أسدل الستار على الدورة الـ30 للقمة العربية التي عقدت في العاصمة التونسية أمس الأحد بعد أن فشلت في تجاوز الخلافات البينية العربية مكتفية بالتأكيد على العموميات التي اعتادت رفع شعاراتها منذ إنشائها عام 1945.

البيان الختامي للقمة أكد أن قرار الاعتراف بسيادة "إسرائيل" على الجولان باطل مضمونًا وشكلاً، معتبرًا أن أي قرار أو إجراء يستهدف وضعها القانوني أو الجغرافي يعد غير قانوني، مطالبًا - كالعادة - بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفق مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وألمح إلى أهمية السلام الشامل كخيار عربي وفق مبادرة السلام العربية.

ورغم الجمود الذي ضرب القمة في المواقف والخطابات والمخرجات، والتجاهل الواسع لها من حيث الإعداد والتأثير وجدول الأعمال، فإنها كانت ثرية بالعديد من الشواهد والدلالات التي تعكس مستوى ما وصلت إليه الوحدة العربية ومستوى القرار العربي في ظل حالة الانقسام غير المسبوقة بين الأعضاء.

علامات استفهام

تضمنت القمة العديد من المشاهد التي أثارت الجدل وسط تساؤلات لم يتسن الحصول على إجاباتها حتى كتابة هذه السطور، فبعيدًا عن ظاهرة نوم القادة التي باتت سمة للتجمعات العربية في الآونة الأخيرة، إما للمقاعد الوثيرة التي يجلسون عليها أو للخطابات المكررة المثيرة للملل التي تدفع على الاستغراق في النوم، فهناك شواهد أخرى أكثر جدلاً.

البداية كانت مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فبعد إعلان الرئاسة التونسية اعتذاره عن المشاركة في القمة لأسباب خاصة تتعلق بالجانب المصري ولا دخل لتونس فيها، فوجئ الجميع به ينضم إلى قائمة المشاركين في اللحظات الأخيرة، وهو موقف لم تقدم القاهرة تفسيرًا له.

رغم تصدر الملف السوري وقضية الجولان جدول أعمال القمة، فإن المقعد السوري ظل شاغرًا للعام الثامن على التوالي

عدد من التساؤلات فرضت نفسها مع وصول طائرة السيسي للأراضي التونسية، فلماذا غير الرجل رأيه في آخر لحظة؟ وما التطورات التي طرأت لتدفعه للمشاركة؟ ولماذا اعتذر بداية الأمر في الأساس رغم عدم وجود ارتباطات خارجية أو عوائق صحية؟ من الواضح أن هناك خلفيات أخرى للقرار لم يتم كشفها.

كذلك المغادرة المفاجئة لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد بعد انتهاء الكلمة الافتتاحية وقبل إلقاء كلمته، فوفق وكالة الأنباء القطرية فإن الأمير بعث ببرقية إلى الرئيس التونسي أعرب فيها عن خالص شكره وتقديره على ما قوبل به من حفاوة وتكريم خلال وجوده في تونس، متطلعًا إلى أن تسهم نتائجها في دعم وتعزيز العمل العربي المشترك من أجل مصلحة الشعوب العربية، دون الولوج في تفاصيل المغادرة.

الأمر ذاته تكرر مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي غادر القمة قبل انتهاء الجلسة الافتتاحية، فبعد انتهاء كلمة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، خرج الملك برفقة 3 أشخاص، متوجهًا مباشرة إلى المطار، حيث كانت طائرته تستعد للإقلاع، وفق منابر إعلام محلية.

سلمان بعث هو الآخر ببرقية شكر للرئيس التونسي، أكد فيها عن عمق العلاقة بين البلدين ورغبتهما في تعزيزها في جميع المجالات، وفي تجديد أواصر الأخوة والمحبة بين الشعبين الشقيقين، مشيدًا "بالنتائج الإيجابية لقمة مجلس جامعة الدول العربية في دورته الثلاثين".

