أظهرت النتائج الأولية للانتخابات البلدية التركية بعد فرز أكثر من 99% من صناديق الانتخابات المحلية في عموم البلاد، تقدم حزب العدالة والتنمية بـ44.4%، يليه حزب الشعب الجمهوري بـ30.07%، وحزب الحركة القومية بـ6.6%، ثم حزب إيي بـ7.3%، وحزب الشعوب الديمقراطي بـ3.8%.

وقد بلغ عدد من أدلوا بأصواتهم قرابة 47.8 مليون تركي بنسبة مشاركة بلغت 84.5% من إجمالي عدد أصوات من لهم حق الانتخاب البالغ عددهم 57.093 مليون مواطن، مقسمين على 194 ألفًا و390 صندوقًا انتخابيًا في 81 ولاية تركية لاختيار 1389 رئيس بلدية.

ويتنافس في الانتخابات 12 حزبًا سياسيًا يمثلون مختلف ألوان الطيف السياسي في البلاد، غير أن المنافسة الأبرز تتمحور بين تحالف "الجمهور" المكون من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، وتحالف "الشعب" المكون من حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح، وبدعم من حزب الشعوب الديمقراطي وحزب السعادة.

تكتسب الانتخابات الحاليّة أهميتها كونها تعد اختبارًا مهمًا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، باعتبارها الأولى في ظل النظام الرئاسي الجديد الذي أقر العام الماضي، وهو ما يفسره الاهتمام غير المسبوق من الرئيس وحملته الانتخابية، حيث شارك في 14 تجمعًا حاشدًا في إسطنبول وحدها في يومين فقط، الجمعة والسبت الماضيين.

منافسة شرسة

رغم المنافسة الشرسة في العديد من الولايات فإنها كانت أكثر حدة في العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول، كونهما الأكثر أهمية للمرشحين، إذ زادت نسبة المشاركة فيهما على وجه الخصوص على 83% بحسب وكالة الأناضول.

تشير نتائج الفرز الأولية إلى تقدم الحزب الحاكم في 40 ولاية من أصل 81، فيما يتقدم الشعب الجمهوري المعارض في 20 ولاية، ففي أنقرة، نجح مرشح "تحالف الشعب"، مرشح حزب "الشعب الجمهوري"، منصور يافاش، في الحصول على نحو 50% من الأصوات، في مقابل 47.6% من الأصوات حصل عليها مرشح "التحالف الجمهوري"، مرشح حزب "العدالة والتنمية"، محمد أوزهاسكي.

أما في إسطنبول فما زال الغموض يخيم على الأجواء بعد توقف نظام الفرز المعتمد، عند 98.78% من أصوات الناخبين في الولاية، حصل بموجبها مرشح التحالف الجمهوري بن علي يلدريم على 48.71% من الأصوات، بمجموع 4 ملايين و111 ألفًا و219 صوتًا، مقابل حصول مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو على 48.65% من الأصوات بمجموع 4 ملايين و106 آلاف و776 صوتًا، حيث توقف الفارق عند 4443 صوتًا فقط.

وإزاء هذا الغموض، قال سعدي غوفن رئيس اللجنة العليا للانتخابات، إن النتائج الرسمية ستعلن لاحقًا، بعد تسارع وتيرة حسم الأصوات، هذا في الوقت الذي أعلن فيه يلدريم في تصريح مقتضب له حسم المعركة بينما استنكر منافسه الإعلان قبيل الانتهاء من فرز جميع الأصوات.

الانتخابات الحاليّة ليس كما يعتقد البعض مجرد انتخابات بلدية فحسب، لكن نتائجها ستلعب دورًا محوريًا في خريطة الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، وهذا ما يفسر حجم الاهتمام غير المسبوق الذي توليه مختلف الكيانات السياسية التركية إزاء هذا الاستحقاق

وفي إزمير، معقل العلمانية، فقد فرزت 99% من الأصوات، حقق فيها مرشح "الشعب الجمهوري" أكثر من 58%، فيما حصل مرشح "التحالف الجمهوري" على 38%.

وفي أول تعليق له على نتائج الانتخابات قال الرئيس أردوغان: "لقد أحرز حزب العدالة والتنمية مجددًا المرتبة الأولى في الانتخابات بفارق كبير منذ انتخابات نوفمبر 2002"، مضيفًا في كلمة ألقاها بمناسبة إجراء هذا العرس الديمقراطي "ربحنا في بعض البلديات وخسرنا في أخرى، وفي كلتا الحالتين هذه إرادة الشعب وهذه طبيعة الديمقراطية ونحن نحترمها".

