ما زالت العنصرية في حاجة للكشف عن مخابئها، خاصة لو كانت الأزمة في مجتمع رأسمالي فج مثل الولايات المتحدة الأمريكية، الحرية وتكافؤ الفرص ودولة الحد الأدنى، أساس تفوقه في جميع المجالات، إلا أن الدراسات الحديثة أكدت ما يدحض هذه النظرية، حتى في أرقى المعاملات الإنسانية "الفن" وأثبتت أن نسب النساء والسود من الأعمال المعروضة في المتاحف الأمريكية الكبرى، لا تبلغ أكثر من 15% بالأعمال المعروضة للبيض الذكور، وهو انعكاس واضح للتحيز العرقي والجندري ضد باقي العرقيات والأجناس في بلاد العم سام، ومن خلفه الغرب.

ما الذي تحويه الدراسات؟

قبل أيام، كشفت الصحف عن دراسة مثيرة لدورية بلوس وان (PLOS ONE)، تقددم أدلة تهدم إشكالية التنوع التي طالما تغنت بها الولايات المتحدة وفرضتها في أجندات متعددة على الدول وخاصة النامية الساعية إلى تحالفات أكثر دفئًا ومصداقية منها، كما توضح أن أمريكا في حاجة لمن ينقب خلفها ليكشف النقص الصادم لديها في التنوع والتوازن بجميع المجالات، بما فيها "الفن"، إذ أثبتت الدراسة الجديدة أن العنصرية لم تتركه، بل توجت أغلب الأعمال الفنية المعروضة في المتاحف الأمريكية الكبرى، وعلى رأسها المعرض الوطني للفنون في واشنطن ومتحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك ومتحف الفنون الجميلة في هيوستن، حيث بلغ عدد الرسامين من العرق الأبيض ما يقرب من 90% من الأعمال المعروضة، فضلاً عن كونهم في غالبيتهم العظمى "رجال".  

المهتم بحقائب الفن الأمريكية المختلفة، سيجد أن النساء لم يعاملن على قدم المساواة أبدًا في عالم الفن من ظهوره

تشير الدراسة إلى جهود بذلت خلال السنوات الأخيرة لمعالجة هذا الخلل وإضفاء قيم التنوع داخل متاحف الفن الكبرى بالولايات المتحدة الأمريكية، في ظل سيطرة العرق الأبيض على الأعمال الفنية المعروضة في المتاحف الأمريكية الكبرى واكتساح الفنانين الذكور البيض لجموع الفنانين العارضين بالمتاحف الأمريكية الـ18، بنسبة بلغت 75.7%، بينما شكلت نسبة الفنانات البيض 10.8%، وكان نصيب الفنانين الذكور من الآسيويين نحو 7.5%، في حين شكل الفنانون الذكور من أصول إسبانية -لاتينية نسبةً بلغت نحو 2.6% من إجمالي الأعمال المعروضة، فيما شكل رواد الفن الأمريكيين من أصل إفريقي نحو 10.6% من الفنانين في مجموعة متحف أتلانتا للفنون، مقابل 1.2% فقط بجميع المتاحف التي تمت دراستها.

أين المرأة في قاموس الفن الأمريكي؟

المهتم بحقائب الفن الأمريكية المختلفة، سيجد أن النساء لم يعاملن على قدم المساواة أبدًا في عالم الفن من ظهوره، بعض هذه النتائج بسبب التركيبة السكانية في الولايات المتحدة، بجانب التحيزات الاجتماعية التي تظهر في أعراف على شاكلة "عقوبة الأمومة" التي تفرض على العاملات في أغلب المجالات، وتؤدي بالتبعية إلى فقدان وظائفهن، ما يضيف فرص ودخل إضافي للرجال الذين يتمتعون في المقابل بعلاوة الزواج، كزيادة في أجور المتزوجين بنحو 7200 دولار في السنة، كما يحصل الرجال العاملون في الفنون أيضًا على عائد دخل عندما يصبحون آباء، ولا تحصل النساء في المقابل على نفس الميزة.

رغم التحسن الواضح في المراكز القيادية للفنون داخل الولايات المتحدة وكبريات الديمقراطيات في العالم، فإن النساء يتخلفن عن الرجال في مجالس الإدارة التي تعقد في المتاحف

وتتنافس النساء بشكل قوي مع الرجال في أحدث إحصاءات قائمة ArtReview لعام 2018 التي كشفت عن أكثر الأشخاص نفوذًا في عالم الفن المعاصر، وأعطت للنساء 40% من القائمة، في تحسن لافت للغاية مقارنة بعام 2017، (38%) وهي زيادة ملحوظة أيضًا عن عام  2016، ولم يستحوذن فيه إلا على نحو (32%)، ورغم هذه الانتفاضة لا تشارك النساء في المتوسط حتى الآن إلا بما يقارب 30% فقط من المعارض الفنية في الولايات المتحدة، وهي ظاهرة غربية تستحق التأمل، إذ يبلغ نسبتهن في أستراليا نحو 40%، وفي ألمانيا أقل من 20%، بينما يشكلن نحو 13.7% فقط من الفنانين الذين يمثلون المعارض في أوروبا وأمريكا الشمالية، في الوقت الذي تزيد حصتهن في الصين بنحو 25%، وهونغ كونغ بـ22%.

