يحيا الشارع المصري هذه الأيام حالة من السخونة جرًاء اقتراب موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية المقترحة والتي تتضمن عددًا من البنود على رأسها السماح للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بالبقاء في الحكم حتى 2034 هذا بخلاف منحه العديد من الصلاحيات الأخرى بعضها قضائية.

بعض المصادر البرلمانية تشير إلى احتمالية إجراء عملية الاستفتاء خلال أيام 20 و21 و22 إبريل الجاري لتصويت المصريين في الخارج، وأيام 27 و28 و29 إبريل لتصويت المصريين في الداخل، على أن تُعلن النتائج النهائية يوم الخميس الموافق 2 مايو/أيار المقبل، قبيل أيام من بدء شهر رمضان.

العديد من اللافتات الدعائية التي تحث المواطنين على المشاركة والتصويت بـ "نعم" بدأت تجتاح الشوارع والميادين، دون وجود لافتة تذكر تعارض تلك التعديلات، الملصقات الدعائية والمتوقع أن تغطي سماء المدن الرئيسية المصرية خلال الأيام القليلة المقبلة أثارت العديد من التساؤلات حول الجهات التي تمولها خاصة وأن بعضها يمتاز بالجودة العالية وفي أماكن عرض بمقابل مادي كبير.. فمن يتحمل كلفة هذه اللافتات؟

النواب.. جهود متواصلة

جهة التمويل الأولى لتلك اللافتات كانت من نصيب أعضاء مجلس النواب (البرلمان) والذين كرسوا جهودهم للترويج للتعديلات عبر تدشين المؤتمرات وإقامة السرادقات والقيام بالجولات المكوكية بين ريف مصر ومناطقها النائية لإقناع المصريين بأهمية تلك التعديلات التي يرونها شرطا لنهضة الدولة المصرية.

485 عضوا بالبرلمان من مؤيدي تلك التعديلات أقاموا مئات الندوات على نفقتهم الخاصة في مختلف محافظات مصر، بجانب أخرى تحمل كلفتها رجال الأعمال الداعمين للنظام، تطرقوا خلالها إلى ضرورة المشاركة والتصويت بالموافقة مع شرح بعض تلك المواد التي تضمنتها التعديلات.

الناس عندها وعى كافى، بدليل إن بعد ما الناس سمعت التوضيح، أكثر من 85% من حضور المؤتمرات الجماهيرية فى الدائرة يبدون تأييدهم للتعديلات.. البرلماني صلاح حسب الله

كشف عدد من أعضاء مجلس النواب فى المحافظات، عن كواليس المؤتمرات الجماهيرية التى نظموها بشكل فردى، مؤكدين أن بعض المواطنين لديهم ظن بأن التعديلات كلها مادة واحدة، وأن ما يزيد عن 80% من المواطنين يؤيدون التعديلات، بعد توضيحها بالشكل السليم، حسبما نقلت عنهم صحيفة"اليوم السابع" الموالية للنظام.

البرلماني ياسين عبد الصبور، والذي نظام عددا من المؤتمرات الجماهيرية فى منطقة أبو هور بنصر النوبة(جنوب)، قال إن الجماهير فى الدائرة تأكدت أن التعديلات ستصب فى صالح المواطن البسيط وليس أفراد بعينهم، بعد استعراضها وشرح أهدافها، متابعاً: "الناس كانت فاهمة إننا بنعدل الدستور فقط علشان الرئيس الحالى".

أما صلاح حسب الله، المتحدث باسم البرلمان، فقال على هامش إحدى المؤتمرات الجماهيرية التي أقامها " "مزاج الناس فى الشارع يبحث عن فهم التعديلات وتوضيحها بالشكل الصحيح، وعدم توجييهم، الناس عندها وعى كافى، بدليل إن بعد ما الناس سمعت التوضيح، أكثر من 85% من حضور المؤتمرات الجماهيرية فى الدائرة يبدون تأييدهم للتعديلات".

من جانبه علق النائب أحمد همام، بأنه كان لزاما وواجبا أن تتم في هذه المرحلة بالأخص التي يعيشها الوطن، وجاءت كلها تعديلات لصالح المصريين ولاستقرار الوطن ودعم مسيرة التنمية وما تم من إنجازات عملاقة، مضيفا "كلنا نوافق علي التعديلات الدستورية لأنها لمصلحة المواطن المصرى".

فيما قال محمد صلاح أبو هميلة "أنا بعتبر هذه التعديلات إصلاحات دستورية وليست تعديلات دستورية، وذلك لأن الدستور تم وضعه  في فترة غير مناسبة لإقرار دساتير، فهناك بعض القصور به"، مضيفا "إننا نعتبر الدستور كائن حي ويحدث ذلك في جميع الدول، وفي النهاية الرأي الأخير للشعب وهو صاحب القرار".

