة، وذلك بالجلوس على طاولة الحوار مع المضربين ومع من يمثلهم بشكل مباشر ومن دون أي وساطات، ويتم تقديم حلولا معقولة تفضي إلى تسوية هذا الملف تسوية شاملة وعادلة وذلك بإدماجهم جميعا في أسلاك الوظيفة العمومية على غرار زملائهم المرسمين."