في مثل هذا اليوم منذ 34 عامًا أطاحت الانتفاضة الشعبية السودانية بنظام الرئيس السابق جعفر محمد نميري، وأزاحوه عن سدة حكم جلس عليها 16 عامًا، حينها انحاز الجيش إلى الشعب وتولى الأمور قرابة عام، ثم سلمها إلى حكومة الصادق المهدي المنتخبة.

واليوم تأمل المعارضة السودانية والجموع الغاضبة تكرار سيناريو 1985 مرة أخرى، حيث تلقي آمالاً عريضة على فعاليات الحراك الثوري اليوم لاستعادة هذا الانتصار التاريخي مجددًا، وذلك من خلال موكب 6 أبريل الذي يتخذ زخمًا مغايرًا منذ بدء موجة الاحتجاجات في البلاد قبل نحو أربعة أشهر، بعد أن قرر منظموه التوجه صوب قيادة الجيش لتسليم "مذكرة التنحي".

لم يشهد الشارع السوداني منذ انطلاق الاحتجاجات في 19 من سبتمبر الماضي حالة من التأهب كالتي يشهدها اليوم، إذ استنفرت المعارضة كوادرها منذ أيام بإصدار بيانات داعية للخروج في الموعد، واعتبر كل من حزب الأمة القومي والتجمع الاتحادي المعارض في بيانين منفصلين النزول إلى الشارع "فرض عين" على الكل.

آمال كثيرة تعلقها القوى المشاركة في الموكب الذي من المتوقع أن يعم أرجاء الولايات المختلفة، شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا، وتبقى استجابة القوات المسلحة وانحيازها لإرادة الشارع هي المحك الرئيسي لتكرار سيناريو النميري مرة أخرى، في الوقت الذي يكتفي فيه البشير بمراقبة الوضع عن كثب.. فهل يعيد التاريخ نفسه؟

تأهب غير مسبوق

على مدار الأيام الماضية دشنت القوى السياسية المعارضة (قوى إعلان الحرية والتغيير) حملات مكثفة في الشوارع والميادين وعلى منصات التواصل الاجتماعي وعبر لجان المقاومة الخاصة بها في المدن والأحياء، للإعداد لموكب الـ6 من أبريل الذي ترغب المعارضة أن يتجاوز عدد المشاركين فيه المليون متظاهر في الخرطوم وحدها.

وعبر الصفحة الرسمية لتجمع المهنيين السودانيين قالت القوى المعارضة التي تضم التجمع ونداء السودان والتجمع الاتحادي وقوى الإجماع الوطني وتنظيمات أخرى، إن مواكب السبت، التي أسمتها "موكب السودان الوطن الواحد"، تستلهم ذكرى ثورة أبريل العزيزة على قلوب السودانيين المدنيين الذين خرجوا للشوارع، والعسكريين انحازوا لمطالب التغيير في ذلك الوقت.

"الموكب سيكون نقطة فارقة في طريق الوعي والعبور التاريخي".. حزب الأمة القومي

وقال البيان: "الرهان على الجيش هذه المرة أيضًا في دعم التغيير ليس مناورة أو تمويهًا، لكنه رهان يستند على إصرارنا في الاستمرار على درب ثورة سلمية تحميها القوات المسلحة، خادمة الشعب ومنجدة الوطن في النكبات".

العديد من الآمال عقدها المشاركون، ففي منشور أصدره حزب الأمة القومي قال فيه: "الموكب سيكون نقطة فارقة في طريق الوعي والعبور التاريخي"، مطالبًا بـ"التمعُّن بعمق في إرادة الشعب السوداني، الرافضة للطغيان والإذلال والخنوع والتأمل في إبداعه في صناعة الانتفاضات"، مشيرًا إلى أنَّ "الدروس المستفادة من كل الثورات السودانية هي أن حتمية التغيير لا مناص منها بتوفر الظروف الموضوعية والذاتية من أزمة سياسية واقتصادية عميقة، وصراع داخل النظام، وتزايد القمع والبطش، ومحاصرة الحريات، وانتهاك الحقوق، وانكشاف المشاريع الزائفة، والتضليل الإعلامي المُصاحب، وتوافر إرادة شعبية بضرورة التغيير، مع تصاعد السخط الشعبي، وبروز قيادات سياسية من رحم الثورة".