وعن المناطق التي كسبها والتي خسرها العدالة والتنمية، علق أردوغان قائلا: "نقر بأننا كسبنا قلوب الشعب التركي في المناطق التي فزنا فيها وأننا لم نحقق النجاح المنشود في المناطق التي خسرناها وسنحدد مسارنا المستقبلي في ضوء ذلك"، مؤكدًا أن على أجندة العدالة والتنمية "برنامج إصلاحات مهم للغاية".

وتابع "لا توجد أمامنا أي استحقاقات انتخابية لمدة 4 سنوات ونصف وهي مدة سنركز خلالها على العمل على الصعيدين المحلي والدولي، وسنعمل على رفع دولتنا بإذن الله لمستوى الحضارات المعاصرة"، مضيفًا "أولويتنا خلال الفترة الممتدة للعام 2023 هي تعزيز الاقتصاد ومواصلة النمو مع التركيز على التكنولوجيا والتصدير وزيادة فرص العمل".

ومن اللافت للنظر ما أسفرت عنه صناديق الاقتراع في الولايات الشرقية الكردية التي انحازت للعدالة والتنمية بشكل كبير على عكس ما ذهب إليه البعض، وفي هذا الشأن أشار أرودغان إلى أن تلك النتائج "أظهرت أن إخوتنا الأكراد أكدوا أنهم لن يسلموا إراداتهم للمنظمة الإرهابية".

أردوغان يؤكد حفاظ حزبه على الصدارة كما جرت العادة منذ 2002

البقاء على المكتسبات

رغم الخسائر التي مني بها الحزب الحاكم في بعض الولايات فإنه في المجمل نجح في الحفاظ على تفوقه بنسبة لا تختلف كثيرًا عن تلك التي حصل عليها في 2014، حيث حصل وقتها على 46% تلاه حزب الشعب الجمهوري المعارض بنسبة تقارب 28%، ثم حزب الحركة القومية بنحو 15%، فحزب السلام والديمقراطية بأكثر من 4%، وهي النسبة التي تتقارب بشكل كبير ما تم الإعلان عنه حتى الآن.

أبرز ما يميز الانتخابات هذه المرة هو حجم المنافسة الشرسة بين الأحزاب المشاركة، فالتحديات التي تواجهها تركيا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا خلال السنوات الأخيرة أثرت المناخ العام بالمنافسة والتحدي من أجل الدفع بالأفضل لإدارة المشهد الذي يحتاج إلى إبداع ورؤية مستنيرة قادرة على الخروج من المأزق الحاليّ.

وعليه دفع حزب العدالة والتنمية بأسماء بارزة للسيطرة على البلديات الكبرى، مثل رئيس الوزراء والبرلمان السابق بن علي يلدرم الذي رشحه لبلدية إسطنبول الكبرى، في مواجهة مرشح تحالف الشعب أكرم إمام أوغلو، وفي أنقرة، فقد أعلن دعمه 25 مرشحًا، منهم ثلاثة من حزب الحركة القومية.

الانتخابات الحاليّة ليس كما يعتقد البعض مجرد انتخابات بلدية فحسب، لكن نتائجها ستلعب دورًا محوريًا في خريطة الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، وهذا ما يفسر حجم الاهتمام غير المسبوق الذي توليه مختلف الكيانات السياسية التركية إزاء هذا الاستحقاق الذي بات الشغل الشاغل للشارع التركي خلال الأشهر الماضية.

والمتابع لمجرى العملية الانتخابية منذ الإعلان عنها قبل أشهر يشعر أنها تعدت مسألة المحلية بمسافات كبيرة، كونها أشبه بسباق رئاسي يقف فيه الرئيس أردوغان في مواجهة مرشحي الهيئات المحلية من أحزاب المعارضة الذين يتوجب عليهم ليس فقط منافسة أقرانهم من مرشحي الهيئات المحلية، بل ومنافسة صورة وحضور الرئيس التركي الذي جاب المحافظات والبلدات التركية.

نتائج الفرز الأولية تؤكد فوز العدالة والتمية

استطلاعات الرأي تنتصر

خرجت النتائج الأولية التي تم الإعلان عنها بنسبة كبيرة منها مقاربة لما جاءت به استطلاعات الرأي التي أجريت على مستوى البلديات، التي ذهبت إلى منافسة شرسة في إسطنبول تحسم لصالح الحزب الحاكم في مقابل تفوق مرشح الشعب منصور يفاش في أنقرة.