ورغم تصدر الملف السوري وقضية الجولان جدول أعمال القمة فإن المقعد السوري ظل شاغرًا للعام الثامن على التوالي، منذ تجميد عضوية دمشق في 2011، هذا في الوقت الذي تهرول فيه بعض الأنظمة العربية لتطبيع الأوضاع مع نظام الأسد في إطار تصاعد الحديث عن قرب عودة سوريا للحضن العربي مجددًا.

شغور الكرسي السوري  منذ 2011

الاتفاق على العموميات

بينما يعلن العرب اتفاقهم في نهاية قمتهم على رفض قرار الولايات المتحدة الاعتراف بسيادة "إسرائيل" على الجولان، إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم بشأن موعد ومكان انعقاد القمة القادمة، فالبيان الختامي للقمة أكد أن إعلان ترامب بشأن الجولان باطل مضمونًا وشكلاً، معتبرًا أن أي قرار أو إجراء يستهدف وضعها القانوني أو الجغرافي يعد غير قانوني

البيان ذاته طالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفق مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وألمح إلى أهمية السلام الشامل كخيار عربي وفق مبادرة السلام العربية، مجددًا التأكيد على مركزية قضية فلسطين في العمل العربي المشترك، وعلى الهوية العربية للقدس الشرقية المحتلة عاصمة دولة فلسطين، داعيًا إلى إعادة إطلاق مفاوضات جادة تضمن سلامًا شاملاً وعادلاً.

وجاء فيه على لسان وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي أنه من غير المقبول استمرار الوضع الحاليّ الذي حول المنطقة العربية إلى ساحات صراعات إقليمية ونزاعات مذهبية وملاذ للجماعات الإرهابية، مشيرًا إلى أن المصالحة الوطنية العربية نقطة البداية الضرورية لتعزيز مناعة المنطقة العربية.

كما حذر من استمرار الخلافات والصراعات في المنطقة، مؤكدًا أنها ساهمت في استنزاف الكثير من الطاقات العربية وإضعاف التضامن وأتاحت التدخل في شؤون المنطقة، مطالبا بتعزيز العمل العربي المشترك، مشددًا على أهمية العمل للتوصل إلى تسويات لأزمات سوريا وليبيا والحفاظ على وحدة أراضي العراق واستقرار لبنان وتنمية الصومال.

عزا مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية (غير حكومي مقره القاهرة) أسباب غياب الأزمة الخليجية عن القمة العربية للمرة الثانية إلى ما أسماه "حالة تيه سياسي" يشهدها العالم العربي

الأخوة العربية.. شعارات جوفاء

في الوقت الذي افتتحت فيه القمة فعالياتها بآيات من القرآن الكريم تذكر بنعمة الأخوة وتحث عليها، ويرفع المشاركون فيها شعارات الأخوة ونبذ الخلافات وتوحيد الصف كما جاء في كلماتهم، إلا أن أحد أهم الملفات العربية التي تثير الآن شرخًا واسعًا بين الأخوة الأشقاء غابت عن مباحثات القادة العرب، وهو ملف الأزمة الخليجية التي تسببت في انقسام شديد وتقطيع للأواصر والأرحام.

الدكتور سعيد صادق، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة، علق على تجاهل ملف الأزمة في القمة قائلا إن الدول الخليجية لا سيما السعودية والإمارات لن تقبل بنقاش القضية بجدول أعمال قمة تونس.

المحلل السياسي استبعد في تصريح لـ"الأناضول"، أن تلقى الأزمة اهتمامًا لافتًا، وعزا ذلك إلى "غياب الإرادتين العربية والدولية لتحريك هذا الملف وإعادة الاتصال مع الفرقاء الخليجيين"، متوقعًا أن "تظل الأزمة الخليجية مجمدة على المديين القصير والمتوسط بناء على عدة معطيات إقليمية ودولية".

من جانبه عزا مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية (غير حكومي مقره القاهرة) أسباب غياب الأزمة الخليجية عن القمة العربية للمرة الثانية إلى ما أسماه "حالة تيه سياسي" يشهدها العالم العربي، مضيفًا أن البوصلة السياسية العربية فُقدت بين القضية الفلسطينية التي تعاني "موتًا" دبلوماسيًا، وتعقيد الأوضاع في سوريا بعد القرار الأمريكي بتسليم الجولان إلى "إسرائيل" والأوضاع في اليمن والأزمة الخليجية والعلاقات العربية الغربية.