البيانات المنشورة على الصفحات الرسمية للقوى المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي تشير إلى أماكن التجمع في مختلف ولايات الدولة، مؤكدين على الحفاظ على سلمية حراكهم، حيث من المفترض أن يتجه المتظاهرون لمقر القيادة العامة للجيش السوداني بقلب الخرطوم لتسليم مذكرة تطالب بإسقاط النظام، مع مظاهرات متزامنة في ولايات السودان المختلفة تتجه صوب الوحدات العسكرية هناك.

نقطة مفصلية

تعد تظاهرات اليوم نقطة مفصلية في مسيرة الحراك المستمر قرابة ثلاثة أشهر ونصف، كونه المرة الأولى التي يلقي بالكرة في ملعب القوات المسلحة، وهو تطور يحمل الكثير من الدلالات لا سيما أنه يتزامن مع تطور الأحداث في الجزائر، إذ أجبر المتظاهرون الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على التنحي.

البيان الصادر عن المعارضة أظهر رؤية مختلفة لدور الجيش في المرحلة المقبلة، إذ جاء فيه "رهاننا على الجيش في دعم التغيير ليس مناورة أو تمويها، ولكن استنادًا إلى إصرارنا على الاستمرار في درب ثورتنا في سلمية تحميها القوات المسلحة"، وهو تغير واضح في بوصلة الحراك ربما يحدث الفارق إن تمت الاستجابة.

أما رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض عمر الدقير فأشار إلى أن اختيار الـ6 من أبريل ميقاتًا للحراك ليس اختيارًا عشوائيًا لكنه ذو دلالة تاريخية يسعى المتظاهرون لاستحضارها مرة أخرى، مؤكدًا أن الحراك الثوري الحاليّ هو نتاج لتراكم نضال السودانيين طوال 30 عامًا.

"ساعة الصفر اقتربت تمامًا ولم يتبقَ لها إلا انحياز القوات المسلحة للشعب، كما حدث في تجربة ثورة أبريل، وهو أمر لا يستبعد حدوثه في القريب العاجل، استنادًا إلى الثقة المتبادلة بين الشعب والجيش"  اللواء المتقاعد فضل الله برمة ناصر

واعتبر الدقير في تصريحاته لـ"الجزيرة" أن "ثورة اختصرت مطالبها في شعارين رئيسيين هما: "تسقط بس" كخيار وحيد، و"حرية.. سلام وعدالة" كمشروع لإعادة بناء الوطن على أسس جديدة" يعني أنه ليس أمام نظام الإنقاذ إلا الرحيل"، وتوقع أن يجعل السودانيون من 6 أبريل علامة فارقة في مسار حراكهم الثوري.

وفي السياق ذاته توقع القيادي في التجمع الاتحادي المعارض محمد عبد الحكم أن حشد السبت سيكون نقطة مفصلية "لكنه ليس النهاية.. ربما بداية مرحلة جديدة من الانتصار السوداني والانكسار الكيزاني، وسيكون 6 أبريل يوم الزحف الأكبر"، فيما اعتبر المحلل السياسي فيصل محمد صالح أنه لو تدخل الجيش لحماية المتظاهرين من بطش الأجهزة الأمنية فسيعد إنجازًا كبيرًا يفتح الباب لمسيرات ومواكب أكبر يمكن أن تغير الأوضاع في البلاد كليًا".

المعارضة تضع القوات المسلحة في مواجهة مع البشير

سيناريو 1985

تكرار سيناريو 1985 يداعب مخيلات الكثير من المشاركين في حراك اليوم، لا سيما في ظل أوجه الشبه التي تجمع بينه وبين الانتفاضة الحاليّة، سواء من حيث دوافع الخروج أم الأهداف المنشودة من ورائهما، حيث كان رفض الحكم العسكري هو الشعار الأبرز لكلا الحراكين بجانب انتفاضة أكتوبر 1964 التي اقتلعت النظام العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964).

