تترادف مؤشرات كثيرة على عودة أيتام بن علي إلى ممارساتهم الفاشية في تونس في أفق انتخابات 2019 والطبقة السياسية مقسمة بين مذهول من وقاحتهم وقلة حيائهم السياسي ومتواطئ معهم يغض الطرف عن فاشيتهم ما دام المستهدف الأول من فاشيتهم هم الإسلاميون على أمل أن يمحقوهم وهو الأفضل أو أن يقلصوا من نفوذهم إذا تعذر استئصالهم.

سأتوقف عند ممارسات تجمعية عائدة تحت يافطة البورقيبية تقودهم زعيمة خرجت فجأة من حلقات الزغاريد التي كنت تأتمر بأوامر زوجة بن علي وترفع لها مجامير البخور إذا خرجت من قصرها، وسأحرم اسمها أن يكون في محركات البحث عبر هذه الورقة (الفاشية الصريحة)، وعند لحظة غضب في البرلمان جعل نائبة من نائبات حزب الشاهد الجديد تهدد التونسيين بالحرمان من الحرية تحت قبة البرلمان مساء الـ4 من أبريل/نيسان 2019 (الفاشية الكامنة).

الفاشية الصريحة

مشاهد الفيديو المسجلة من زمن سابق على الثورة تذكرنا بزعيمة الفاشية الجديدة أو العائدة عندما كانت والبخور بين يديها تقود مظاهرات بشعار وحيد الله أحد بن علي ما كيفه حد (لا مثيل له).

لبست السفساري واختفت من المشهد حتى لم يعد يسمع لها ركز ثم بدأت تطل برأسها وتجمع حولها كل غوغائي وتعقد الاجتماعات باسم حزب قانوني وتنقل جمهورها بحافلات (الباصات) من مدينة إلى أخرى متعمدة المرور أولاً بالمدن ذات النفس الثوري التي كان لها الدور الرئيسي في إسقاط بن علي.

خطاب استفزازي يجرم الثورة ومن قام بها ويخطط إلى محاكمة كل من سار أو خطب أو كتب مع الثورة، داعية في نفس الوقت إلى تمجيد بن علي وإعادته إلى بلده معززًا مكرمًا ومحاكمة من حاكمه

زعيمة الفاشية التونسية التي شبهها الشارع التونسي بجان ماري لوبان الفرنسية تنتج موقفًا من أنصار الثورة والإسلاميين مطابقًا لموقف اليمين الفرنسي خاصة والأوروبي عامة من المهاجرين العرب والأفارقة في البلدان الأوروبية، فهي تمن عليهم حقهم في الحياة وتدعو إلى طردهم كأنهم مهاجرون أجانب في تونس.

خطاب استفزازي يجرم الثورة ومن قام بها ويخطط إلى محاكمة كل من سار أو خطب أو كتب مع الثورة، داعية في نفس الوقت إلى تمجيد بن علي وإعادته إلى بلده معززًا مكرمًا ومحاكمة من حاكمه.

تنفق الزعيمة الفاشية بلا حساب على اجتماعاتها بما طرح أسئلة كثيرة عن مصادر تمويلها، فمن قال إنها أموال بن علي وزوجته وأصهاره القدامى والجدد ومن قال إنها أموال إماراتية سعودية أُنفق مثلها على حزب النداء في 2014 ولكن ذهبت سدى لأنها لم تؤد إلى معركة استئصال ضد الإسلاميين (إذ رفض الرئيس الباجي أن يخوض تلك المعركة بشكل صريح)، فاشية بمال وسخ في كل الحالات يراه الجميع ولا يحرك ساكنًا ضدها وضد خطابها المعادي للثورة والدستور والديمقراطية، هنا يتضح وجه آخر من وجوه النخبة السياسية التونسية: وجه الاستثمار في الفاشية أو انتظار الغنيمة من إثرها.

البارحة أطلت برأسها من منطقة لاواعية بذهن نائبة من نواب حزب الشاهد المتحولة من النداء الذي تجمع على أساس فاشي وعجز بين 2014 و 2019 على إخراج فاشيته وظلت تعتمل في نفوس كثيرة حتى شفطها الشاهد لحسابه وبدأ يكشر عن فاشيته

فخطاب الزعيمة الفجئية موجه أساسًا ضد الإسلاميين، فهم الخونة وهم صنيعة الربيع العبري وهم أداة المؤامرة على الدولة والأمة والمشروع الوطني الذي بناه بن علي لذلك وجب استئصالهم على طريقة بن علي عام 91، يصمت أغلب السياسيين على هذا الخطاب متناسين تاريخ بن علي الذي بدأ بالإسلاميين وثنى بالبقية الباقية، ما دام هناك من يمكن أن يوجع الإسلاميين ويبعدهم عن الصندوق والبرلمان فمرحبًا وبصمت متواطئ.