الأحزاب السياسية.. نشاط مكثف

جهة التمويل الثانية والتي فرضت نفسها على الساحة السياسية تمثلت في عدد من الأحزاب السياسية الموالية للنظام والتي أخذت على عاتقها شعلة الدفاع عن التعديلات وكأنها معركة بقاء بالنسبة لها، خاصة وأن بعضها يطمح في الحصول على مكاسب سياسية خلال المرحلة المقبلة.

ويتصدر حزب مستقبل وطن والمصريين الأحرار والحرية قائمة الأحزاب الأكثر حضورًا في هذا المضمار، حيث أفادت مصادر خاصة لـ "نون بوست" أن تعليمات رسمية صدرت من قادة تلك الأحزاب بالتنسيق مع جهات سيادية للترويج لفكرة التعديلات الدستورية وحث المواطنين على المشاركة والتصويت بالموافقة.

بدأت تنتشر العديد من اللافتات على عدد من المحال تنادي بالموافقة على التعديلات المقترحة، فهذا جمال الجزار يؤيد التعديلات وذلك أشرف القهوجي، وهكذا في مشهد يعيد الشارع المصري إلى 14 عاما للخلف

ومن خلال جولة عامة على نشاط تلك الأحزاب خلال الأيام الأخيرة، يلاحظ أن بعضها يجري عشرات المؤتمرات في نفس اليوم مقسمة على مراكز المحافظات ومدنها البعيدة، والملفت للنظر في مثل هذه المؤتمرات أنها تتم بالمشاركة مع الأجهزة التنفيذية بالمحافظات وبعضها يشارك فيها قادة وخبراء عسكريين ومسئولين حاليين في مناصب قيادية.

أيمن أبو العلا رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار، وعلى هامش ندوة نظمها الحزب قبل أيام فى مقر الحزب بالجيزة، بحضور معظم قيادات وأعضاء الحزب، والقيادات الجماهيرية فى المحافظة وعدد من المواطنين، أضاف أن المواطنين تقبلوا التعديلات بشكل كبير، واستمعوا لكافة الملاحظات التى وضحها قيادات الحزب، متابعاً: " كان فيه شوشرة كبيرة فى الإعلام المضاد عن مواد مش موجودة فى التعديلات، وإن التعديلات مجرد مادة لرئيس الجمهورية الحالى، ومعندهمش فكرة عن المكتسبات، وبعد ما الناس فهمت، 90% من الناس اللى حضروا أيدوا التعديلات".

ندوة لحزب مستقبل وطن عن التعديلات الدستورية

المواطنون وسيناريو 2005

جهة التمويل الثالثة والتي ربما تكون الأكثر انتشارًا تلك التي تعيد للأجواء سيناريو 2005، حيث التعديلات الدستورية التي جرت وقتها على المادة (76) من الدستور والتي كانت تعبد الطريق أمام الرئيس المخلوع حسني مبارك للبقاء في الحكم دون منافس في ظل الشروط التعجيزية التي وضعتها التعديلات المقترحة على كل من يفكر في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية.

حينها مارست السلطات الأمنية ضغوطها المعتادة على أصحاب المحال التجارية والشركات والمقاهي بكتابة لافتات مؤيدة للتعديلات دون معرفة مضمونها، بل وصل الأمر إلى كتابة لافتات بأسماء وهمية لا علاقة لهم بأي شيء، بل إن بعضهم لا يعرف القراءة والكتابة.

السيناريو ذاته يبدوا أنه سيتكرر هذه الأيام، حيث بدأت تنتشر العديد من اللافتات على عدد من المحال تنادي بالموافقة على التعديلات المقترحة، فهذا جمال الجزار يؤيد التعديلات وذلك أشرف القهوجي، وهكذا في مشهد يعيد الشارع المصري إلى 14 عاما للخلف.

الإرهاصات الأولى لهذا السيناريو بدأت خلال انتخابات الرئاسة 2014 و2018 حيث أضطر رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمحال لتعليق لافتات ترويجية وعمل دعايا بصور الرئيس وأبرز انجازاته في محاولة للتسويق له وحث المواطنين على المشاركة وهو ما حقق الهدف منه بصورة أو بأخرى.

بين المكاسب المتوقعة والخوف من الاعتراض..  من المتوقع أن يتبارى المواطنون ورجال الأعمال بجانب أعضاء البرلمان والأحزاب السياسية لإغراق الشارع المصري باللافتات التي تحث على المشاركة والموافقة على التعديلات المقترحة، تلك الدعايا التي تتجاوز كلفتها الملايين في وقت يقبع فيه نصف الشعب تحت مستوى خط الفقر.