علاوة على آليات الحراك ذاته الذي انتهج السلمية مبدأ له بجانب العديد من أدوات الضغط الأخرى كالاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات والعصيان المدني وغير ذلك من الإستراتيجيات التي حققت نجاحًا نسبيًا في دفع الانتفاضة نحو الاستمرارية ومواصلة السير رغم التحديات التي تواجهها.

غير أن أبرز ما يميز الاحتجاجات الحاليّة والمستمرة منذ ديسمبر الماضي أنها شهدت إجماعًا شعبيًا على أهدافها، رغم أنها بدأت بصورة تلقائية دون قيادة سياسية تحدد بوصلتها، ولعل هذا هو السبب الرئيسي فيما شهدته من زخم حتى الآن، الأمر الذي جعلها دومًا في تصاعد مستمر لتعم 89 مدينة.

وبينما يأمل المحتجون تكرار سيناريو النميري، في الجهة المقابلة هناك من يقلل من شأن هذا التوقع، إذ ذهب قياديون مقربون من الحزب الحاكم إلى أن ما يدور في الشارع السوداني حاليًّا لا يرقى إلى تسميته بثورة أو انتفاضة، بل هو وفق تصورهم مجرد احتجاجات وتظاهرات لا تمثل كل الشعب السوداني، بل تمثل قوى سياسية محدودة، معللين هذا الموقف بعدم تحقيق أي من الشعارات المرفوعة للتظاهرات رغم مضي 4 أشهر عليها.

اللواء المتقاعد فضل الله برمة ناصر، نائب رئيس حزب الأمة القومي، عضو المجلس العسكري الانتقالي الذي انحاز للشعب في ثورة أبريل 1985، ردًا على موقف أنصار الحزب الحاكم، فيرى أن الحراك الشعبي الحاليّ يمثل كل الشعب السوداني من نقابات وشباب ونساء ومجتمع مدني، بما يجعل من تشابه الثورتين حقيقة ماثلة، لا ينقصها إلا انحياز الجيش للشعب.

وفي تصريحات له يعتبر أن ساعة الصفر اقتربت تمامًا ولم يتبق لها إلا انحياز القوات المسلحة للشعب، كما حدث في تجربة ثورة أبريل، وهو أمر لا يستبعد حدوثه في القريب العاجل، استنادًا إلى الثقة المتبادلة بين الشعب والجيش، على حد قوله.

الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري

فيما طالب الصحفي السوداني الوليد بكري في مقال له جيش بلاده بالوقوف إلى جانب إرادة الشعب، موجهًا خطابًا له قال فيه: قف يا جيش بلادي العظيم وندعو من هم على ميزان الشرف وصدق الانتماء من قوات الجيش السوداني العظيم الملتزمين بعقيدة وطنية ومهنية راسخة ومتصلة فهم من هذا الشعب وإليه طمأنينة وأمان وهم بلا شك على الطريق ومجيبين للنداء دون انتقاص من هدف ولا تفريط في مطلب ارتجاه الشعب السوداني الكريم".

كما طالبه أن "يتأمل صوت الشعب في كل شبر في بلادنا ويتأمل أيضًا كيف سقط الشهداء في أنحاء سوداننا، وتأمل وجه كل شهيد تأمل آخر ما نطق به تأمل لا وجوه منقبضة ولا فزعة رعب بل ابتسامة وضيئة"، مختتمًا حديثه: "جيش بلادنا الضمير القومي الحي الذى لا يموت وسيف ودرع ومنصة مبادئ وقيم وطنية عليا وشرف بازخ وحق أرض وشعب لا تقبل المساومة وتواريخ كفاح على ميزان جيش واحد شعب واحد".

ومنذ صباح اليوم بدأت العديد من المسيرات عند نقاط الالتقاء التي حددها التجمع في بيانه على الفيسبوك في انتظار التوجه إلى مقر قيادة القوات المسلحة والوحدات العسكرية في الولايات التي ستعم فيها التظاهرات، وتبقى الأيام القادمة الفاصلة في مستقبل نظام البشير الذي تزداد الضغوط عليه يومًا تلو الآخر.