المثير أن هذه الأرقام، تأتي في وقت تستحوذ فيه النساء على غالبية الوظائف بمتاحف الولايات المتحدة، وخاصة متحف الفنون للمحترفين، وفق دراسة استقصائية أجرتها رابطة منسقي متحف الفن، ورغم انتشارهن في المواقع الوظيفية المختلفة، فإن الرجال يسيطرون أيضًا على أغلب المناصب القيادية، وربما تجد الولايات المتحدة مخرج لها من هذا اللغز، بتصاعد سيطرة قبضة النساء على كبرى الوظائف بالمتاحف ومعارض الفنون في السنوات الأخيرة فقط، من 23% عام 2005، إلى 47.6% الآن، بحسب رابطة مديري متحف الفن.

ورغم التحسن الواضح في المراكز القيادية للفنون داخل الولايات المتحدة، وكبريات الديمقراطيات في العالم، فإن النساء يتخلفن عن الرجال في مجالس الإدارة التي تعقد في المتاحف، بميزانيات تزيد على 15 مليون دولار، ويشغلن 30% من مناصب مديري المتاحف الفنية ويكسبن 75 ¢ مقابل كل دولار يكسبه المخرجون الذكور، ويمكن رصد ظاهرة غياب القيادات النسائية، من خلو تمثيلهن في أهم ثلاثة متاحف في العالم (المتحف البريطاني واللوفر والمتروبوليتان للفنون).

خلال السنوات القليلة الماضية، كان هناك اهتمام كبير برصد تمثيل الذكور البيض والمرأة في صالات العرض العليا بالولايات المتحدة تحديدًا

ولا يتوقف الأمر على تولي القيادة واعتبارات الاختيارات التي تميل للرجل، ولكن حتى الذوق العام لا ينصفهن، ويمكن رصد ذلك في قائمة "Artnet " حتى منتصف عام 2018، لأفضل 100 فنان مبيعًا في المزاد، حيث يتذبذب عدد النساء في هذه القائمة بين 2 و6 فقط منذ عام 2013، في الوقت الذي بلغت مبيعات الرجال بمزادات علنية قياسًا بالنساء نحو 96.1% من الأعمال الفنية.

سيطرة الذكور والبيض على المجال الفني.. لماذا؟  

خلال السنوات القليلة الماضية، كان هناك اهتمام كبير برصد تمثيل الذكور البيض والمرأة في صالات العرض العليا بالولايات المتحدة تحديدًا، وتوج ذلك بحث أجرته مؤسسة CUNY College Guttman College في خريف عام 2016، واهتمت آنذاك برصد الظاهرة، عبر تفكيك التركيبة السكانية لـ1.300 فنان، شاركوا في أفضل 45 معرضًا تجاريًا بمدينة نيويورك، وكشفت أن 80.5% من الفنانين الذين يمثلهم المعارض من البيض، مع أنهم لا يمثلون أكثر من 64% من عامة السكان، في الوقت الذي شارك فيه نحو فإن 8.8% من الفنانين السود في المعارض، رغم أنهم يشكلون 16% من سكان الولايات المتحدة، بينما مثل اللاتينيون 1.2% فقط من الفنانين الذين تمثلهم معارض نيويورك، رغم كونهم أكبر مجموعة أقلية في الولايات المتحدة، ويمثلون 16% أيضًا من إجمالي سكان البلاد.

دولة الحد الأدنى التي تعمل بشكل أفضل، عندما تبعد الدولة عن كل شيء، وتترك المجالات تنظم نفسها بنفسها، بما يؤكد أن هناك حاجة ملحة دائمًا لتوسيع نطاق التمويل الحكومي وتنظيم السوق

رغم الحاجة إلى مزيد من الفهم لخصائص المجتمع الأمريكي، ومعرفة لماذا يقل عدد البشر الملونيين في عمليات تشكيل الذوق العام في أخطر مجال "الفن"، إلا أن الدراسات لم توجه أصابع الاتهام لسياسة ما أو لأشخاص، وحملتهم مسؤولية هذا التباين الكبير، وربما يكمن السر في مرونة عملية البحوث بالغرب، وعدم النظر إلى نتائجها بعقلية انتقامية، فالغرض دائمًا إعطاء تقييم صادق للحقائق على الأرض.  

أكثر ما يلفت الانتباه في تقديرات المواقف البحثية، للسيطرة على هذه الفجوات، الضرب في بنية الرأسمالية، إذ توصى معظمها بالحاجة إلى تمويل حكومي لمنصة للفن والفنانين غير المدعومين من السوق، إذ تسيطر لوبيات المصالح على السوق الفنية، وتلقي بظلال من الشك في قدرتها على تسهيل الإنتاج الثقافي بشكل منصف بين جميع الشرائح الاجتماعية والعرقية، وهو ما يضرب بشكل أكبر في العنوان العريض دائمًا لليبيرالية، وذراعها الاقتصادي السوق الحرة، الداعي بشكل جنوني إلى السوق غير الخاضعة للتنظيم، ودولة الحد الأدنى التي تعمل بشكل أفضل، عندما تبعد الدولة عن كل شيء وتترك المجالات تنظم نفسها بنفسها، بما يؤكد أن هناك حاجة ملحة دائمًا لتوسيع نطاق التمويل الحكومي وتنظيم السوق، وإعادة النظر في الرأسمالية وتداعيتها على تكافؤ الفرص والعدالة.