البداية كانت مع سؤال طرحته شركة أوبتيمار في استطلاعها عن أي من المرشحين سوف تعطي لبلدية إسطنبول فكانت الإجابة 45.9% لبن علي يلدرم مرشح تحالف الجمهور و41.6% لأكرم إمام أوغلو مرشح تحالف الأمة، فيما قال 12.5% إنهم مترددون.

وقد جاء استطلاع شركة غيزجي الذي نفذ في 8 مدن ذات بلديات كبرى منها إسطنبول أيضًا مقاربًا لاستطلاع شركة أوبتيمار، حيث كانت الإجابة 45.2% لبن علي يلدرم مرشح تحالف الجمهور و40.6% لأكرم إمام أوغلو مرشح تحالف الأمة، فيما قال 13% إنهم مترددون، وبعد توزيع أصوات المترددين كانت النتيجة 52% لبن علي يلدرم مرشح تحالف الجمهور و46.6% لأكرم إمام أوغلو مرشح تحالف الأمة، ويوضح الشكل التالي هذه العملية.

في أنقرة يحتدم التنافس، فقد رشحت المعارضة مرشحًا معروفًا هو منصور يفاش الذي فضلاً عن أنه نافس على الانتخابات البلدية الماضية فهو ذو خلفية قومية وحاليًّا مرشح من حزب الشعب الجمهوري والحزب الجيد وربما يلقي قسمًا من أصوات مؤيدي حزب الشعوب الديمقراطية الذي فضل عدم ترشيح مرشح له في أنقرة ودعا ناخبيه للتصويت للمرشح الذي يمكن أن يجعل حزب العدالة والحركة القومية خاسرين.

وفي ضوء 6 استطلاعات للرأي لبلدية أنقرة، رأت 5 منها أن مرشح تحالف الأمة منصور يفاش يتقدم على مرشح تحالف الجمهور محمد أوزحسكي وهو ما أكدته صناديق الفرز حتى  كتابة هذه السطور.

خريطة التحالفات السياسية في تركيا سيعاد تشكيلها من جديد أو على الأقل سيطرأ عليها تغير واضح في كثير من ملامحها

تشكيل السياسة التركية

تعد الانتخابات الحالية أول اختبار حقيقي للجهود التي بذلها أردوغان وحزبه على مدار العامين الماضيين في ظل حزمة التحديات التي واجهتها البلاد على رأسها الأزمة الاقتصادية وتراجع قيمة العملة الوطنية، وهو الأمر الذي مثل صداعًا في رأس قيادات الحزب الحاكم في انتظار مدى نجاحهم في اختبار البلديات.

النتائج وفق ما أسفرت عنه حتى الآن تشير إلى نجاح الرؤية الأردوغانية في تسيير المشهد غير أن خسارة بعض الولايات والفوز في الأخرى بشق الأنفس يدفع إلى التنبؤ بإحداث بعض التغييرات الهيكلية داخل حزب العدالة والتنمية بعد الانتخابات، وهو الأمر المتوقع وفق كثير من المحللين.

علاوة على ذلك فإن خريطة التحالفات السياسية في تركيا سيعاد تشكيلها من جديد أو على الأقل سيطرأ عليها تغير واضح في كثير من ملامحها، فالانتخابات الحاليّة ستكون اختبارًا حقيقيًا لأردوغان وقوة تحالفه مع حزب الحركة القومية، وفي الجهة المقابلة فإن الخسارة التي منيت بها المعارضة وإن كانت متوقعة إلا أنها ربما تدفع إلى تغيير بعض القوى المشاركة فيها لإعادة النظر في التزامها تجاه التحالف.

وفي المجمل فقد كسب أردوغان الرهان، ونجح حزب العدالة في اقتناص فوزًا ثمينًا يؤهله لترسيخ أقدامه أكثر وأكثر، وبينما كان يعول البعض، داخليا وخارجيًا، على زلزال شعبي ضد النظام الحاليّ عبر صناديق الاقتراع، ها هي الأخيرة تقول كلمتها، ليواصل الرئيس وحزبه المسيرة ولكن في الوقت ذاته فإن المؤشرات التي خرجت بها العملية الانتخابية لا بد أن تكون نصب أعين الجميع حفاظًا على المكتسبات التي تحققت.