دع الفاشية تقضي عليهم، سنغنم من وراء ذلك تمامًا، كما انتظروا الغنيمة من جريمة بن علي فلم ينالوا إلا الحصرم، لكن الفاشية الكامنة أكبر من هذا الصمت المتواطئ مع الفاشية الصريحة.

الفاشية الكامنة

البارحة أطلت برأسها من منطقة لاواعية بذهن نائبة من نواب حزب الشاهد المتحولة من النداء الذي تجمع على أساس فاشي وعجز بين 2014 و2019 على إخراج فاشيته وظلت تعتمل في نفوس كثيرة حتى شفطها الشاهد لحسابه وبدأ يكشر عن فاشيته.

في عراك برلماني بشأن التحركات الاجتماعية الجارية وخاصة إضراب الجامعيين واعتصامهم بالوزارة والاحتجاجات على الزيادة في أسعار المحروقات في ظرف اقتصادي صعب على المواطنين خرجت النائبة تصرخ "انسوا الحرية"، فكشفت في لحظة غضب ما يعتمل داخل حزب الشاهد.

مشروع فاشي يتسلل إلى مفاصل الحكم ويهدد بحرمان الناس من المكسب الوحيد الذي يتحملون من أجله ضنك حكم النداء ومن تناسل منه وفشله في إدارة المرحلة (2014-2019)، "انسوا الحرية" هذا ما ينتظر التونسيين في صورة التصويت لحزب الشاهد الذي يجمع التجمعين الباقين خارج حزب الزعيمة الفاشية الصريحة.

بين فاشيتين واحدة صريحة ووقحة والأخرى تتسلل تحت يافطات التعددية والديمقراطية وبمال لا يقل قذارة عن مال الفاشية الصريحة، نتقدم إلى انتخابات 2019 حائرين لمن نصوت.

حالة رعب تتملك الإسلاميين فلا ينبسون ضد فاشية حليفهم ولا ضد ساحة تعيد إنتاج فاشيتها

حالة من الهوان والتشتت والفوضى تعم الطيف السياسي الديمقراطي أو من يزعم أنه كذلك، فالخطر ظاهر للعيان ولكن بأسهم بينهم شديد فلا يجتمعون لحماية مكاسبهم وفي مقدمتها الحرية ولسان حالهم يقول لن نكون ضحايا ما دام الهدف هو خصمنا المشترك الإسلامي.

وحالة رعب تتملك الإسلاميين فلا ينبسون ضد فاشية حليفهم ولا ضد ساحة تعيد إنتاج فاشيتها، بعضهم يستثمر في التخويف الداخلي كضمان لالتفاف أنصار الحزب حول قيادته ولكن جميعهم يخاف أن يتصدى في الشارع للخطاب الفاشي خوف الاتهام بالعنف ورفض التعدد.

حفتر والحفاترة

فيما تطل الفاشية التجمعية في تونس برأسها مهددة مكاسب الثورة القليلة نسمع لها زغاريد فرح بتقدم حفتر الفاشي نحو طرابلس ونسمع لهم بكاء على استقلال الجزائر، فالشارع الجزائري الذي يتحرك منذ شهور ثلاث تحركه في زعمهم نفس مؤامرة الربيع العبري، نفس الزغاريد التي سمعناها فرحة بقدوم الفاشي السيسي متسللاً لحضور اجتماع الجامعة العربية.

هي موجة فاشية ترتد على ثورة شاملة، فهل يكتب لها التقدم على حساب الحرية؟ القلوب تبلغ الحناجر في تونس والجزائر وليبيا وربما بقيت بقية من ثورة في مصر تتربص بالسيسي وعسكره وقد باع مصر بالقطاعي، فعلى من نعول للتصدي لهذه الموجة؟

لا شك أن سنة 2019 ستكون سنة حاسمة في بلدان المغرب العربي الثلاث، فإما انتصار الفاشية والردة على ما اكتسب أو يكون الحسم بوسائل الديمقراطية ويتقدم الربيع العربي في مربعاته ولو متعثرًا

للأسف (نكتب بألم بالغ) الطبقة السياسية في تونس ليست موحدة ضد الفاشية، وكثير منها فاشي صامت حتى يرى اتجاه الريح، فهو يظهر تعاطفًا مع الشارع الجزائري لكنه يبدو خائفًا على الجزائر أكثر من أبنائها كأن حكم الفساد فيها محبذ على إصلاحها، وهو يعلن نفسه ديمقراطيًا في تونس ولكنه لا يخفي سعادته بما تفعله فاشية بن علي، وهو مع حفتر ما دام يستعيد مجد القذافي ولو هدد الحدود الشرقية لتونس والجزائر.

لا شك أن سنة 2019 ستكون سنة حاسمة في بلدان المغرب العربي الثلاث، فإما انتصار الفاشية والردة على ما اكتسب أو يكون الحسم بوسائل الديمقراطية ويتقدم الربيع العربي في مربعاته ولو متعثرًا، ولا نستبعد انفجار عنف غير قابل للضبط هنا أو هناك، فقلة حياء الفاشية لا يمكن توقع حدودها.