وأضاف غباشي أن استمرار الأزمة يكمن في "غياب الإرادة الخليجية في مناقشة تلك الأزمة على طاولة الجامعة العربية، والإصرار على الاحتفاظ بها على أرضية خليجية"، وتابع "كلما طال عمر الأزمة ازدادت تعقيدًا وغابت سبل حلها، فالدول العربية منقسمة بين موقف الانحياز للرباعي العربي والانحياز لقطر والوقوف على الحياد".

نوم القادة أبرز سمات القمم العربية

احتجاجات شعبية

من الملفت للنظر كذلك في الدورة الثلاثية للقمة العربية حالة الرفض الشعبي لإقامتها، فبجانب تنديد بعض أعضاء البرلمان التونسي بمشاركة قادة بعض الدول لضلوعهم في جرائم ضد الإنسانية ضد شعوبهم، خرجت العديد من التظاهرات الرافضة لعقد القمة في تونس.

ففي شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، تظاهر عشرات التونسيين، أمس الأحد، استجابة للدعوة التي أطلقتها "الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع" (مستقلة)، ضد القمة العربية ، واعتبروا أنها تهدف إلى تمرير مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني.

المشاركون في التظاهرة التي دعت إليها الشبكة المكونة من مجموعة من الأحزاب والمنظمات المدنية، من بينها التيار الشعبي وحركة الشعب والحزب الجمهوري والهيئة الوطنية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية والرابطة التونسية للتسامح، رفعوا شعارات مساندة للقضية الفلسطينية من قبيل "لا صفقات تطبيعية على الأراضي التونسية" و"تحرير فلسطين واجب الأمة" و"فلسطين عربية لا حلول استسلامية".

باستثناء ملف الجولان الذي اتفق العرب على رفض وضعه تحت السيادة الصهيونية، والتأكيد على بقاء القضية الفلسطينية القضية المركزية التي لا استقرار في المنطقة وفي العالم دونها، وهي ذات الشعارات المرفوعة منذ عام 1967، لم يتوافق القادة العرب على أي من الملفات الساخنة الأخرى والتي تعزز الانقسام البيني

كما حاولوا تنظيم مسيرة احتجاجية نحو مقر انعقاد القمة العربية لكن قوات الأمن التونسي التي كانت حاضرة بكثافة، منعتهم من التقدم، فيما قال أحمد الكحلاوي رئيس الهيئة التونسية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية، إن تنظيم الوقفة الاحتجاجية يأتي بمناسبة القمة العربية التي هي "قمة استسلام وتطبيع وقمة العمالة للأجنبي والعداء للمقاومة".

واعتبر في تصريحات له أن هذه القمة جاءت لتمرير التطبيع، مؤكدًا أن التونسيين لا يريدون مثل هذه القمم، وأنهم كانوا وسيظلون دائمًا في صف المقاومة، مضيفًا أن المحتجين يرفضون انعقاد القمة في تونس وينددون بكل ما ستقرّره، وهو نفس ما ذهب إليه زياد لخضر القيادي في الجبهة الشعبية (ائتلاف يساري/ 15 نائبًا في البرلمان) الذي شدد على أن المحتجين وجموع الشعب العربية مصصمة على نهج المقاومة الشاملة لمجابهة العدو الصهيوني، مستبعدًا خروج القمة الحاليّة بأي جديد "لن تكون إلا حلقة جديدة في إطار الاستسلام والخنوع والتفريط في الحقوق العربية".

وباستثناء ملف الجولان الذي اتفق العرب على رفض وضعه تحت السيادة الصهيونية، والتأكيد على بقاء القضية الفلسطينية القضية المركزية التي لا استقرار في المنطقة وفي العالم دونها، وهي ذات الشعارات المرفوعة منذ عام 1967، لم يتوافق القادة العرب على أي من الملفات الساخنة الأخرى التي تعزز الانقسام البيني وتذهب بالجامعة إلى مزيد من التشقق والتشرذم.